الحوار المتمدن - موبايل


الثامنة والنصف مساءً رواية تراجيدية لا تنقصها الدُعابة وشجاعة التفكير

عدنان حسين أحمد

2020 / 10 / 5
الادب والفن


حين أصدر قصي الشيخ عسكر رواية "الثامنة والنصف مساءً" عن "دار العارف للمطبوعات" في بيروت كان يعرف سلفًا أن تعالقهُ مع حكاية النعمان بن المنذر ستُثري نصه الروائي الجديد الذي يقوم على تقنية "النص الغائب" أو "النص المُوازي" الذي يظهر حينًا ويتوارى حينًا آخر ضمن اشتراطات اللعبة السردية التي تُذكِّر بالفكرة المتناصّ معها دون أن تستنسخها بالكامل، وتتكئ عليها كما يتكئ اللبلاب على الجدار. فالقصة التي حدثت في ثمانينات القرن العشرين تضمّ ثلاثة أشخاص وهم: الدكتور عبدالرضا علي من بغداد، والدكتور مزاحم أحمد عبد البلداوي من قضاء بلد في تكريت اللذين اختصّا في الأدب العربي، والدكتورر سعيد جاسم الزبيدي من قضاء المحاويل في بابل الذي درس علوم اللغة. أما قصة "النص الموازي" فتشتمل على ثلاثة أنفار وهم: النعمان بن المنذر، والبدوي حنظلة الطائي، والوزير شريك. فالنعمان بن المنذر هو ملك الحيرة الذي كان له يومان: يوم سعد يرتدي فيه أثمنَ ملابسه القشيبة ويُكرم أول من يزوره، ويوم نحس يتلفع فيه بملابسه السوداء ويأمر بقتل من يأتيه زائرًا أو ملتمسًا حاجة. وذات يوم يتيه النعمان في الصحراء ويكاد يهلك من الجوع والعطش لو لم يصادف"حنظلة الطائي"، البدويٌ الذي ضيّفهُ وأكرمهُ وأنقذه من موت محقق لكن سوء طالعه هو الذي دفعه لزيارة النعمان في يوم نحسه فأمر بقتله غير أنّ وزيره "شريك" جازف بحياته وتكفّل البدوي الذي طلب أن يودّع أهله ويوصي بهم، ووعده بالرجوع حسب الموعد المتفق عليه.
يعتمد قصي عسكر في كتابة هذه النوفيلا على ضمير المخاطَب وكأنه يوجِّه رسائل متعددة على لسان الراوي العليم عبدالرضا علي إلى صديقه مزاحم البلداوي الذي يُغيّب في جمهورية الرعب والخوف لسبب محيّر يلتبس عليهم أول الأمر لكنه يتكشّف رويدًا رويدًا، ورغم أنّ الشكوك كانت تحوم حول غزوان العاني، الطالب المتنفِّذ في الاتحاد الوطني الذي يكتب التقارير عن الطلبة والأساتذة إلى ضابط أمن الكلية أو للجهات الأمنية الأخرى إلاّ أنّ واقع الأمر يشير إلى غير ذلك تمامًا الأمر الذي يدعونا للوقوف عند هذه القصة قبل غيرها. فبينما كان الحاج والد الراوي يتردد على الدكتور كامل النوري لإجراء فحوصات القلب الدورية كلّمه الطبيب الذي أصبح شبه صديق للحاج عن حاجة مريض فقير إلى كرسي متحرّك، فالحاج رجل ميسور الحال، وصاحب معمل لصناعة هياكل السيارات، ويسعى لعمل الخير بهدف الحصول على الأجر والثواب، فطلب من صهره مزاحم أن يأخذه إلى أسواق منطقة "المربّعة" ويشتري له الكرسيّ المتحرّك، ثم تبيّن أنّ هذا الشخص المعاق ينتمي إلى تنظيم سريّ ديني، فـ "النضال ضدّ الدكتاتورية لا يقتصر على الأصحّاء"(ص30).
تعود بنا هذه القصة إلى عام 1982 فبينما كان الدكتور مزاحم يشرف على امتحانات نصف السنة لذلك العام جاءه رئيس القسم، وهمس في أذنه كلمة وغادر، وبعد برهة غاب الدكتور مزاحم ولم يعد، كما غابت سيارته من رحبة العجلات وبعد أربع سنوات تبيّن أنّ الدكتور مزاحم حيٌّ يُرزَق لكنّ التعذيب كان مُمضًا، والمعاناة كانت قاسية بحيث أدّت إلى استفحال مرض القلب، وظهور الأكَزيما على جسده. وبما أنّ البلداوي لا يشكِّل خطرًا على الدولة، ولم يكن، يومًا ما، شيوعيًا أو قوميًا أو منتميًا إلى "تنظيم سورية لحزب البعث" فقد نقلوه إلى مستشفى "ابن النفيس" وقيّدوه بالأغلال إلى السرير وخصصوا شرطيًا لحراسته. ومن حُسن حظه أنّ هذا الشرطي كان سكّيرًا مُدمنًا يأخذ ضعف ثمن مشروبه من البلداوي مقابل أن يفكّ أغلاله ليلاً، ويعود ليقيّده قبل السادسة صباحًا ويسلّمه إلى حارس بديل. والأهمّ من ذلك أنهم سمحوا بزيارة زوجته فقط بينما كان البلداوي يتحرّق شوقًا لرؤية أولاده وبعض أصدقائه المقرّبين.
على الرغم من مأساوية الأحداث في هذه النوفيلا إلاّ أنها لا تخلو من النكتة، والدُعابة، وخفّة الظل التي يُبديها الراوي العليم. وأكثر من ذلك فإن مناخ النص السردي ينعطف نحو القلق، والتوّتر، والإثارة، إذ تُعدّ هذه النوفيلا من أدب السجون خاصة فيما يتعلّق بتغيّيب الدكتور مزاحم البلداوي، وحبسه لمدة طويلة، وتعرّضه للتعذيب، والإذلال، والإهانة. كما أنها نوفيلا درامية مثيرة لجهة قيام الراوي بمحاولة تهريبه من المستشفى وإعادته إلى بيته في "حيّ الحرية" لليلتين متتاليتين كي يلتقي بزوجته وأطفاله. تُرى، منْ يستطيع في حقبة صدام حسين أن يَقدِم على تنفيذ هذه المغامرة التي يمكن أن يدفع ثمنها حياته في أقل تقدير؟
تتكئ النوفيلا في جانب منها على تقنية الاسترجاع الذهني "الفلاش باك" التي يستعيد الراوي بواسطتها ذكرياتهم في المرحلة الإعدادية، والسنوات الأربع التي أمضوها في كلية الآداب، بجامعتيّ بغداد والمستنصرية، وممارستهم لهوايتهم المفضّلة وهي التمثيل المسرحي الذي أحبّوه، وانقطعوا إليه لعدد من السنوات. ولعله يتذكّر جيدًا الدور الذي كان على "سعيد" أن يؤديه في إحدى المسرحيات لكن شاء الحظ السيء أن يُصاب "سعيد" بالحمّى فسارعوا بإسناد دوره إلى يعقوب الخميسي الذي أتقنه في الليلة الأولى والثانية، أمّا في الليلة الثالثة فقد أوشكت أن تقع كارثة، إذ تباطأ في رفع يده، وبدلاً من أن تقع يد الراوي على باطن كفّه جاءته صفعة قوية ومباغتة على خدّه فشقّ أحدُ أسنانه باطن الحلق، وأخذ الدمّ يسيل من فمه بغزارة فانفجر الجمهور بالتصفيق ظنًا منه أنها لمسة فنية لتصعيد البنية الدراميّة للحدث. لقد نجا سعيد من كفّ الراوي الثقيلة، وها هو الآن يستذكره ليعوِّضه عن الدور الذي خسره قبل عشرين عامًا. وحينما يلحّ عليه الراوي بالمجيء يخبره بأنّ مزاحم حيّ يرزق وعلينا أن نهرّبهُ من المستشفى في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءً، ويشرح له تفاصيل الخطة التي لا تخلو من نَفَس بوليسي بحيث تذهب أم أحمد قبله وتدّله على الردهة التي يقيم فيها زوجها مزاحم في الطابق الأول بينما ينتظر الدكتور سعيد في السيارة. وما إن يصل الراوي إلى صديقه مزاحم ويحيطه علمًا بالتفاصيل الدقيقة حتى تنجح عملية التهريب في اليوم الأول، ثم يكرّرونها للمرة الثانية رغم المخاطر الشديدة التي تكتنف هذا النوع من المجازفات الخطيرة.
يندرج هذا الموقف الرافض للقمع والاستلاب في زمن جمهورية الخوف والرعب ضمن "أدب المقاومة" الثقافية التي تعتمد على "القوّة الناعمة" و "الحِيل الذكية" التي لا تنقصها الجرأة وشجاعة التفكير. إنّ التقارير التي كُتبت من قِبل غزوان العاني ضد الدكتور البلداوي كثيرة يتهمهُ فيها بأنهُ يتعمّد بثّ الأفكار الدينية واليسارية، كما أنه لا يجد حرجًا في تحليل النصوص الحديثة تحليلاً جنسيًا يتنافى مع تقاليد مجتمعنا العراقي المُحافظ فلاغرابة أن تضعه سلطة البعث وأجهزتها الأمنية خارج السرب وتعدّهُ مناوئًا لأفكارها ومفاهيمها. ورغم كل هذا التحقيق المُذلّ، والتعذيب، والإهانة وجدوه بريئًا، وقيل إنّ عفوًا رئاسيًا شملهُ فخرج من الظلمة إلى النور، ووجد له الراوي عملاً في جنوب غرب الجزيرة العربية وهو ذات المكان الذي يدّرس فيه. أما الصديق الثالث الدكتور سعيد الزبيدي الذي نقلوه من الجامعة إلى وزارة الأوقاف لأنّ الجامعة شكّكت بإخلاصه، كما نُقلت زوجته لتكون مهندسة في سايلو بابل قرب المحاويل الأمر الذي اضطره إلى ترك عمله والانتقال إلى بابل للعيش معها. ومن حسن المصادفات أنّ الدكتور سعيد الزبيدي قد حصل على عقد عمل في جامعة بجنوب شرق الجزيرة العربية فاجتمع شمل الأصدقاء الثلاثة من جديد. لم يصمد الدكتور مزاحم طويلاً أمام مرض القلب فوافتهُ المنيّة. أمّا الدكتور سعيد فقد آثر أن يبقى في سلطنة عُمان كي يكون قريبًا من بغداد، فهو يحب التدريس الجامعي، ولا يفكّر بالتقاعد حاليًا، فيما مسح الراوي من ذاكرته فكرة العودة إلى الوطن قبل سقوط دولة الرعب.
وعودًا على بدء، فإنّ "النص الموازي" الذي قيل فيه بعد رجوع البدوي أنّ النعمان بن المنذر قد ألغى يوم النحس وأبقى على أيام النعيم وحدها تمجيدًا لوفاء البدوي، وتثمينًا لمروءة وزيره "شريك". أمّا الأصدقاء الثلاثة فلم يستطيعو أن يلغوا كل شيء من ذاكرتهم، وإذا اختفت أيام النحس في اليقظة "حنّت فزارت في المنام . . . وكيف لنا بأعين لا تنام"(ص62).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كلمة أخيرة - الفقرة الثالثة - لقاء حاص مع الكاتب والأديب يو


.. برنامج المواجهة - مِن مَن يعتذر الممثل يوسف الخال؟


.. بيت القصيد | الممثلة اللبنانية ميراي بانوسيان | 2021-04-10




.. كاظم جهاد: تاريخ الفلسفة هو تاريخ الترجمة واستقلالية الإنسان


.. الأدب العربي بين الأسطورة والخرافة في الجزء الثاني مع الأديب