الحوار المتمدن - موبايل


ثقافة الإلغاء .. ثقافة فاشية

سعيد مضيه

2020 / 10 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


المؤسسات الأمنية الأميركية تستجوب متضامنين مع فلسطين بالاستناد الى قوائم يعدها عملاء إسرائيل

قام موقع إنترسيبت الإليكتروني بتقصي ظاهرة يجري السكوت عنها ، ظاهرة ملاحقة المتضامنين مع القضية الفلسطينية بالولايات المتحدة . خرجت عملية التقصي بوقائع تشي بأن المجتمع الأميركي لم يعد يتمتع بالحرية والديمقراطية ، مثلما تتشدق دعايات الغرب. حول نتائج التقصي كتب مرتضى حسين في الرابع من أكتوبر الحالي عن منظمات تتلفع بالسرية تضم عملاء حكومة إسرائيل بالولايات المتحدة تعد قوائم سوداء تفتري على المتضامنين بأنهم انصار الإرهاب ولاساميون ومتطرفون . من أبرز المنظمات "مهمة كناري" . ويتعاون الأمن الأميركي مع تلك المنظمات ويستند الى قوائمها في إجراء الاستجوابات المثيرة للفزع . العنف السلطوي بكامل طاقته بات جزءا من حياة الطلبة الفلسطينيين وأنصارهم .

في شهر تموز نشرت مجموعة من 150 مثقفا وفنانا كتابا مفتوحا بمجلة هاربر تحذر فيه مما دعته مناخا متناميا بالولايات المتحدة يفرض بالإكراه التطابق إلأيديولوجي. ومضت الرسالة، بعد التنديد ب" عدم التسامح مع وجهات النظر المعارضة" و " رواج ظاهرة التعزير العام والإقصاء"، لتضيف ان " فرض القيود على الحوار، سواء جاء من حكومة استبدادية أو من مجتمع اللاتسامح، يلحق الضرر بأولئك المحرومين من القوة وتحيل الجميع أقل قابلية للمشاركة الديمقراطية".
أحد الذين وجدوا أنفسهم متفقين مع هذه اللفتات النبيلة كان الفلسطيني همام فرح، أمضى سنوات يدرس العلاج النفسي بجامعة تورنتو. همام عانى بقسوة من عدم التسامح، حيث تعرض للهجوم بسبب نشاطه الطلابي المناصر لشعبه الفلسطيني. يقول همام ، " عندما يتعلق الأمر بالوقوف مع حقوقنا ، يغدو صعبا للغاية؛ حرية الكلام؛ تتعرض حرية التعبير لللهجمات مرة تلو أخرى.
"الناس تعارض ثقافة الإلغاء، وهذا عظيم؛ وانا ضد ثقافة الإلغاء، لكن معظم حالات الإلغاء المثيرة للحنق تطال الفلسطينيين وكل من يتضامن معهم...."يقول فرح.

وسط النقاش الساخن حول حرية الكلام والرقابة بالولايات المتحدة يبرز الهجوم على النشطاء المؤيدين لفلسطين أقل سطوعا من نموذج الإسكات الأشد قسوة . قلة من كبار المثقفين ممن راهنوا على ما دعوه حرية التعبير الصارمة من النقاش الوطني ألقوا الأضواء الكاشفة على الدرجة التي لا تصدق من قمع حرية التعبير عن دعم حقوق الفلسطينيين- خاصة بين الناس العاديين العاجزين عن الوصول الى منابر النخبة، امثال فرح. يقول:"علينا ان نظل مثابرين، وعلينا ان نقر بوجود ازدواجية معايير هنا".
الطرد من العمل والرقابة المشددة فيما يتعلق بالنزاع الفلسطيني –الإسرائيلي غدا من زمن بعيد ظاهرة عامة في الجامعات وفي المجالات السياسية. في هذا الشهر بالذات تم التراجع عن عرض وظيفة للأكاديمية البارزة فالنتينا ازاروفا في كلية الحقوق بجامعة تورنتو الكندية، وذلك بعد أن عبر أحد كبار المتبرعين للجامعة، كما قيل، " عن القلق في جلسات خاصة بصدد ماضي أزاروفا، إذ شاركت في انتقاد انتهاك إسرائيل لحقوق الإنسان الفلسطيني".
مهمة كناري- قائمة اليكترونية ضمت أسماء العديد من الطلبة
في تصريح للسيدة (أ.ه) طلبت عدم ذكر اسمها، خشية المزيد من المكابدة جراء نشاطها السابق لصالح القضية الفلسطينية، قالت فيه: "تدخل الى برنامج غوغل فترى قائمة سوداء بأسماء يزعم أنهم "إرهابيون "او "مؤيدون للإرهاب" أو "متطرفون".
تحدثت بانفعال عبر الهاتف ، وقالت ان مشاركتها هامشية في الأنشطة الفلسطينية، مثل كتابة تعليقات على النت وحضور اجتماعات احتجاجية. ورغم الضعف النسبي لمشاركتها بالقضية إلا ان اسمها ما زال ضمن قائمة مهمة كناري وهو موقع اليكتروني أنشأه أنصار مجهولون لإسرائيل يتعقبون الناشطين والاكاديميين والطلبة المؤيدين للنضال الوطني الفلسطيني. يصعب وصف مهمة كناري بغير كونها قائمة سوداء . وعلى غرار فرح وغيره غدا اسم (ا.ه) على الموقع أكبر أثر بارز في حياتها، كلفها الكثير، ليس في عملها فقط ، بل كذلك على حياتها الشخصية وقدراتها الذهنية.
إذ يحذر بعض المحافظين من تنامي " الشمولية الناعمة" لعدم تسامح التقدميين بالولايات المتحدة، تتوطد ظاهرة الإكراه التسلطي بكامل زخمها بكل ما يتعلق بالنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، مثل القائمة السوداء لمهمة كناري وطيد في الحياة اليومية . حتى بعد أن اوقفت نشاطها المؤيد للفلسطينيين- لم تعد تكتب في الميديا الاجتماعية حول الشرق الأوسط على سبيل المثال - تظل (ا.ه) مطاردة بحكم وجود اسمها بالقائمة السوداء. "أخشى من التقدم يطلب عمل أو حتى تحديث صفحتي على لينكيدن كي أبين مكان عملي الحالي، أحيانا أقابل أشخاصا ثم يختفون ؛ فيعتريني التعجب هل الأمر ما اطلعوا عليه وهم يبحثون عن اسمي على النت" .
جلس أحمد أبوراس في الصف ذات مساء من شهر ايلول /سبتمبر2016 عندما حضر جيرالد لينيهان ، ضابط الأمن بمدرسة القانون، سيتون هول، بنيوجيرسي، حيث يدرس أبو راس. قال ضابط الأمن بالمدرسة انه بحاجة للحديث مع أبو راس وجها لوجه. استغرب أبوراس الطلب ؛ غير أنه نهض ومضى مع الضابط الى مكتبه، وهو يخمن أن الأمر متعلق بطارئ ما، سيارته أو بطاقة المدرسة.
لدى وصولهما المكتب بات واضحا أن الأمر مختلف؛ بالمكتب جلس ضابطان من دائرة حفظ القانون: كريغ موت ، مخابرات شرطة ولاية نيوجيرسي، وتيد كولشورن، ضابط مكتب التحقيقات الفيدرالية ( إف بي آي). كلاهما من القوة الضاربة المشتركة لمكافحة الإرهاب. ذكر أبوراس أن لينهان قال : "هذان الشابان يريدان التحدث معك "، ثم غادر المكتب. خلال 35 دقيقة استجوب الضابطان أبو راس، ليس بصدد شبهة إجرام ، إنما لديهما أسئلة بصدد رسائل مؤيدة للفلسطينيين كتبها على الفيسبوك. قضية أبو راس واحدة من عدة قضايا حقق فيها مكتب التحقيقات في أنشطة مؤيدة للفلسطينيين في السنوات الأخيرة. البعض من هذه الاستجوابات استندت الى القوائم السوداء نظمتها جماعات يمينية متطرفة[أي فاشية] موالية لإسرائيل، وتتركز حول ارتباطات، مزعومة وغير مبرهن عليها، بتنظيمات عسكرية بالشرق الأوسط . وقد علم موقع إنترسيبت، الذي تقصى الحكاية بأجمعها ، بثلاث استجوابات اخرى ( رغم ان الرقم أعلى بكثير) اثنتان منهماهذا العام.
في استجواب أبو راس وآخر مثله استند مكتب التحقيقات الى مهمة كناري وموقع إليكتروني مشابه يديره يمينيون متطرفون [ فاشيون] يجمع معلومات عن نشطاء يعملون لصالح حقوق الإنسان الفلسطيني داخل الحرم الجامعي الأميركي؛ تزعم القوائم ، بدون بينات، أن الطلبة مرتبطون بالإرهاب ، وذلك ضمن مجهود لحرمانهم من التوظيف. في الآونة الأخيرة أطلق مدافعون عن حقوق الإنسان الفلسطيني نقاشا وطنيا بصدد ما يبدو دعما أميركيا غير مشروط ، ماليا وعسكريا لحكومة إسرائيل. واجتذب نشاط هؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان تكتيكات معادية باضطراد من الجماعات الفاشية الراغبة في إسكاتهم، وتدعم استجوابات مكتب التحقيقات تلك الأنشطة اليمينية.
أثارت استجوابات مكتب التحقيقات القلق الشديد لدى دعاة الحريات المدنية، ويقولون انها تروع المستجوبين، وتشل حرية التعبير كما ضمنها الدستور؛ وهي آخر تجليات خمسين عاما متتالية من تعقب النشطاء المؤيدين لفلسطين. تثير المزيد من قلق الحريات المدنية استناد مكتب التحقيقات الى مهمة كناري وأشباهها، ذلك أنها ترمز إلى اعتماد جهاز حفظ القانون على قوائم سوداء غير موثقة مهمتها إغلاق كل انتقاد لإسرائيل وشيطنة الطلبة المطالبين بحقوق الشعب الفلسطيني. تقول ليز جاكسون، من هيئة الادعاء لدى منظمة الحق القانوني للفلسطينيين، وهي تقدم المساعدة للطلبة ممن يجري استجوابهم، "هناك ، حيثما يوجد ‘يمينيون متطرفون’ اسلاموفوبيون صهاينة يقمعون في المجال الخاص يتقاطعون مع الاضطهاد الحكومي- أسوأ كوابيس الحكومة وأجهزتها الأمنية، التي تنتهك على نطاق واسع الحقوق المدنية الأساس، مستجيبة لأشد العنصريين عداء لحقوق حرية العبير السياسي".
تغريدات ابو راس على الفيسبوك التي جلبت انتباة القائمة السوداء لمهمة كناري كتبها مباشرة بعد عدوان 2014 قال فيها "اننا بشر ونحن جميعا مقاومة، كلنا حماس"، نكاية بهمجية العدوان وليس انتسابا لحماس. وفي أكتوبر 2015 كانت التغريدة الثانية التي جلبت اهتمام القائمة تضمنت تأييد الانتفاضة في فلسطين. توصلت تحقيقات انترسيبت الى أن "مهمة كناري" أبلغت باتريك لينفانتي ـ مساعد نائب رئيس الأمن العام بجامعة سيتون هول في حزيران 2016، وبدورها أبلغت الجامعة مكتب التحقيقات. لماذا تتصل مدرسة الحقوق بمكتب التحقيات بصدد الآراء السياسية لطلبتها؟ ردت الناطقه بلسان الجامعة ، لاري باين، " ان مدرسة الحقوق تحترم حقوق طلبتها في التعبير عن آرائهم الشخصية، السياسية أو غيرها، سواء داخل الصف أو في حرم الجامعة او الميديا الاجتماعية"؛ غير أن بالجامعة أربعة طلاب تخشى الخطر على حياتهم، والجامعة ملتزمة بالتبليغ عن أنشطة تعتقد انها تنطوي على خطر وتتعاون مع السلطات الأمنية" .
المفارقة أن شرطة أميركا لم تفطن للخشية من الخطر على حياة قائدي السود، مالكولم إكس ومارتن لوثر كينغ، ومئات السود ممن اغتالهم خلال السنوات الأخيرة!
سُميّه عواد طالبة نشيطة بجامعة كولمبيا سابقا اسمها ضمن قائمة مهمة كناري. اشتركت في السابق في محاولات مضادة للقائمة ، منها المساعدة في إيجاد موقع إليكتروني مضاد يحذر من القائمة السوداء, وتقول: في البداية كنا نسوق النكت بصدد تسجيلنا بقائمة مهمة كناري كطريقة جيدة لرؤية من هم أصدقاؤنا ذوو الاتجاهات السياسية الجيدة. ورغم ان مشغلي الموقع ظلوا ملتفين بعباءة السرية فقد أشارت التحريات السابقة لمهمة كناري الى شبكة من الداعمين الأثرياء بمن فيهم آدم ميلستاين، صاحب الاستثمارات في قطاع الأراضي الإسرائيلي – الأميركي، الذي أنفق ملايين الدولارات لخنق حركة مقاطعة إسرائيل ( بي دي إس) ومهاجمة منتقدي سياسات إسرائيل. وبخلاف صيغة "ثقافة الإلغاء" التي باتت موضوع نقاش المثقفين الأميركيين، فإن الصيغة المدعومة من قبل حكومة إسرائيل لأغراض جمع المعلومات الاستخبارية. كما تم استخدام القائمة السوداء من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي لدى استجواب أفراد بصدد أنشطتهم.
ينتاب القلق سمية عواد، وهي فلسطينية تقيم أسرتها بالأردن، وتعيش حاليا بالولايات المتحدة، من أن وضعيتها كمهاجرة تضعها تحت خطر معين من نمط القائمة السوداء التي يقوم بها الموقع. وفي العام 2018 نشرت هآرتس ان سلطات إسرائيل جلبت قوائم بعثة كناري كي تستعين بها لرفض دخول أفراد الى إسرائيل، والأراضي المحتلة. أما قضية عواد فلا تنحصر في حدود دولة إسرائيل؛ إنما باتت مقلقة من الأثر المحتمل لوضعها على قائمة سوداء تمنعها من دخول الولايات المتحدة. بالسبة للعديدين من أصول الأقليات أو غير حاصلين على الجنسية فإن تدوين أسمائهم بالقوائم يمكن أن يحمل مخاطر مرعبة بصدد القدرة على البقاء بالولايات المتحدة. تقول عواد ،" عندما قدمت طلب الهجرة لاحظت بالصفحة المتعلقة بي في مهمة كناري – إلصاق أوصاف لا علاقة لي بها ، ‘متعاطفة مع الإرهاب’، ‘حماس’ و ‘لاسامية’- كانت أول ما ظهر لدى البحث في غوغل. يمكن اتخاذ إجراء ضدي دون إبلاغي ان ذلك هو السبب".
لكي يشطب الاسم من القائمة يتوجب على الأفراد الخضوع لعملية مع مهمة كناري، تنطوي على كتابة اعتذار واستنكار الأنشطة القديمة. يوجد على الموقع عدد من هذه الشهادات في صفحة تضم قائمة الكناريين السابقين. استعرض مراسل موقع إنترسيبت الإليكتروني سلسلة رسائل بريدية تظهر المفاوضات التي دارت بين مسئولي موقع المهمة، وفيها اضطر الكناري المستنكر للعودة الى جهاز الميديا الاجتماعية ومسح كل ما كتب خلال عدة سنوات "ضد إسرائيل" قبل أن يقدم بيان سجود مهين يستنكر وجهات النظر السابقة ويعد بعدم التورط قطعا في أنشطة مؤيدة للفلسطينيين,
لكن عواد لم تدخل في هذه العملية وما زال اسمها بالقائمة.
للقائمة السوداء قوة هائلة في إسكات الناس وجعلهم يؤمنون ان حرية التعبير ليست من حقوقهم. هي تزرع إحساسا قويا بالخوف والبارانويا.
أما همام فرح فقد واجه لسنوات صعوبات بفضل وجود اسمه بقائمة مهمة كناري. ظهرت هذه المشاكل في جزء كبير منها بسبب حافز اخلاقي حاكم لأن ينشط من اجل قضيته. شارك في أنشطة تتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وهو طالب بجامعة تورنتو. بعد تخرجه امتنع المرضى عن زيارة عيادته بسبب اتهامه بالإرهاب.
في الصيف الماضي ، وفي نفس الأسيوع الذي صدر بيان لجنة هاربر تبلغ فرح أن طلبه لنيل تصريح بممارسة العمل من كلية العلاج النفسي بجامعة أنتاريو قد أوقف إثر اكتشاف اسمه بالقائمة السوداء ؛ وبعد التوجه لطلب المساعدة نشرت منظمة تدعى شبكة الصحة العقلية الفلسطينية- الأميركية رسالة باسم فرح جاء فيها انه كان "الضحية لاستهداف حاقد من قبل منظمة سياسية كرست نفسها تسجيل كل من لا يوافقونها الرأي في قوائم سوداء."
بعد تدخلات زال التحفظ على طلب فرح، لكن القلق ما زال ينتابه من مشاكل لاحقة قد تواجهه مرتبطة بالقائمة السوداء ." الخوف كل مرة من تأجيل إنجاز شيء ما كلما برز اسمي بالقائمة. دائما أفكر في تلك القائمة اللعينة." لم يتلق فرح وأضرابه كلمة تضامن من المجتمع الليبرالي بأميركا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أول إباضة لسلاحف ملكية مهددة بالإنقراض في كمبوديا


.. فرنسا - الجزائر : مصالحة الذاكرة الصعبة


.. حياة ذكية - علاج روسي لمكافحة الشيخوخة




.. لماذا أقدمت المغرب على تجميد اتصالاتها مع ألمانيا وكيف ردت ب


.. كيف تحولون صور أحبائكم القديمة إلى مقاطع فيديو واقعية متحركة