الحوار المتمدن - موبايل


في ذكرى رحيل إرنستو تشي غيفارا

بوناب كمال

2020 / 10 / 9
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


أصبح تشي غيفارا اليوم علامة تجارية ورمزًا يجذبُ أطيافًا من المتمرّدين والثوّار الشباب من جميع أنحاء العالم؛ ومنْ سخرية القدر أن تتضاءل أهمية تشي في كوبا مقارنة بتناميها في بقاعٍ أخرى؛ مع ذلك مازال يمارس تأثيرا خفيًا على الثقافة السياسية في كوبا، ليس بصفته مصدرا لمقترحات اقتصادية وسياسية وإنما باعتباره نموذجا لثقافة التضحية والمثالية؛ فشعار “seremos como el Che” "سنكون مثل تشي"؛ ظلّ يتردّد بانتظام لدى تلاميذ المدارس.
تحت قيادة راؤول كاسترو؛ سعت الحكومة إلى نسخة كوبية من النموذج الصيني والفيتنامي، أيْ شكلٌ من أشكال رأسمالية الدولة المنتفع من الشركات الخاصة، وذلك بعيدٌ عن اقتراح غيفارا القائم على نموذج سيطرة الدولة على الاقتصاد برمّته.
تتمتع رؤى تشي غيفارا بجاذبيةٍ أكثر خارج كوبا؛ فقد استجاب Subcomandante Marcos ( مؤسس حركة زاباتيتسا في تشياباس بـ المكسيك) لدعوة تشي لحملِ السلاح ضدّ الظالمين والحكومات الفاسدة، وعلى متتالية روح التمرّد هذه استولت الحركة الطلابية في المكسيك على قاعة خوسيه سييرا بالجامعة المستقلّة الوطنية، وغيّرتها إلى اسم قاعة تشي غيفارا.
الصدق السياسي والمساواة والراديكالية والاستعداد للتضحية من أجل قضية؛ كانت هذه قيَم تشي غيفارا التي مازالت تجذب كثيرا من المتمردين الشباب، إضافة إلى معارضته التقليدية للأحزاب الشيوعية الموالية لـ موسكو ونبذه للسياسات البيروقراطية؛ أصبح تشي شيوعيا في منتصف العشرينيات من عمره، كانت الدولة بالنسبة إليه هي نقطة الارتكاز لإحداث التغيير، والاستيلاء عليها هو هدفُ الثورة الاجتماعية؛ كان ميّالا لانتقاد سمات النظام السوفيتي وأقرب إلى تبنّي أفكار ماو في الصين؛ جوهر الاشتراكية بالنسبة إليه هو القضاء على المنافسة والرأسمالية؛ الدولة يقودها حزب شيوعي طلائعي يتحكم حصريا في مفاصل الاقتصاد، وبدفاعه عن المساواة الاقتصادية وتفانيه في خدمة أهداف المجتمع يكون قد تقبّل ضمنيًا ثنائية دوتوكفيل: المساواة مقابل الفردية.
يصف تشي غيفارا نفسه بالماركسي؛ درسَ بجدية متناهية الكلاسيكيات الماركسية غير أنه كان انتقائيًا للغاية في أطروحاتها؛ فبينما رأى ماركس وإنجلز أن انعتاق الطبقات العاملة يأتي من داخلها، رأى غيفارا أنّ حرب العصابات هي جيش المتمردين ذاته، ولا دور مرجو للفلاحين والعمال ،في ما عدا الممثلين الداعمين، في الإطاحة بدكتاتورية باتيستا وتحقيق ثورة اجتماعية في كوبا؛ فالاشتراكية تتأسّس منْ فوق مع استبعادٍ لأي سيطرة ديمقراطية شعبية؛ تكرّرت أساليب غيفارا السياسية والعسكرية في بوليفيا والكونغو؛ حيث نصحَ عمال المناجم في بوليفيا بأن يتخلّوا عن النضال الجماهيري وأن ينضمّوا لجيش حرب العصابات، بينما اعترف بعدم وجود شروطٍ مؤاتية لقيام ثورة اجتماعية أو ثورة ضد الإمبريالية في الجزء الشرقي من الكونغو، إلا أنه كان مُلحًّا على أن كثافة التطوّع هو سبيلُ تذليل العقبات في وجه إنشاء حزب الطليعة.
يزعمُ منتقدو تشي غيفارا أنّ لجوءه إلى العنف الثوري هو سبب أخطائه أو فشله؛ من هؤلاء الكاتب المكسيكي البارز خورخي كاستانيدا الذي عابَ على تشي إهماله التناقض الأبدي ، تناقضٌ في المشاعر والرغبات والأهداف؛ كاستانيدا يعتقد بأن الثورة وعنفها لا يتوافقان مع الديمقراطية والإصلاح؛ هذا المنظور لم تتم مناصرته من طرف نقادٍ بارزين للماركسية (مثل كارل بوبر) فحسب؛ بل لقيَ تأييدا من قائد اشتراكي حقيقي مُنتخب ديمقراطيا هو سلفادور أليندي، الذي ضحّى بحياته ليبقى مخلصا لفكرة اللاعنف.
استنتج تشي غيفارا بأنّ جميع بلدان أمريكا اللاتينية كانت على استعدادٍ عملي لحمل السلاح، بالأخص المناطق الرّيفية النائية؛ في الحقيقة كان هذا عمًى إستراتيجي وتكتيكي تجاهلَ اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين دول القارة؛ وهو ما عبّر عنه زعيم الحزب الشيوعي البوليفي الموالي لـ موسكو ماريو مونخي حين ردّ على طلب تشي بأن ينضمّ إلى حرب العصابات التي أسسها مؤخرا في بوليفيا بقوله "في عقلك رشاش، في عقلي سياسة".
تجاهلَ تشي غيفارا إشكالية "شروط الوضع الثوري"، وأصبح منعزلا للغاية، وبعد تنسيق الجيش البوليفي مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قُتل بدمٍ بارد في غابات بوليفيا يوم 9 أكتوبر 1967؛ إنّ فشل مشروع حرب العصابات لم يكن مفاجئًا، وذلك بسبب غياب شروط الوضع الثوري من جهة، وقصور الحصول على دعم وموالاة الفلاحين والطبقة العاملة البوليفية من جهة ثانية.
بتصرّفٍ عنْ:
Samuel Farber, The politics of Che Guevara : Theory and practice, Haymarker Books, 2016.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقاح كورونا متوفر لجميع الأميركيين.. ماذا بعد؟ وهل محاكمة قا


.. السيارة الكهربائية.. حماية البيئة أولوية | #غرفة_الأخبار


.. زعيم حزب العمال البريطاني يشتبك مع صاحب حانة بسبب فرض الحجر




.. كوبا: انتخاب الرئيس ميغيل دياز كانيل أمينا عاما للحزب الشيوع


.. -الحرب النووية- في كرة القدم.. دوري السوبر الأوروبي ولعبة ال