الحوار المتمدن - موبايل


من المركزية الأوروبية إلى علم اجتماع عربيّ

زهير الصباغ

2020 / 10 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


مدخل

تعالج هذه الدراسة الفكرة التالية: هل من الممكن تطوير وصياغة علم اجتماع عربي، او علم اجتماع اسلامي يلائم بيئتنا وخصوصيتنا العربية ويشكل بديلا لعلم الاجتماع الغربي ولنظرياته التي تهيمن على جامعاتنا ومعاهدنا العربية؟

سأبدا دراستي بإعطاء وصف مقتضب وسريع للحالة القائمة في الفكر الاجتماعي المهيمن في عالمنا العربي. وبعدها، سأقوم بإجراء بعض النقد للفكر الاجتماعي الغربي، المحافظ منه والماركسي، كما وسوف أقوم بتحليل ونقد المركزية الأوروبية المترسخة داخل كليهما. ومن ثم سأنتقل لمعالجة العوائق التي تمنع المنظرين العرب من القيام بإنتاج فكر اجتماعي مغاير وأصيل، يتعدّى محدودية الفكر الاجتماعي الأوروبي.

سأتناول في جزء من دراستي موضوع الجذور الطبقية للفكر الاجتماعي الغربي والذي يهيمن اليوم، على صعيد عالمي، خاصة على مراكز إنتاج المعرفة من جامعات ومراكز أبحاث ومن ضمنها الجامعات العربية. كما وسيتم عرض عدد من المفاهيم والاتجاهات النظرية الاجتماعية لعلماء اجتماع غربيين، طرحوا من خلالها تفسيراتهم المتباينة ومواقفهم من موضوع الطبقات الاجتماعية والصراع الطبقي. ويهدف هذا العرض إلى فحص جذور الفكر الاجتماعي الغربي الذي عالج الفروقات الاقتصادية-الاجتماعية ومدى ارتباط هذا الامر بالتجسد الداخلي للانتماءات الطبقية لأصحابه.

لن تشمل معالجتي كافة المنظرين الغربيين وكافة نظرياتهم، بل ستكون جزئية لأن موضوع دراستي المركزي هو الإجابة عن تساؤل يراودني، بعد أن راود العديد من قبلي، وهو: ما هي إمكانية تطوير وصياغة علم اجتماع عربي؟

ولكن يجب التطرق ، في البداية، إلى ظاهرة التبعية الثقافية التي تطورت في العالم العربي بعد مروره في مرحلة الاستعمار الأوروبي، كون التبعية الثقافية تشكل سياقا وحاضنة فكرية تمّ تحتها نقل واستنساخ الفكر الأوروبي الاجتماعي من قبل العرب المستعمَرين، خاصة فئة المثقفين منهم.

(1) تواصل التبعيات في الوطن العربي

نشأت التبعية الاقتصادية للوطن العربي من تلاقٍ غير متكافيء بينه وبين القوى الاستعمارية الأوروبية والتي غزت العالم العربي في أوئل القرن التاسع عشر، وبعضها في أوائل القرن العشرين. وكان الغزو الثقافي الأوروبي قد سبق الغزو العسكري ومهّد له من خلال إنشاء عدد من المدارس الإرسالية الأوروبية والكنائس والمعاهد الدينية والكليات والمطابع والأديرة، والتي بدأت تغزو المشرق العربي في مطلع القرن التاسع عشر. وسعى هذا الغزو الثقافي إلى خدمة المصالح الاستعمارية لكل من فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية والمانيا والولايات المتحدة. )لوتسكي، فلاديمير (1975) تاريخ الاقطار العربية الحديث (موسكو: دار التقدم) ص 157-158 (

هنا يجب طرح السؤال التالي ومحاولة الإجابة عليه. كيف تتطور التبعية الثقافية وما هي أبعادها ومؤثراتها على المجتمع المستعمَر؟ ما يلي هو محاولة للإجابة على هذا التساؤل.

قامت الدول الغربية خلال الحكم الاستعماري بهدم البنية الاقتصادية-الاجتماعية للمجتمعات في العالم الثالث، وكانت هذه مرحلة مهمة في عملية إخضاع البلد المستعمَر. وبدلاً من هذه البنية، طوّر الاستعمار تبعية كاملة للاقتصاد الوطني إلى اقتصاد القوة المهيمنة الاستعمارية، ومنع المجتمع المستعمَر من التطور. وهيأت القوى الاستعمارية ظروف وسياسات وقوانين تسعى لتواصل التبعية والتخلف الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع المستعمَر. وتم اقتصار دور المجتمع المستعمَر على تزويد الاقتصاد الاستعماري بالمواد الخام المنهوبة وبالأيدي العاملة الرخيصة. أمّا مظاهر المقاومة الوطنية للمشروع الاستعماري، فتمّ القضاء عليها بالحديد والنار.

طورت القوة الاستعمارية المهيمنة، بالإضافة إلى التبعية الاقتصادية-الاجتماعية، سياسات تربوية تهدف إلى تمجيد الحضارة الأوروبية، والرجل الأبيض ولغة وثقافة المستعمِر. وشكلت التبعية "... حالة واقعية موضوعية شاملة، من أهمّ أبعادها ومظاهرها الانشغال بقضايا "المركز" (الدول الاستعمارية والامبريالية) والنقل المباشر – غير الواعي في كثير من الأحيان – للمداخل والمناهج وأدوات البحث والابتكار والنظريات، بل والقيم التي توجّه سلوكنا واللغة التي تكتب بها، واذا نحن نفكر كما يفكرون، ونعبّر عن أنفسنا بطرق تشبه تلك التي يستعملونها للتعبير عن أنفسهم.")حجازي، محمد عزت "الازمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي"، مجلة المستقبل العربي، السنة 8، العدد 75 (ايار 1985)، ص 60-84، وهذه المقالة كانت عبارة عن مداخلة تم تقديمها لندوة "نحو علم اجتماع عربي"، والتي عقدت في تونس، في الفترة 25-28/كانون الثاني 1985. اعيد نشر هذه الدراسة في كتاب: عدد من الباحثين (1986) نحو علم اجتماع عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية) ص 34 (

وهنا يجب التأكيد على ان الاستعمار يؤثر، من خلال هيمنته الثقافية، على البعد النفسي للإنسان المستعمَر بحيث يطوّر لديه مركب الشعور بالنقص والشعور بالدونية فيدفعه لاحتقار لغته الوطنية وتبني لغة المستعمِر. وفي هذا الصدد، يعتقد المنظر المارتينيكي فرانس فانون ان جزءًا من الصدام بين المستعمِر والمستعمَر يرتكز في الحقل اللغوي الثقافي، حيث تجري عملية تفكيك وهدم البنية اللغوية-الثقافية للمستعمَر لاستبدالها بالبنية اللغوية-الثقافية للمستعمِر. وأكّد فانون في كتابه "الجلد الأسود والأقنعة البيضاء" إن "كل شعب مستعمَر – بكلمات أخرى، كل شعب تم تطوير مركب الشعور بالنقص داخل جوهره من خلال القضاء على ودفن أصالته الثقافية – يجد نفسه وجهًا لوجه أمام لغة الأمّة جالبة المدنية، أي أمام ثقافة الدولة المستعمِرة. ويتم رفع المستعمَر فوق مكانته في الغابة بقدر تبنّيه للمعايير الثقافية للدولة المستعمِرة." (Fanon, Frantz (1967) Black Skin, White Masks, Translated by Charles Lam Markmann (New York: Grove Press), p. 19)

وفرضت الإدارات الاستعمارية لغة وثقافة الاستعمار على أبناء المستعمَرة في عدد من المدارس التي أنشأتها لتثقيفهم وتدريبهم ليصبحوا إداريين صغارًا لمساعدة جهاز الحكم الاستعماري. (Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia (1996 USA, Grolier Incorporated انظر في الموسوعة الالكترونية ( وتم تجاهل، لا بل، تبخيس ثقافة ولغة الإنسان المستعمَر. وهكذا، ونتيجة للعملية الاستعمارية، تطورت لدى المستعمَر التبعية الثقافية، والشعور بالدونية ومركب الشعور بالنقص. وشكّل كل ذلك مراحل في عملية الإخضاع والهيمنة الاستعمارية التي اعتبرها المستعمرون الأوروبيون ضرورية من أجل تواصل المشروع الاستعماري.

وتواصلت التبعيات، حتى بعد الاستقلال الوطني، حيث لم تستطع معظم المجتمعات التي استُعمِرت ان تقوم بفك الارتباط كلّيًا مع القوة الاستعمارية السابقة، فتواصلت التبعيات الاقتصادية والسياسية والثقافية. وتواصلت هيمنة لغة المستعمِر، بالرغم من برامج التعريب، وتواصلت التبعية الثقافية في المدارس والجامعات وحتى في الشارع. فبعض جامعاتنا لا زالت تستخدم لغة أجنبية لتدريس بعض المساقات الأكاديمية مثل علم النفس، الاقتصاد، وعلم الإنسان، والطب. وبعضها الآخر لا زالت تدرّس الطب بلغة هجينة، مكونة من العربية والانكليزية، العربية والفرنسية، العربية والإيطالية. وفي هذا الصدد، كتب حسن بن علي الزهراني، أستاذ جراحة الأوعية الدموية في إحدى الجامعات السعودية، عن لغة تدريس الطب في جامعاتنا العربية وجامعات المركز الأوروبي وجامعات العالم الثالث:

هناك 300 مليون أو أكثر من العرب وهناك أكثر من 150 كلّية للطب لا يُدرَّس الطب فيها بالعربية إلاّ في 5 كليات، اما البقية فَتدرس بلغات مهجنة من الانجليزية والفرنسية والايطالية، بينما يُدرَّس الطب باللغات الوطنية في الكثير من دول العالم ومنها ألمانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا وروسيا والسويد والدانمارك واوكرانيا، بل وحتى ألبانيا الفقيرة وفنلندا ذات اللغة الأصعب في أوروبا وغيرها من الدول الأوروبية، أضف إلى ذلك ايران و تركيا والصين وكوريا واليابان وفيتنام واندونيسيا بل ان تنزانيا تدرّس الطب بالسواحيلية...(الزهراني، حسن بن علي "تعريب الطب: من يتقدم لحمل الراية؟!" ، المجلة الالكترونية ديوان العرب ، https://www.diwanalarab.com حيث تم الدخول للموقع بتاريخ: 13 كانون الثاني، 2006)

ويشير الكاتب العربي محيي الدين صابر إلى ان "... الذين قرأوا التاريخ الحضاري يعرفون، أن كثيرًا من العلوم وفي مقدمتها الطب، كانت تعتبر علمًا عربيًا، وظلت كتب الطب العربية تدرس في الجامعات الأوروبية، قبل أن تعجم لغته..."( صابر، محيي الدين "كيف تحقق اللغة العربية توازنا بين الاصالة والثقافة المعاصرة؟"، https://www.balagh.com ، تم الدخول للموقع بتاريخ 30/9/2005) وهذا يدل بوضوح على مساهمة ورقيّ العرب في العلوم في العصر الأموي والعباسي والأندلسي لدرجة تطويع اللغة العربية وتطويرها لتعبّر عن معرفتهم الطبية المتراكمة ولتأليف الكتب الطبية العلمية بها.

لكن بعد خضوع الوطن العربي بأكمله للاستعمار الأوروبي، تدهور وضع اللغة العربية وبدأت حركة من النقل والمحاكاة للعلوم الغربية. فبالاضافة لعملية تدريس عدد من التخصصات الجامعية بلغات أوروبية، فان تدريس العلوم والنظريات التي توصّل لها الأوروبيون في الجامعات العربية، يتمّ دون أيّ نقد للطروحات أو حتى، دون اي تحفظ من قبل الجامعات العربية ووزارات التربية العربية. ما يلي هي محاولة لرصد أهمّ جوانب هذه الظاهرة في موضوع علم الاجتماع.

(2) علم الاجتماع في أوروبا وفي العالم العربي

لمْ يولِ العرب موضوع علم الاجتماع اهتمامًا يُذكر سوى ما جاء به العلاّمة العربي عبد الرحمن ابن خلدون، صاحب "المقدمة"، والذي جاء عطاؤه العلمي في الحقل التاريخي-الاجتماعي وتمّ في القرن الرابع عشر، عصر نضوب الفكر وانحطاط العلم وتراجع الحضارة العربية.

(ا) بدايات علم الاجتماع الغربي

بالمقارنة، تم تطوير بدايات علم الاجتماع في أوروبا الغربية، خلال المراحل الاولى لنشأة الرأسمالية الأوروبية، والتي تمثلت بشكل واضح في الثورة الفرنسية 1789 والثورة الصناعية. وجاءت بدايات الاهتمام الأوروبي بالمجتمع نتيجة للتغيرات الجذرية التي أحدثها تبلور ونضوج الرأسمالية داخل النسيج الاجتماعي الأوروبي والذي تمثل بالظواهر التالية: اقتلاع آلاف الفلاحين الأوروبيين من الريف الإقطاعي المتهاوي وهجرتهم المتواصلة إلى المدن الصناعية الصاعدة، تفكيك البنية الاقتصادية-الاجتماعية للعائلة الممتدة وتحوّلها إلى عائلات نووية، عمالة الرجال، ليتم استبدالهم بالنساء، وليتم استبدال النساء بالأطفال داخل المصانع ولساعات طويلة، الاضطهاد الطبقي المجحف بحق طبقة البروليتاريا الصاعدة، انتشار ظاهرتي الفقر والمرض بين أفراد البروليتاريا، تطور ظاهرة الاغتراب الاجتماعي بين كافة الطبقات والشرائح والفئات الاجتماعية، احتدام الصراع الطبقي، وتفجّر الثورات والتمرّدات الاجتماعية ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، كثورة 1848.

جلبت جميع هذه التغيرات عددًا من المؤثرات والإسقاطات الاجتماعية السلبية على المجتمعات الاوروبية، ممّا دفع بعدد من المفكرين والمنظرين الأوروبيين إلى دراستها بهدف إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية الناشئة عن التصنيع الراسمالي، والتحديات الفكرية التي طرحتها تيارات أيديولوجية راديكالية، أهمّها الاشتراكية، والتي اعتمدت الثورة كحل لهذه المشاكل الاجتماعية.

وجاءت بدايات علم الاجتماع الأوروبي محافظة ومتشائمة ومعادية للثورة الفرنسية بادّعاء أنها أدّت إلى التفكك الاجتماعي. وسعى النهج المحافظ في علم الاجتماع إلى ترسيخ النظام الاجتماعي الراسمالي، وتجنب زعزعة استقراره وتوازناته الطبقية. ووقف علماء علم الاجتماع الأوائل مع النظام الطبقي وسعوا للحفاظ على النظام الرأسمالي الصاعد. (زايد، احمد (1981) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، الطبعة الاولى (القاهرة: دار المعارف) ص 60-70) . ظهرت هذه المواقف في صياغة مشاريع فكرية هدفها المركزي دحض المشاريع الفكرية الراديكالية، مثل الاشتراكية، التي نادت بالثورة كأداة للتغيير. (المصدر ذاته، ص 79) . وعبر علماء الاجتماع والفلاسفة المحافظون عن أفكارهم داعين إلى معاداة التغيير والثورة والمساواة الاجتماعية، وتسويغ الفروقات الطبقية وشرعنة عدم المساواة الاجتماعية، منادين باعتماد خطوات إصلاحية لتضييق الفجوات لا إزالتها. (المصدر ذاته، ص 71 ، 83) . ولذلك، جاء علماء الاجتماع الأوائل بفكر محافظ ومنحاز طبقيًا للنظام الرأسمالي، وتبنوا الإصلاح بدلا من التغيير الاجتماعي الثوري والجذري. بالاضافة لذلك، لم يعط علم الاجتماع الغربي الكلاسيكي أيّ اهتمام جدّيّ لقضية المرأة، فجاء علمًا ذكوريًا بطريركيًا، ومنحازًا طبقيًا وذا مركزية أوروبية.

(ب) علم الاجتماع في الجامعات العربية

تلقّى العالم العربي علم الاجتماع الغربي كجزء من التبعية الثقافية للوطن العربي إلى المركز الأوروبي، وذلك أثناء فترة الحكم الاستعماري الأوروبي المباشر لعدد من المناطق العربية. وتكونت البدايات الأولى من أبحاث استشراقية أجريت في مناطق مختلفة من العالم العربي، هدفت إلى "توظيف الدراسات الاجتماعية في الغزو الكولونيالي، وفي الادارة الكولونيالية..."( المصدر ذاته، ص 71 ، 83)

يعتقد عالم الاجتماع العربي علي الكنز، وهو محاضر يعمل في جامعة الجزائر، ان الممارسات السوسيولوجية الحالية في عالمنا العربي تعاني من تبعية أساسية للسوسيولوجيا الغربية. (الكنز،علي، "المسالة النظرية والسياسية لعلم الاجتماع العربي" كما ورد في كتاب: مجموعة من الكتاب (1986) نحو علم اجتماع عربي ، مصدر سبق ذكره، ص 99) وهذه التبعية السوسيولوجية هي، في نظره، سبب العقم النظري الذي يعاني منه علماء الاجتماع العرب. ولذلك يرى بأن جميع النظريات السوسيولوجية الغربية هي "أدوات تحليل مستوردة من حضارة أخرى"، أي أنها لا تلائم خصوصية مجتمعنا العربي. (المصدر ذاته، ص 100) وعن أدوات التحليل المستوردة يؤكد الكنز ما يلي:

لقد برهنت التجربة انه من الصعب استعمال أدوات تحليل مستوردة من حضارة أخرى، في بحوث محلية. إن الفقر النظري والعقم الذي يميز إنتاجنا الحاضر، انما يعود إلى علاقة السوسيولوجيين العرب بأدوات التحليل السوسيولوجي ... وبالفعل، فان علاقتنا بالنظريات الغربية، كاية علاقة وضعية وبراغماتية (ذرائعية) لا يمكن أن تؤدي إلاّ إلى النتائج ذاتها التي توصلت إليها النظريات الغربية، وهي نتائج غير ملائمة لبيئتنا، كونها جُرّدت من إطارها الاجتماعي والتاريخي وانفصلت عن مسار تكوينها المعرفي (الابيستمولوجي). (المصدر ذاته)

ولكن الكنز لا يذكر لنا تجربة مَن هي التي برهنت انه من الصعب استعمال أدوات تحليل مستوردة من حضارة أخرى في بحوث محلية. كما ان الكنز يكتفي بتوجيه النقد للظاهرة، وهذا موقف سليم بحد ذاته، ولكنه لا يطرح أية بدائل أو حلول، بل يكتفي بوصف الحالة القائمة لعلم الاجتماع في الوطن العربي. إنه لا يرشد القاريء، مثلا، إلى الأدوات غير المستوردة والتي يمكن توظيفها في تحليل الظواهر والبيئات الاجتماعية العربية بحيث تلائم "خصوصية مجتمعنا العربي".

اما الكاتب العربي محمد عزت حجازي، وقد عمل في العام 1986، أستاذا باحثا في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة، فيصف حالة النقل واستيراد علم الاجتماع الغربي، ولكنه يشير إلى الانحياز الطبقي للعاملين في موضوع علم الاجتماع في الوطن العربي. وفي توصيفه لتلاقي الظاهرتين، الانحياز والنقل، كتب حجازي ما يلي:

ان غالبية العاملين في علم الاجتماع يظهرون انحيازهم الاجتماعي، عن وعي أو عدم وعي، "... لمصالح فئات أو جماعات لا تمثل جماهير الشعب، أو الطبقة العاملة والفلاحين والشرائح الدنيا من الفئات الوسطى ..." (حجازي، محمد عزت ، نحو علم اجتماع عربي، مصدر سبق ذكره، ص 15) كما "... ان التقليد الشائع هو القنوع بوصف الظواهر التي تطرح للدراسة أو البحث، وعدم الاهتمام بالتفسير، التنظير، ... أو بالإفادة من التراث القومي والعالمي." (المصدر ذاته) ويصل الكاتب حجازي إلى نتيجة مفادها "اننا لا ننتج علمًا حقيقيًا، وانما نستورد ونستهلك بدون تبصّر، ونخلط في ذلك بين ما يمكن ان يفيد وما لا غناء فيه". (المصدر ذاته)

لا زالت معظم الجامعات في الوطن العربي، ولغاية اليوم، تستهلك ما أنتجه وينتجه المنظرون الغربيون من علوم اجتماعية، وتنقل إلى الطلبة النظريات والمواضيع والظواهر والمفاهيم والتفسيرات والتحليلات الاجتماعية الغربية دون أيّ نقد. ولا زال عدد من الأكاديميين العرب يرى دوره مقتصرًا على إنتاج أدبيات سوسيولوجية يعيد من خلالها إنتاج النظريات الغربية، ويقوم بعرضها وإعادة تفسيرها، ولا يعطي اي اهتمام أو مجهود لتحليلها ونقدها. ولا زال عدد المنظرين السوسيولوجيين العرب قليلاً جدًا، ولا زال إنتاج المعرفة السوسيولوجية، المغايرة للفكر الغربي، نادرا جدًا في عالمنا العربي.

نحن إذن لا زلنا في طور المستهلكين الطيّعين للفكر الغربي والقنوعين جدًا "بجودة" ما نستهلك، ولا زلنا نعاني من التبعية الثقافية للغرب لأن معظم العاملين لدينا في علم الاجتماع لا زالوا غير قادرين على رؤية ضرورة الكف عن المحاكاة والبدء في إنتاج المعرفة النظرية السوسيولوجية.

ولكنني أرى وجود ضرورة في التخلص من التبعية الثقافية للفكر الاجتماعي الغربي، وللقيام بذلك يتوجّب علينا القيام بالخطوة الأولى وهي توجيه النقد، الجدّي والعميق، لكافة جوانب هذا الفكر. وتوجد ضرورة لتوجيه النقد في ثلاثة جوانب من هذا الفكر وهي: الانحياز الطبقي، والمركزية الأوروبية والنزعة الذكورية-البطريركية. ولكن معالجتي هنا سوف تقتصر على النزعتين الاولى والثانية، تاركا النزعة الذكورية لمعالجة خاصة، لخصوصيتها واهميتها.

بناء على ذلك، سوف اقوم باجراء بعض التحليل والنقد لبعض كتابات السوسيولوجيين الغربيين المركزيين والذين هيمنت افكارهم وكتاباتهم على الفكر الاجتماعي الغربي، وذلك للتحقق من وجود نزعتين في هذا الفكر وهما: (1) الانحياز الطبقي، و(2) المركزية الأوروبية.

(3) الانحياز الطبقي وعلم الاجتماع الغربي

لا تتّسم العلوم الدقيقة والطبيعية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، وعلم الفلك، والتكنولوجيا، بانحياز طبقي، ولكن العلوم الاجتماعية ليست محايدة وإنّما تحمل نزعة طبقية، بارزة أحياناً ومخفية أحياناً أخرى. ويرجع ذلك لكونها بمفردها نتاج لرؤية إنسان يعيش في مجتمع راسمالي وينتمي لطبقة اجتماعية معينة. وتعكس العلوم الاجتماعية الفكر الاجتماعي والرؤية الايديولوجية للمنظرين والباحثين الذين درسوا الظواهر الاجتماعية الحياتية للمجتمع الراسمالي وحللوها وتوصّلوا لاستنتاجات حول دوافعها ومسبباتها وطوروا مواقف اجتماعية نقدية منها، مرتكزة على رؤاهم وتحليلاتهم الاجتماعية.

وتمتاز كافة العلوم الاجتماعية بانها غير محايدة طبقيا ولا يستطيع منظروها القفز عن انتماءاتهم الطبقية التي ولدوا في كنفها او قاموا بتبنيها. وسوف ابدا نقدي هذا بالفيلسوف الاجتماعي الفرنسي اوجست كونت والذي يعتقد في الغرب انه وضع اللبنة الاولى في البنية الفكرية لعلم الاجتماع الغربي وشكلت افكاره حاضنة فكرية للعديد من المنظرين الاجتماعيين في أوروبا القرن التاسع عشر.

عاصر كونت الثورة الفرنسية وشاهد بعض احداثها وممارساتها العنيفة، واتخذ له موقفا اجتماعيا ضد الثورة والتغيير الاجتماعي-السياسي العنيف وانحاز إلى جانب النظام السياسي العام. واعتقد كونت انه بالامكان تحقيق نوع من السلام الاجتماعي دون احداث تغيير عميق الجذور. ودعا الدولة إلى وضع سياسات تهدف إلى محاربة الثورة والتي اعتبرها أداة سلبية للتغيير تؤدي إلى فكفكة النسيج الاجتماعي ومن ثم إلى انهيار المجتمع. (نيقولا، تيماشيف (1983) نظرية علم الاجتماع (القاهرة: دار المعارف) ص 39. كما جاء في كتاب: احمد زايد، علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، (القاهرة: لا ذكر لاسم دار النشر)، ص 72)

اعتقد كونت، صاحب مدرسة الفلسفة الوضعية، ان "الهدف العملي (السياسي) لعلم الاجتماع ... الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم، النظام الذي أعقب الثورة الفرنسية، والذي سيطرت فيه طبقة الراسماليين على السلطة السياسية هو الهدف النهائي للعلم الجديد..." (زكريا، خضر (1998) نظريات سوسيولوجية (دمشق: الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع)، ص 29) ولذلك يعد كونت مؤسس لعلم الاجتماع المحافظ "... الذي يبحث، بالدرجة الاولى، في العوامل التي تؤدي إلى استقرار النظام الراسمالي القائم والمحافظة على بقائه." (المصدر ذاته، ص 30)

توصل كونت إلى نتيجة مفادها ان علماء الاجتماع سوف يضطلعون بالاشراف على الحياة الفكرية والاخلاقية لنظام المجتمع الجديد الذي نشا بعد الثورة البرجوازية الفرنسية. "… وستسير الامور في ظل النظام الجديد بصرامة. ويصبح الخلق الكريم والطاعة واجبا ملزما لكل إنسان. وسيصبح كل فرد موظفا في خدمة المجتمع." ( المصدر ذاته، ص 30) واعتقد كونت ان البنية الطبقية يجب ان تتواصل مركباتها وانه من الممكن ايقاف الصراع الطبقي "... من خلال احداث توفيق اخلاقي بين الطبقات. ويمكن تسهيل هذه المهمة عن طريق فرض سلطة اخلاقية بين الطبقات العامة وقادة المجتمع." (شكري، علياء (1979) علم الاجتماع الفرنسي، الطبعة الثانية (القاهرة: دار الكتاب للتوزيع)، ص 10. كما جاء في كتاب: احمد زايد (1983) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، مصدر سبق ذكره، ص 77)

تبنى المُنظر الاجتماعي الفرنسي اميل دوركايم افكار كونت وبنى افكاره الاجتماعية عليها. واعتقد ان نتائج البحث السوسيولوجي يجب ان توظف في خدمة المجتمع وعلاج المشكلات الاجتماعية من خلال "التضامن والتماسك والتوازن". لذلك رفض دوركايم الصراع الطبقي واعتقد بامكانية معالجته اخلاقيا. وارتكز موقفه على "ان الصراع الطبقي ... ليس قانونا بل هو نتيجة للتنظيم السيء للمجتمع، نتيجة وضع غير طبيعي يمكن تصحيحه باعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية – فالمسالة عنده اخلاقية – ارادية وليست موضوعية ناجمة عن طبيعة النظام الراسمالي نفسها." (كما جاء في كتاب: زايد، احمد (1983) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، مصدر سبق ذكره، ص 77 Zeitlen , Irving (1969) Ideology and the Development of Sociological Theory (New Delhi: Prentice Hall and Indian Private-limit-ed), p. 75)

اما عالم الاجتماع الالماني ماكس فيبر فقد اعتبر علم الاجتماع "... علم يقف فوق الطبقات، فوق الاحزاب و"خارج السياسة". وتكمن مقولته الاساسية في وجوب تخليص البحث الاجتماعي الموضوعي من اية عناصر قيمية. ويجب ان لا يمارس ارتباط العلم بالقيم اية تاثيرات على تحليله للظواهر المجتمعية. (المصدر ذاته، ص 121)

اما "المدرسة الوظيفية" لعالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز، فتعتبر المجتمع البشري نسقا اجتماعيا متوازنا يحوي داخله انساقا فرعية مثل المدرسة والعائلة والشركة والحكومة والبرلمان والجيش. وتعتمد الانساق الفرعية على بعضها البعض، وتكمل وتساند بعضها البعض. ولكل نسق فرعي وظيفة اجتماعية (المصدر ذاته، ص 128) تساعد في سد حاجات المجتمع وتحقيق اغراضه واستمراريته. وتميل حالة النسق العام إلى التوازن، والاستقرار والاستمرارية، كما ان اساس العلاقات بين الانساق الفرعية هو تكاملي، والتغيير مسالة طارئة بل استثنائية يطلقون عليها حالة التوتر في علاقات النسق. ونتيجة لتحولات في البيئة، أو تغيرات في اجزاءها، فان النسق الاجتماعي يواجه حالة توتر أو تحلل، تفقده حالة التوازن القائمة، فيعمل من خلال اعادة بناء العلاقات الداخلية، على التكيف بشكل يعيد له حالة التوازن ضمن علاقات بنائية جديدة.

يلغي مفهوم الانساق الفرعية البعد الطبقي للمجتمع الراسمالي، فالنظرية الوظيفية لا تستوعب الصراع الاجتماعي كبعد اساسي من ابعاد البناء الاجتماعي، كما ولم تفسح له مكانا بين مفاهيمها وتصوراتها النظرية. (عبد الكريم، محمد الغريب (1980) الاتجاهات الفكرية في نظرية علم الاجتماع المعاصر (القاهرة: مكتبة نهضة الشرق) ص 58-59) كما وقللت النظرية الوظيفية من اهمية التغيير والصراع الاجتماعيين، ولم تهتم بالتغيير لان الشغل الشاغل للنظرية كان مركزا على تكامل وثبات البناء الاجتماعي. (المصدر ذاته) وتسعى النظرية الوظيفية إلى تطوير صورة تجريدية عن المجتمع الراسمالي وتجنح للتعميم والضبابية بهدف اخفاء كل من الطبقات الاجتماعية، والصراع الطبقي، وعدم المساواة بين البشر.

في تقييمه للنظرية الوظيفية، يرى عالم الاجتماع الأمريكي الفن جولدنر، "ان نظرية بارسونز (الوظيفية) قد تطورت في حقيقة الامر ردا على تحديات الماركسية: فان كانت الماركسية نظرية عامة عن المجتمع تدين الراسمالية، فقد غدت النظرية الوظيفية البنائية نظرية عامة عن المجتمع لا تبرر الراسمالية (كما يعتقد في العادة)، بقدر ما تقدم تفسيرا وفهما للصعوبات الراسمالية دون ان تدينها... (عبد المعطي، عبد الباسط (1981) اتجاهات نظرية في علم الاجتماع (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب) ص 179)

وفي معرض تقيمهما لهذه المرتكزات الفكرية الاجتماعية، أكد عالمي الاجتماع، نيسبت وزايتلن، ان علماء الاجتماع المحافظين اعتبروا النظام الراسمالي كعامل ضروري لاستقرار المجتمع، كما وراى المحافظون ان للطبقات الاجتماعية وظائف كبيرة في المجتمع، اهمها المحافظة على استقرار النسق الاجتماعي. كما "... أكد المحافظون التدرج الاجتماعي والمكانة الاجتماعية في المجتمع فبدون تدرج في المجتمع لا يمكن ان يوجد استقرار كما ان الطبقات تؤدي وظائف كبيرة في المجتمع. وقد تولد هذا الاعتقاد عند المحافظين من تخوفهم لان تؤدي العدالة إلى تحطيم النُظُم المقدسة التي من خلالها تنتقل القيم من جيل إلى جيل اخر." (جولدنر، الفن (1970) الازمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي (لا مكان ولا زمان النشر، ولا الصفحة)، كما جاء في كتاب: كريب ايان (1999) النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس (الكويت: الكويت)، ص 65) كما واعتبر كل من نسبت وزايتلن ان أحد مرتكزات شرعية السلطة، في نظر علماء الاجتماع المحافظين، تتشكل من الطبقة. وهي "... تبدا من الاسرة وتستمر مع الجماعة والطبقة ثم صفوة المجتمع". ( Robert Nisbet (1970) Tradition and Revolt (New York: Ventage Books), pp. 75-76 and Zeitlen , Irving (1969) Ideology and the Development of Sociological Theory (New Delhi: Prentice Hall and Indian Private-limit-ed), p. 35
كما جاء في كتاب زايد، احمد، علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، مصدر سبق ذكره، ص 65)

وهكذا اظهر علماء علم الاجتماع المحافظين انحيازهم الطبقي التام لنظام الطبقات الراسمالي ولم يسعوا لتحليل عدم المساواة الاجتماعية والتي اعتبروها وكأنها حالة طبيعية للمجتمع البشري، وعارضوا الثورة التي اعتبروها عاملا تفكيكيا يؤدي لعدم استقرار النظام. ولذلك اعتقدوا بامكانية اضمحلال الصراع الطبقي من خلال احداث " توفيق اخلاقي بين الطبقات."

(4) الطبقات الاجتماعية، والصراع الطبقي وعلم الاجتماع الغربي

يعتقد استاذ علم الاجتماع المغربي عبد الصمد الديالمي، ان السوسيولوجيا ليست محايدة بل تحمل شحنات ايديولوجية للمنظرين الذين صاغوا افكارهم بناء على فكرهم الاجتماعي ورؤياهم المعينة للعالم. كما ويعتقد ان المتخصصين العرب في علم الاجتماع يستطيعون التعامل مع الفكر الاجتماعي الغربي بشكل نقدي وابداعي.

... ان النظرية السوسيولوجية نظرية اجتماعية في نهاية المطاف، رغم زعوم القطيعة والبناء. ان السوسيولوجيا شكل من اشكال الوعي الاجتماعي، المرتبط بفئات اجتماعية معينة، والمستند إلى رؤيا معينة للعالم. بناء على ذلك، ان الاوان لكشف القناع عن حياد السوسيولوجيا وان الاوان لتوظيفها واستغلالها في خدمة تحقيق الحرية والاستقلال... ان السوسيولوجيا مطالبة اليوم بان تكون ممارسة مبدعة، لا تقف عند حدود النقد أو التقليد، فالنقد مهما بلغت حدته يبقى عادة سجين الاشكالية السائدة، انه الوجه الاخر لها، الوجه غير المكشوف الوجه الذي يساهم في الحفاظ على نفس التصورات والقيم. فما هي اذن شروط الابداع السوسيولوجي؟ (الديالمي، عبد الصمد (1989) القضية السوسيولوجية (الدار البيضاء: افريقيا الشرق) ص 29)

ويعتقد الكاتب عبد الصمد ان أحد شروط الابداع السوسيولوجي هو:

... عدم الاعتراف بوجود سوسيولوجيا مرجعية يجب الانطلاق منها أو الاعتماد عليها أو التموضع داخلها أو ضدها. ان السوسيولوجية الغربية، الوضعية، البنائية، والوظيفية، ينبغي ان تدرك، رغم كل عطاءها كمدرسة كموقف، من بين المدارس والمواقف الممكنة أو الموجودة. صحيح ان هناك اليوم سيادة فعلية لهذه المدرسة تكاد تحولها إلى سوسيولوجية مرجعية. لكن، يجب ان نعي ان سيادة المدرسة/المدارس الغربية لا تعود إلى قوة نظرية ومعرفية، بقدر ما تعكس وضعا دوليا: وراء سيادة سوسيولوجيا الغرب، هناك بكل بساطة سيادة الغرب الراسمالي. ... (المصدر ذاته)

يستخدم عدد من السوسيولوجيين الغربيين مجموعة من المفاهيم والمصطلحات الاجتماعية والتي يوظفونها لتفسير عدد من الظواهر الاجتماعية المتعلقة بالفروقات الاقتصادية والتباينات الاجتماعية والتقسيمات الطبقية للمجتمع الراسمالي، كما ويبذلون جهودا فكرية حثيثة لجعلها مرتكزات لبنيات نظرية يسعون لاستخدامها في تفسيراتهم الاجتماعية لهذه الظواهر. ومن أبرز من استخدم هذا الاسلوب المنظر الفرنسي اميل دوركايم الذي وصفه في كتابه "قواعد المنهج في علم الاجتماع". وفي عرضه لاسلوب دوركايم هذا، كتب الكاتب العربي محمد علي محمد ما يلي:

"والواقع ان دوركايم كان يبدا كل دراسة له بتعريف الظاهرة التي يتناولها. فهو يمنح للتعريفات اهمية خاصة، ذلك انها تمثل الشروط الاولى والضرورية للبرهان العلمي، فالمرء لا يستطيع ان يتحقق من صحة النظريات الا بعد تعريف الظواهر التي يجب ان تفسرها هذه النظريات. والتعريف يتعين ان يتم في ضوء الخواص الخارجية الظاهرة، وان يشمل كافة الظواهر التي تشترك في هذه الخواص ... "( محمد، علي محمد (1983) المفكرون الاجتماعيون: قراءة معاصرةلاعمال خمسة من اعلام علم الاجتماع الغربي، (بيروت: دار النهضة)، ص 112)

يوظف بعض علماء الاجتماع مفهومي "الدور الاجتماعي" و"الوظيفة الاجتماعية" وذلك لتحليل مكونات مجتمعاتهم الراسمالية ولتفسير التفاوتات الاجتماعية والفروقات الاقتصادية بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. و"يحاول علماء الاجتماع البرجوازيون، بواسطة مفهوم "الدور الاجتماعي" استغلال طبيعة الإنسان الاجتماعية. ... فالدور الاجتماعي حسب مفهومهم، خال من الطابع الطبقي لطبيعة الإنسان الاجتماعية ..." (دوركايم، اميل (1961) قواعد المنهج في علم الاجتماع (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية)، ص 191. كما جاء في كتاب: محمد علي محمد (1983) المفكرون الاجتماعيون: قراءة معاصرةلاعمال خمسة من اعلام علم الاجتماع الغربي، (بيروت: دار النهضة)، ص 112) وهذا بدوره يشكل نوعا من الالتفاف على البعد الطبقي للمجتمع الراسمالي. وبالاضافة لهذين المفهومين، يستخدم عدد من علماء الاجتماع مفاهيم أخرى شبيهة بدورها.

يستخدم عدد من المتخصصين في علم الاجتماع من الغربيين مجموعة من مفاهيم علم الاجتماع (بوبوف، س.ي. (1978) نقد علم الاجتماع البرجوازي المعاصر (القدس: منشورات صلاح الدين)، ص 49) في كتاباتهم مثل: النخبة (elite)، الحركية الاجتماعية (social mobility) ، التنضيدات الاجتماعية strata) (social، المنزلة الاجتماعية (social status)، التضامن الاجتماعي (social solidarity) ، السلام الطبقي (class peace)، الباثولوجيا الاجتماعية (social pathology)، المجتمع الصناعي (industrial society)، المجتمع ما بعد الصناعي(post-industrial society) ، المجتمع التقليدي (traditional society)، الوظيفة الاجتماعية (social --function--)، التراتب الاجتماعي أو التدرج الاجتماعي (social stratification)، التمايز الاجتماعي (social differentiation) والدور الاجتماعي (social role) ، والطائفة (caste) . ويهدف هذا الاستخدام، ظاهريا، إلى توصيف حالة عدد من الظواهر الاجتماعية مثل الطبقات الاجتماعية، عدم المساواة الاجتماعية-الاقتصادية، الصراع الطبقي، والتقسيم الطبقي للمجتمع الراسمالي. ولكن تحليل مفاهيم علم الاجتماع ومحاولة فحص فرضياته الاجتماعية وتحليل معطياتها والتوصل لاستنتاجات، ومن ثم القيام بصياغة نظريات وتاويلات، يشير إلى ان اهدافا أخرى تقف وراء استحداث ومن ثم توظيف هذه المصطلحات في ادبيات علم الاجتماع. (يجب التنويه هنا إلى ان الهدف من وراء توظيف هذه المصطلحات باللغتين العربية والانكليزية هو المقاربة واظهار ان جذور المصطلحات العربية جائت من الانكليزية، والتي تم تعريبها ونقلها عن الفكر الاجتماعي الغربي.)

ان تعدد المفاهيم المستخدمة، والشحنة الايديولوجية الكامنة داخل كل مفهوم من هذه المجموعة، والمحدودية الفكرية التي يسمح بها كل مفهوم من هذه المفاهيم السوسيولوجية، وتكرار تداولها من قبل العاملين في حقل علم الاجتماع، وتوظيفها في غالبية الادبيات الاجتماعية، في الغرب وفي دول العالم الثالث، يدفع الدارس للمجتمع للاعتقاد بوجود تفسيرات عديدة ومتباينة لتوصيف الواقع الاجتماعي وتقسيماته الطبقية. ولكن معاني وتفسيرات هذه المفاهيم تعطي صورة ضبابية لجوانب الواقع الاجتماعي ولا تساعد في فهم مكونات المجتمع الراسمالي. انها تغرِق التحليل السوسيولوجي للمجتمع في التجريد والشكلية والمحدودية الفكرية بحيث يصبح ما هو قابل للفهم والاستيعاب من مكونات المجتمع الراسمالي، امرا مبهما وعصي على الفهم. كما وان النظريات والتاويلات التي تعالج هذه التقسيمات الاجتماعية والتي صاغها عدد من المنظرين الاجتماعيين الغربيين تعكس محدودية وانحياز وعيهم الطبقي الذي يتمحور حول انكار وجود الطبقات الاجتماعية، أو على الاقل، اخفاء وجودها على ارض الواقع. وهذا هو الهدف الخفي من وراء استخدام وتوظيف المفاهيم الاجتماعية سالفة الذكر. فما يجمع جميع مفاهيم علم الاجتماع سالفة الذكر هو التفافها المتعمد على وجود الطبقات الاجتماعية والقفز الواعي عن الصراع الطبقي بينها، وبهذا ازالة فكرية لبعد اجتماعي حقيقي من واقع الحياة في ظل المجتمع الراسمالي. وفي نهاية المطاف، يسعى هؤلاء المنظرين الغربيين إلى تمويه الواقع الاجتماعي، وتسويغ التقسيمات الطبقية، واخفاء الفروقات الاقتصادية بين من يحتكر ملكية الثروة ومن لا يملك ما يسد رمقه، وكل ذلك لكي يشرعنوا ويبرروا عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذا ليس الا انحيازا طبقيا لمن ادعوا وجود النهج الموضوعي في الفكر الاجتماعي الغربي.

(5) المركزية الأوروبية وعلم الاجتماع الغربي

اما النزعة الثانية التي اود التحقق من وجودها داخل الفكر الاجتماعي الغربي فهي المركزية الأوروبية. ويتوجب علينا، في البداية، تعريف هذه النزعة وبعدها القيام بالتحقق من وجودها داخل الفكر الاجتماعي الغربي.

(ا) تعريف المركزية الأوروبية

يمكن تعريف المركزية الأوروبية كنزعة ايديولوجية تحمل ابعادا اجتماعية، ثقافية وسياسية. ونشات هذه النزعة بين بعض المفكرين الأوروبيين، وفي فترة تاريخية معينة. ويعتقد هؤلاء ان الحضارة الأوروبية تمتاز بخصوصية وثوابت ثقافية معينة لا توجد في غيرها من الثقافات غير الأوروبية. وبموجب هذا الاعتقاد، بدات هذه الحضارة، وبشكل قطعي، في اليونان القديمة وتواصلت مع روما فالعصر الاقطاعي فالنظام الراسمالي. وينظر هؤلاء للشرق بانه خامل وراكد وان انظمته السياسية استبدادية وانه لم ينتج اية حضارة لعدم تمتعه بخصوصية مشابهة للخصوصية الأوروبية.

لا يقيم منظري المركزية الأوروبية وزنا للحضارات الأخرى التي سبقت الغرب مثل الحضارات الفرعونية والسومرية والكلدانية والاشورية والكنعانية والارامية والعربية والصينية واليابانية والهندية والفارسية والحضارات الافريقية وحضارة هنود امريكا الشمالية والجنوبية، وغيرها من الحضارات العريقة. كما ويتنكر هؤلاء لاسهامات غير أوروبية في الحضارة الأوروبية، فيبنون مركزيتهم الأوروبية على اقصاء الاخر ويختلقون غربا وهميا وشرقا وهميا ايضا.

يُرجع بعض الكتاب ظاهرة المركزية الأوروبية إلى بداية الحضارة الاغريقية ونظرية الكيوف الارسطية والتي تربط بين المناخ وذكاء الشعوب وإنتاجها للعلوم، فبموجب هذه النظرية فان ساكني المناطق المعتدلة مثل الاغريق، يتمتعون بالذكاء وناجحون في العلوم. ويُرجع ارسطو ذكاء الاغريق إلى مناخ اليونان المعتدل اما شعوب اسيا فلا تتمتع بالذكاء وهم غير فالحين في العلوم ويسيطر عليهم الكسل والحكومات المستبدة. (ينكر هؤلاء المركزانيين الأوروبيين قيام الاغريق باقتباس وبتبني عناصر مهمة من الحضارتين الفينيقية والفرعونية كان اهمها تبني الاغريق للابجدية الكنعانية وتبنيهم للالهة الكنعانية والفرعونية. انظر في هذا الخصوص كتاب برنال، مارتن (1987) اثينا السوداء – ترجمة لطفي عبد الوهاب يحي واخرين (القاهرة: المجلس الاعلى للثقافة))

ترتبط ظاهرة المركزية الأوروبية بمرحلة حديثة نسبيا من التاريخ الأوروبي، فجذورها ترجع إلى عصر الاكتشافات الجغرافية الكبيرة في اواخر القرن الخامس عشر، كما وأنها لم تنتشر بشكل واسع حتى القرن التاسع عشر، عصر التوسع الاستعماري الكبير في قارات اسيا وافريقيا وامريكا الشمالية والجنوبية. وبهذا المعنى فانها ترتبط بالايديولوجيا الراسمالية في مرحلتها الاستعمارية.

تشكل ايديولوجيا الاستشراق احدى افرازات المركزية الأوروبية والتي تزامنت مع ظاهرة الاستعمار الأوروبي وحاولت تبريرها وشرعنتها. ويعتقد الكاتب السوري صادق جلال العظم ان ايديولوجية ظاهرة الاستشراق بنيت على تفوق الأوروبي الأبيض ودونية الاخر غير الأوروبي وغير الأبيض. وفي كتابه "ذهنية التحريم"، يصف الكاتب صادق جلال العظم هذه الثنائية على الوجه التالي:

"... هنا لا تعود ظاهرة الاستشراق وليدة شروط تاريخية معينة أو استجابة لمصالح وحاجات حيوية ناشئة وصاعدة، بل تاخذ شكل الافراز الطبيعي العتيق والمستمر الذي يولده "العقل الغربي" المفطور بطبيعته، كما يبدو، على إنتاج واعادة إنتاج تصورات مشوهة عن واقع الشعوب الأخرى ومحقرة لمجتمعاتها وثقافاتها ولغاتها ودياناتها في سبيل تاكيد ذاته والاعلاء من شان تفوقه وقوته وسطوته..." (جلال العظم، صادق (1997)، "الاستشراق والاستشراق معكوسا"، ذهنية التحريم (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر)، ص 16)

وفي معرض تقييمه للاستشراق الغربي، يعتقد الكاتب المصري عصام فوزي انه توجد علاقة بين الاستشراق والامبريالية والاجتهاد الأكاديمي الاستشراقي في الغرب.

"... فالغرب الامبريالي قد خلق تصوراته ليس للمعرفة بذاتها، وانما المعرفة من اجل القوة ومن اجل القمع والسيطرة، هذا الجانب القمعي الذي نعتبره بمثابة البنية التحتية للانشاء الايديولوجي عن الشرق يستبعد تماما حسن النية ويقصيه عن ميدان التثاقف، حتى ولو كان الانشاء نفسه مغلفا بالأكاديمية الكاذبة في ادعائها الحياد، وحتى لو لم يدرك فرسان ذلك الفرع المعرفي نفسه حقيقة ممارساتهم ولا ماّلاتها." (فوزي، عصام "رؤية الاخر: المعرفة والتسلط في ايديولوجيا الاستشراق"، مجلة ادب ونقد، العدد 31، يونيه/يوليه 1987، 105)

توجد اسقاطات عديدة للمركزية الأوروبية على الفكر الاجتماعي الأوروبي حيث نرى انها اثرت على كل من الفكر الاجتماعي البرجوازي المحافظ وأيضا على الفكر المادي الماركسي. ويعتقد المفكر والمنظر العربي سمير امين "... ان الفكر الاجتماعي السائد والمهيمن يتسم بسمة "التمركز الأوروبي... (و) ان هذا التمركز الأوروبي قد لون جميع مدارس الفكر، ولو بدرجات متفاوتة، بما فيها الماركسية الشائعة..." (امين، سمير (1988) الامة العربية (القاهرة: مكتبة مدبولي) ص 6)

يوجد عدد من الاجتهادات النظرية التي تناولت ظاهرة المركزية الأوروبية واعطتها تعريفات وقامت بتحليل بواعثها السياسية والطبقية، وسوف نتناول البعض منها. وتتناقض المركزية الأوروبية مع الفكر الشمولي لكونها تدفع باتجاه اقصاء الاخر من الشعوب غير الأوروبية، وتميل، ثقافيا، للاختزال. ويصل الكاتب الإيراني سعيد ريزا عاملي إلى تعريف المركزية الأوروبية:

"... كظاهرة ثقافية كونها تفترض وجود ثوابت ثقافية متميزة لا يمكن اختزالها والتي تشكل المسار التاريخي لشعوب مختلفة. ولذلك، فان المركزية الأوروبية مناهضة للشمولية وللعالمية لكونها غير معنية بامكانية تحقيق قوانين خاصة بالتطور البشري. ولكنها تقدم ذاتها بكونها شمولية لانها تدعي ان محاكاة النموذج الغربي من قبل كل الشعوب هو الحل الوحيد لتحديات عصرنا." (Ameli, Saied Reza, "Eurocentrism And Islamophobia", Islamic Human Rights Commission http://network.realmedia.com, October, 1997)

تزامن نشوء ايديولوجية المركزية الأوروبية مع ظاهرة الاستعمار الأوروبي الاستيطاني في العالم "الجديد" وسعت هذه الأيديولوجية لتبريرالاستيطان الاستعماري وتسويغه محاولة اظهاره كرافعة حضارية تنتشل الشعوب "الخاملة" في الشرق وفي العالم الجديد، لتنقلها من حالتها "الراكدة" إلى الحضارة الأوروبية الراقية. ويعتقد المنظر المصري سمير امين ان المركزية الأوروبية تنطوي على مركزية عرقية تتربع فيها:

... الثقافة الغربية الحديثة في ذرى سلم التطور، لانها المصب الذي تنتهي اليه كل روافد الخبرة، بعد ان بلغت غايتها القصوى على يد الجنس الأبيض الذي هو نخبة شعوب الارض وخلاصتها. ان العرق الأبيض وثقافته مرا بعملية تنقية معقدة، اسهمت فيها الجغرافية، كما أسهم فيها التاريخ، فنتج عن كل ذلك ثقافة شاملة وكفوءة وغنية وخصبة انتجها عرق سام نقي ينطوي على قدرة فائقة على الذكاء والقوة والدراية وحب الحرية. وينبغي في ضوء ذلك تعميم تلك الثقافة ومد سيطرة ذلك العرق على العالم. فهذه هي الوسيلة الوحيدة من وجهة نظر اصحاب نظرية التمركز العرقي لشحن العالم بمعنى الحياة، وايقاظ الشعوب والثقافات من سباتها وسكونها الابدي. ينبغي تهديم الاطر الاجتماعية والثقافية، وحل التشكيلات الروحية الموروثة، واعادة تركيبها بما يوافق نسق الثقافة الغربية ومنظور الرجل الأبيض الذي يحمل في داخله رغبة تخليص العالم من الفوضى والتخلف والطغيان والاستبداد. (امين، سمير (1991) بعض قضايا للمستقبل (القاهرة: مكتبة مدبولي) ص 165)

وفي تحليله لظاهرة "المركزية الأوروبية" كتب سمير امين انها ظاهرة ثقافية أوروبية منغلقة على ذاتها، احادية الجانب وتدعي صفة الشمولية والعالمية، واكد على ان المركزية الأوروبية ترتكز على فرضيات مشكوك في صحتها. وهي:

"تنتمي ... إلى مجموعة الرؤى الثقافوية الطابع اذ انها تقوم على افتراض تواجد مسالك تطور خاصة لمختلف الشعوب لا يمكن ارجاعها إلى فعل قوانين عامة تنطبق على الجميع. فلها اذن طابع مذهب مضاد للعالمية فلا تهتم بكشف القوانين العامة التي تحكم تطور جميع المجتمعات. الا انها تقدم في ثياب العالمية اذ انها تقترح على الجميع مضاهاة النمط الغربي بصفته الاسلوب الفعال الوحيد لمواجهة تحديات العصر." (المصدر ذاته، ص 90)

وتابع سمير امين في تحليل الجانب الثقافي في المركزية الأوروبية فأكد على "... ان التمركز الأوروبي ينبع من موقف ثقافوي. اقصد انه موقف ينطلق من مسلمة مزعومة وهي ان هناك عناصر ثقافية ثابتة تمثل نواة صلبة في المجتمع لدرجة انها هي التي تتحكم في مصائر التطور. فهي التي تفتح احتمالات وتستبعد احتمالات أخرى بحيث انها هي التي تنتج في نهاية الامر التباين في مصائر مختلف المجتمعات." (المصدر ذاته، ص 173) ويعتقد سمير امين ان المركزية الأوروبية ترتكز على فرضية الاستمرارية التاريخية الأوروبية التي تبدأ من حضارة الاغريق وتتواصل حتى الراسمالية الغربية المعاصرة. ويرى سمير امين ان هذا الادعاء بالاستمرارية التاريخية الأوروبية يفترض عددا من الشروط.

وتقوم اطروحة التمركز الأوروبي على فرضية استمرارية تاريخية تمتد من اليونان القديم ثم روما االى القرون الوسطى الاقطاعية ثم الراسمالية المعاصرة. الا ان هذا الادعاء بالاستمرارية يفترض الشروط الاتية: اولا قطع العلاقة بين اليونان القديم والبيئة التي نما فيها وهي بالتحديد بيئة "شرقية" والحاق الهيلينية الحاقا تعسفيا ب "الغرب الأوروبي" المزعوم، ثانيا الامتناع عن استئصال العنصرية التي لا مفر منها من اجل تاكيد الوحدة الثقافية الأوروبية المزعومة، ثالثا تكبير دور المسيحية والحاقها هي الأخرى – باسلوب تعسفي - بالاستمرارية الأوروبية المزعومة وجعل هذا العنصر احد اهم العناصر المفسرة للوحدة الثقافية الأوروبية ... ، رابعا اختراع "شرق" خرافي يحتل المكان المناظر المعكوس واتسامه بسمات مضادة لسمات "الغرب" واستدراجها هي الأخرى من نفس النهج القائم على العنصرية ونظرة لا تاريخية للثقافة والاديان. (المصدر ذاته، ص 173)

نجحت المركزية الأوروبية في التاثير على عدد من المنظرين الاجتماعيين الأوروبيين من كافة الاطياف ولم تنجو من مؤثراتها السلبية حتى الماركسية. ما يلي هي محاولة للتحقق من وجود نزعة مركزية أوروبية داخل المدرسة الفكرية الماركسية.

(ب) الماركسية والمركزية الأوروبية

ليس ما يلي نقدا للماركسية ولا دحضا لمرتكزاتها الاقتصادية والفلسفية، وانما محاولة للاشارة إلى بعض مظاهر النزعة المركزية الأوروبية التي علقت بجزء من ادبيات الماركسية والتي تاثر بها عددا من الكتاب الماركسيين. يجب ان نؤكد هنا ان الهيمنة الثقافية للمركزية الأوروبية تزامنت مع تطور ظاهرة الاستعمار الأوروبي وانتشاره في قارتي افريقيا واسيا.

اصدرت "العصبة الشيوعية" في العام 1848 "البيان الشيوعي" والذي صاغه كل من كارل ماركس وفريدريك انجلز. وجاء البيان كوثيقة ايديولوجية تسترشد بها الاحزاب الشيوعية لبث افكارها الاشتراكية ورؤيتها الثورية. وبالرغم من كون الشيوعية نظرية شمولية تهتم بكافة البشرية وبالعدالة والمساواة بين البشر، وبالتالي تتناقض بشكل حتمي مع أيديولوجية المركزية الأوروبية المنكمشة على الذات الأوروبية، فقد حوى البيان بعض المصطلحات الاستشراقية مثل: "الامم الاكثر همجية"، و"الهمجيين"، و"الاقطار الهمجية وشبه الهمجية"، و"الاقطار المتحضرة"، و"الامم المتمدنة"، و"موكب الحضارة".(ماركس-انجلز (1977) البيان الشيوعي في اول ترجمة غير مزورة، ترجمة العفيف الاخضر (القدس: منشورات جاليليو)، وكارل ماركس وفريدريك انجلز (2000) البيان الشيوعي ترجمة وتقديم محمود شريح (كولونيا: منشورات الجمل))

وفي معرض دفاعه عن استخدام ماركس وانجلز لمثل هذه المصطلحات، كتب الماركسي التونسي العفيف الاخضر ما يلي من تبرير:

"بعض الجهلوت من البيروقراطيين الصغار الذين جمعوا التاخر من طرفيه: القومجية والاستبداد الاسيوي حتى ازاء ترجمة النصوص، امثال السيد زاهي شرفان، حز في نفوسهم وصف البيان لامم العالم المتخلف بالهمجية. ولا شك انهم في قرارة نفوسهم راوا في استخدامها شاهدا على الاستعلاء الأوروبي المقيت، الذي لم يسلم ماركس وانجلز من لوثته! لكنهم، من فرط جهلهم، يجهلون ان لينين قلما ذكر اسم روسيا وطن"ـه"، الا مقرونا بوصف الهمجية." (الاخضر، العفيف مصدر سبق ذكره، ص 57)

ثم يتابع العفيف الاخضر فيشير إلى اصول ومعنى مصطلح "الامم الهمجية".

"الهمجية في التصور التاريخي الماركسي تشير إلى مراحل من التطور التاريخي، مرت بها جميع الشعوب، قبل بلوغ مرحلة الحضارة. وهي تتميز بدرجة منخفضة جدًا من تحكم الإنسان في محيطه الطبيعي، وسيادة نمط الملكية القبلية. والحضارة هي المرحلة العليا التي تلت المرحلة العليا من الهمجية. وقد تميزت بدرجة اعلى من سيطرة الإنسان على الطبيعة وبظهور الدولة. وقد استخدم البيان نعت الهمجية للامم المتخلفة، وهو نعت مستعار من جون ستيوارت ميل، بمعنى الامم غير الصناعية، تمييزا لها عن الامم الغربية المتمدنة اي البرجوازية الصناعية..." (المصدر ذاته، ص 58)

لا توجد حاجة للتبرير والدفاع عن استخدام ماركس وانجلز لمصطلحات استشراقية. فبالاضافة لجون ستيوارت ميل، استخدم هذه المصطلحات جميع الأوروبيين من مستشرقين، ومنظري الداروينية الاجتماعية، واصحاب النظريات التي نادت بتفوق العرق الأوروبي-الأبيض. مع ذلك، كان باستطاعة ماركس المفكر المبدع استحداث مصطلحات ذات توجه إنساني-اشتراكي وعدم استخدام مصطلحات المستشرقين الذين تجندوا لتبرير ظاهرة الاستعمار من خلال تكريس واعادة إنتاج دونية الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار الأوروبي.

وفي معرض تقييمه للاستعمار الفرنسي للجزائر في العام 1847، والذي كان قد مضى عليه 17 عاما من البطش والعنف الاستعماري وجرائم الحرب البشعة التي ارتكبت ضد سكان الجزائر من عرب وامازيغ، كتب فريدريك انجلز ما يلي:

"ان فتح الجزائر واقعة مهمة وموائمة لتقدم الحضارة، وما كانت قرصنات الدول البربرية لتتوقف الا بفتح تلك الدول (= الجزائر). وبعد كل حساب فان البرجوازي المعاصر، مع الحضارة والصناعة والنظام والانوار التي يحملها على كل حال، لافضل من الولي الاقطاعي، أو اللص قاطع الطريق ومن الطور الهمجي في المجتمع الذي ينتميان اليه." (ماركس وانجلز (1978) الماركسية والجزائر (بيروت: دار الطليعة)، ص14 . كما جاء في كتاب: عبد الله ابراهيم، مصدر سبق ذكره، ص 268)

ان وصفا في هذا المستوى، يحمل في طياته ليس فقط فكرا مركزيا أوروبيا، بل موقفا عنصريا منحازا للاستعمار الفرنسي، يتجاهل كل الجرائم الاستعمارية التي حدثت خلال فترة حكم الاستعمار الفرنسي والتي عايشها انجلز وهي 17 عاما. وهنا يجب ان نطرح السؤالين التاليين: ما هو "تقدم الحضارة" الذي كان يحدث في الجزائر والذي عايشه انجلز؟ وما هي الحضارة والصناعة والنظام والانوار التي حملها المستعمِر الفرنسي للجزائر؟

تجيء اجابة جزئية على السؤالين من قبل ثلاثة من العسكريين الفرنسيين وهم الرائد مونتانياك، والجنرال كافينياك، والعقيد بيليسييه، والذين تواجدوا في الجزائر في الفترة 1843-1845 حيث نشطوا عسكريا واعترفوا بارتكاب عدد من الجرائم البشعة منها: قطع رؤوس العرب، الاحتفاظ ببعض النساء الجزائريات كرهائن، ومقايضة اخريات باحصنة، وبيع من تبقى منهن في المزاد العلني كقطيع غنم، قتل الجرحى، ابادة جزء كبير من افراد قبيلة بني صبيح عام 1844 بحرقهم احياء داخل مغارة اما الناجون من ابناء القبيلة فقد تم جمعهم بعد عام وسيقوا، مقيدي الايدي، إلى مغارة أخرى وبعدها تم سد جميع مخارجها عليهم. وتم، في العام 1845، حرق ألف جزائري من قبيلة اولاد رياح داخل مغارة الفراشيش. (جبالي، طارق "جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر"، https://www.chihab.net ، 25-2-2007)

اني اعتقد، ولكني لست متاكدا، ان اخبار عن هذه الجرائم، أو اخبار جرائم أخرى كانت قد وقعت في الفترة المحددة من الاحتلال الاستعماري الفرنسي 1830-1847 والتي حدثت قبل كتابة مقالة انجلز سالفة الذكر، كانت قد وصلت لمسامع انجلز وعلم بها ولكنه نظر اليها نظرة المستشرق الذي يبرر جرائم "الجنس الأبيض الراقي" اذا ارتكبت ضد "برابرة وقطاع طرق وهمجيين".

(ج) النمط الاسيوي في الإنتاج

جرى نقاش حيوي بين ماركس وانجلز حول طبيعة نمط الإنتاج في كل من الهند والدولة العثمانية، وخلال النقاش "... رفض ماركس بوضوح وصف الهند في ظل الحكم المغولي بكونها هيكلا اجتماعيا اقطاعيا. ويسري هذا الرفض، ضمنا، وبالضرورة، على تركيا العثمانية ايضا..." (اندرسون، بيري (1983) دولة الشرق الاستبدادية (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية) ص 45) وبدلا من ذلك، اعتقد ماركس "... ان هذه المجتمعات تمثل نموذجا محددا أطلق عليه اسم "النمط الاسيوي في الإنتاج". ( المصدر ذاته) وتوصل ماركس إلى استنتاج مفاده "... لا تحسن ولا تطور لقوى الإنتاج يستطيعان الانبثاق في الشرق لان الطبقة التي تستهل هذه التطورات (البرجوازية) كانت غائبة. وبالاضافة لذلك، وبسبب الهيمنة المزعومة للدولة، وصفت الدولة الاسيوية كاستبدادية." (المصدر ذاته)

وفي تعليقها على هذا الاستنتاج اشارت الكاتبة الفلسطينية نهلة عبدو، ان ماركس توصل إلى نمط الإنتاج الاسيوي نتيجة لانجرافه إلى معالجة استشراقية استعمارية للمجتمعات الاسيوية ادت به إلى الاعتقاد ان الركود المزعوم للمجتمع الاسيوي لن يتغير الا بتاثير خارجي. وحول انجراف ماركس لمثل هذا الاستنتاج، كتبت نهلة ما يلي:

"ان افتراض غياب الطبقات، أو الظروف الموضوعية القادرة على إنتاج الطبقة البرجوازية، ادت بماركس إلى التوصل إلى الاستنتاج المنطقي بان حدوث التغيير في اسيا ليس ممكنا الا أذا تم احداثه أو فرضه من الخارج. ويظهر هذا المنطق بكونه يميل إلى اسباغ دور تنموي تقدمي على الراسمالية الكولونيالية. ومع ان ماركس كان واعيا جدًا بالشقاء والتخريب الذي جلبه الحكم الكولونيالي البريطاني للهند، ولكن بناءه النظري لم يستطيع تجنب السقوط في معالجة استشراقية كولونيالية." (Abdo, Nahla, ed., (1996) Sociological Thought – Beyond Eurocentric Theory (Toronto: Canadian Scholars Press, Inc.), p.16)

كما واستخدم ماركس مصطلحا اخر خاص باسيا وهو "الاستبداد الاسيوي الراكد" ( Abdo, Nahla, ed., (1996) Sociological Thought – Beyond Eurocentric Theory (Toronto: Canadian Scholars Press, Inc.), p.16) ويعكس هذان المصطلحين نزعة تعتبر ان المجتمعات الاسيوية اختطت لها نمطا "اسيويا" مغايرا في التطور ويختلف جذريا عن النمط الأوروبي. ولكن هذه المصطلحات لها جذور أوروبية سبقت ماركس وانجلز. وكان اول من استخدم مصطلح "الاستبداد الاسيوي" هو ارسطو حين قارن بين البرابرة والاغريق، والأوروبيون والاسيويون في كتابه الشهير "السياسة". ثم قام مونتسكو، في عصر النهضة، باستخدام مصطلح "الاستبداد الشرقي" ليفسر التباين بين انظمة الدول الأوروبية والاسيوية. واظهر مونتيسكو افكاره المركزية الأوروبية في بحثه حول "الاستبداد الشرقي". ولم يكن مونتيسكو الوحيد بين المفكرين الأوروبيين الذين اجروا المقارنة بين هياكل الدول في كل من أوروبا واسيا. وكان ذلك تقليدا طويلا في المركزية الأوروبية حيث صدرت افكار مشابهة عن مكيافلي، وبوران، وبيكون، وهارنغتن، وبرنييه وهيجل. (Marx-Engels, Selected Correspondence, pp. 80-81 كما جاء في اندرسون، بيري مصدر سبق ذكره، ص 59)

يعتقد الكاتب العربي سمير امين ان الماركسية تاثرت "... فعلا بالثقافة السائدة، الامر الذي دفع في اتجاه تفسير ماركسي يشارك هذه الثقافة في تشوهها الأوروبي المتمركز. ونقصد تلك النظريات التي تذهب إلى ان ثمة تسلسلين تاريخيين اثنين هما التسلسل الأوروبي المفتوح الذي ادى إلى الراسمالية من جهة، والتجمد في مازق ونمط الإنتاج الاسيوي المزعوم من الجهة الأخرى." (امين، سمير، بعض قضايا المستقبل، مصدر سبق ذكره، ص 180)

وفي نقده للمصطلح الماركسي "النمط الاسيوي في الإنتاج"، اقترح الكاتب الفرنسي الماركسي مكسيم رودنسون استخدام مصطلحات أخرى مغايرة. ففي كتابه "الاسلام والراسمالية" اقترح ما يلي:

" فاذا كان لا بد من تسميات، فانا اقترح هذه: "صيغ إنتاجية قائمة على الاستغلال"، على ان تضاف اليها – حسب الاحوال – صفة "الجماعي" أو "صفة الفردي". اما الانظمة الاقتصادية المقابلة لهذه الصيغ فيمكن ان نسميها بصورة عامة: "انظمة الاستغلال السابقة للراسمالية"، وان نميز بين فئاتها عند اللزوم بتعابير اضافية كقولنا: ذات الهيمنة الجماعية (او الفردية)، وذات الهيمنة الزراعية (او الرعوية)، الخ …" (رودنسون، مكسيم (1982) الاسلام والراسمالية، الطبعة الرابعة، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر) ص 74)

وفي مقالة كتبها كارل ماركس عن الهند حين كانت ترزح تحت الحكم الاستعماري البريطاني، نقرا اراء مركزية أوروبية تُظهر تاثره بالثقافة الاستشراقية المهيمنة في أوروبا. ففي وصفه للهند بعد مرور فترة على استعمارها من قبل المستعمرين البريطانيين، كتب ماركس ما يلي. "... مجتمع لا تاريخ له على الاطلاق، أو على الاقل لا تاريخ معروف للهند. ما نسميه بتاريخها ليس الا تاريخ الغزاة المتتالين والذين اسسوا امبراطورياتهم على القاعدة الكسولة لهذا المجتمع غير المتغير وغير المقاوم. ولذلك، فالسؤال هو ليس في كون البريطانيين يملكون الحق في احتلال الهند، ولكن في كوننا كنا نفضل بان يغزو الهند الاتراك، الفرس، أو الروس، ام البريطانيين." (Karl Marx, "The Future Results Of The British Rule In India", as in Marx-Engels (1978) On Colonialism, 7th., --print--ing (Moscow: Progress Publishers), p. 81)

وبالرغم من وقوف ماركس ضد احتلال الهند وضد الجرائم التي ارتكبها المستعمرون البريطانيون فيها، ولكن استخدامه لمصطلح "القاعدة الكسولة لهذا المجتمع غير المتغير وغير المقاوم" يُظهر وكان الشعب الهندي يعاني في جيناته من بلادة مستعصية. كما ان عملية طرحه لهذا التساؤل السابق تظهر انه لو كان بالامكان ان يختار الشعب الهندي محتليه، فماركس يسديه النصيحة ان يكون هذا المحتل بريطاني وليس تركي، فارسي، أو حتى روسي، لكونهم محتلين متخلفين ولن يفيدوا الهند. وبالرغم من معرفة ماركس بقيام المستعمرين البريطانيين بهدم البنية الاقتصادية-الصناعية الهندية وبهدم بنيتها الزراعية-الاجتماعية، فقد اعتبر ماركس قيام المستعمرين البريطانيين بتاسيس صحافة "حرة"، "... كعامل جديد وقوي في اعادة البناء"، وقيام طبقة هندية تشربت العلم وتدربت على الحكم تحت اشراف بريطاني، كعامل اخر، كما وان الطاقة البخارية ستجعل الهند باتصال سريع ومتواصل ومنتظم مع أوروبا. كما اعتقد ماركس ان السفن البخارية وخطوط السكة الحديدية سوف تضم الهند للعالم الغربي. (المصدر ذاته، ص 82)

تظهر هذه الافكار بوضوح انه بالاضافة للعوامل السلبية الكثيرة، فان ماركس يرى وجود عناصر ايجابية في الحكم الاستعماري البريطاني للهند. فعملية هدم المجتمع الهندي "الخامل والراكد وذا نمط الإنتاج الاسيوي" واستبدالة بالنظام الراسمالي الاستعماري، هي حسب اعتقاد ماركس، امور ايجابية وفي صالح اعادة بناء الهند. وقيام المستعمرين البريطانيين بجلب بعض الانجازات الراسمالية للهند، مثل خطوط السكك الحديدية، والطاقة البخارية، والصحافة "الحرة"، هي عوامل ايجابية ستساعد الهند على اعادة البناء والنهوض.

وأذا اخذنا بعين الاعتبار عدم قيام كارل ماركس أو فريدريك انجلز ببحث عميق عن الظاهرة الاستعمارية بحيث يتناولا بالتحليل كيفية تكونها والمؤثرات الراسمالية للاستيطان الاستعماري التي تحدثها في البلد المستعمَر، على اقتصاده وبنيته الطبقية، فان افكارهما هذه ليست لها مصداقية علمية وتعكس استنتاجات سريعة مبنية على نزعات استشراقية ومركزية أوروبية وجهل واضح بمؤثرات الاستعمار التدميرية والكارثية التي يجلبها للبلد المستعمَر.

ويظهر ماركس بوضوح انحيازه للمستعمرين البريطانيين، والذين توقع منهم امورا ايجابية فقد كتب ماركس انه "… كان على بريطانيا ان تنجز مهمتين في الهند، واحدة هدامة والأخرى تجديدية – اي القضاء على المجتمع الاسيوي القديم ووضع الاساس لمجتمع غربي في اسيا." (المصدر ذاته، ص 82)

وفي معرض مقارنته بين المحتلين الاسيويين للهند والمحتل البريطاني، وصف ماركس المحتلين الاسيويين، مثل العرب والاتراك والتتار والمغول، بالبرابرة بينما وصف الاحتلال البريطاني بانه احتلال رفيع المقام ولذلك لا يمكن اختراقه من قبل الحضارة الهندوسية. (المصدر ذاته، ص 82)

وهنا تظهر لدى ماركس نظرة متوازنة لظاهرة الاستعمار، وكأنه من الممكن ان تصدر عن النظام الاستعماري امورا سلبية وايجابية في الوقت ذاته. وهذا الموقف يدل على مدى تاثر ماركس بالافكار الاستشراقية التي كانت سائدة في عصره والتي اعتبرت الاستعمار أداة حضارية تبغي رفع شان الامم البربرية من مرتبة "الركود والاستبداد" إلى مرحلة الحضارة.

وهكذا نرى بوضوح ان الافكار الاستشراقية وايديولوجية المركزية الاوروبية لم تهيمن فقط على التفسيرات والتحليلات السوسيولوجية الاوروبية المحافظة بل تعدتها لتصل الى الماركسية. واصطبغت وتلوثت افكار كلا المدرستين المحافظة والراديكالية بالمركزية الاوروبية وبايديولوجية الاستشراق فجائت تصوراتهما عن الشرق فاقدة للموضوعية العلمية ومنحازة للفكر الاوروبي المتعالي والعنصري الذي هيمن على اوروبا لفترة طويلة.

وهكذا نرى ان علم الاجتماع الغربي المحافظ تطور داخل بيئة اجتماعية-سياسية ذات انحياز طبقي واضح للنظام الراسمالي، وذات نزعة مركزية أوروبية فجاء علما منحازا ذا نظرة أوروبية وبرجوازية. ولم يهيمن علم الاجتماع البرجوازي الأوروبي على الفكر السوسيولوجي الغربي فقط، بل هيمن على الفكر السوسيولوجي في العالم الثالث ومن ضمنه الوطن العربي الذي اعاد، معظم منظريه واكاديمييه وجامعاته، إنتاج النظريات البرجوازية في علم الاجتماع. ولم يظهر في العالم العربي اتجاها نقديا بديلا في علم الاجتماع، بل ظهر اتجاهين واحد يرى امكانية تطوير علم اجتماع عربي واخر يرى امكانية نشوء علم اجتماع اسلامي. ما يلي هو معالجة لهاذين الاتجاهين.

(6) علم اجتماع عربي ام اسلامي

يعكس السعي لتطوير "علم اجتماع عربي" أو "علم اجتماع اسلامي" ظهور رغبة صادقة، جادة ومخلصة لدى بعض منظري علم الاجتماع من العرب والمسلمين من شعوب أخرى، في البحث عن بديل للاتجاهين البرجوازي والماركسي في علم الاجتماع الأوروبي. لم تظهر، ولغاية الان، اية محاولات جدية، منهجية، ومتكاملة لصياغة اسس ومقولات نظرية لعلم اجتماع اسلامي أو عربي مستقل، وخالي من مؤثرات الانحياز الطبقي البرجوازي والمركزية الأوروبية. ويرجع ذلك لسبب جوهري هو انعدام الوقفة النقدية العربية لعلم الاجتماع "الغربي" والتي تشكل مرحلة ضرورية يجب ان تسبق عملية التنظير.

لم ينشا في العالم العربي علم اجتماع نقدي ومغاير ولا علم اجتماع مادي-تاريخي وهذا يدل على ان المحاولات لانشاء "علم اجتماع عربي أو اسلامي" لا زالت تخضع للشروط المهيمنة السابقة التي فرضها علم الاجتماع الغربي في عالمنا العربي. فالفكر الاجتماعي العربي بغالبيته لم ينعتق بعد من هيمنة علم الاجتماع الغربي ونزعته المركزية الأوروبية وانحيازه الطبقي الواضح.

وبناء على ذلك فاني لا اعتقد بوجود امكانية، حاليا، لتطوير "علم اجتماع عربي أو اسلامي"، الا أذا تجاوزنا "... ما بلغوه وما بلغه علم الاجتماع الغربي، لا باطِّراحه أو الالتفاف حوله وانما باستيعابه وتقديم ما يعلو عليه". (محمد عزت، حجازي، مصدر سبق ذكره، ص 40) فلا زالت محاولاتنا تتعلق أكثر برغبة صادقة في تطوير بديل ولكنها مبنية على اوهام بامكانية تحقيق ذلك دون القيام "بوقفة نقدية" للفكر الاجتماعي الغربي وللمركزية الاوروبية.

ومن اجل ان نطور علم اجتماع مغاير ومختلف عن علم الاجتماع الغربي، فاننا بحاجة لنقطة بداية لننطلق منها ونبدا مشروعنا الفكري الجدي والضروري. ومن اجل الوصول لنقطة البداية، علينا معالجة موقف يتخذه بعض المفكرين العرب الاسلاميين والقوميين والذين ينادون بمقاطعة شاملة للنظريات والفكر والأدوات التحليلية السوسيولوجية القادمة من الغرب. بعض من هؤلاء يعارضون نقل اية فكرة غربية أو استخدام اية نظرية اجتماعية غربية تحت ذريعة كون كل ما ياتي من الغرب باطل ومرفوض كونه لا يناسب خصوصية مجتمعنا العربي وكونه تطور ونشا في بيئة أوروبية ويناسب فقط المجتمع الأوروبي الغربي. وهنا يجب ان نعالج امرين مهمين وهما الأدوات النظرية التي نحتاجها لتطوير علم اجتماع مغاير ومفهومنا الماضي والحاضر عن حركة النقل عن الشعوب الأخرى.

(ا) الأدوات النظرية وحركة النقل

يمكن تعريف النظرية الاجتماعية بانها منظومة من المفاهيم المترابطة بشكل منطقي والتي تسعى لتحليل وتفسير احدى الظواهر الاجتماعية ومن ثم الوصول إلى استقراء لتطورها المستقبلي. وتظهر النظرية بكونها نشاطا فكريا تم توظيفه لتحليل وفهم ظاهرة اجتماعية معينة. ويمكن للنظرية ان تساعدنا في تحليل وفهم ظاهرة اجتماعية مشابهة الامر الذي سيمكننا من تفسير جزء من الواقع الاجتماعي.

يعرف الكاتب الامريكي ديفيد دريسلر النظرية الاجتماعية بانها "مجموعة ملاحظات دقيقة مترابطة بشكل منسق متضمنة تفسيرا وتحليلا لعلاقة الاحداث الاجتماعية فيما بينها وعاكسة، بالوقت ذاته، قدرة المنظِّر في التنبؤ الاجتماعي." (Dressler, David (1969) “Sociology”, (New York: A. Kungst), p. 29)

ويعتقد الكاتب العربي محمد عزت حجازي انه من غير الممكن تحليل وفهم واقعنا الاجتماعي دون الاستعانة بالافكار النظرية التي تطورت في العالم الغربي. وقد توصل إلى استنتاج مفاده ان:

الامر الذي لا يصح ان يكون محل مراجعة أو جدال هو ان فهما موضوعيا سليما للواقع الاجتماعي، أو اي جانب منه، غير ممكن بدون الاستعانة بالافكار النظرية الكثيرة التي يزخر بها تراث العلم، وان يتم ذلك بتجاوزها، وان تختار لذلك الافكار والأدوات الاكثر ملاءمة. ومن جهة أخرى، ليس ممكنا لاية دراسة تتناول بعدا أو اخر من ابعاد الواقع الاجتماعي ان تحقق اضافة إلى تراث العلم بدون ان تنطوي على اضافة نظرية من نوع أو اخر. (محمد عزت، حجازي، ص 29)

لا يمكننا، كباحثين في حقل العلوم الاجتماعية-الإنسانية، التوصل إلى فهم جوهري وعلمي للواقع الاجتماعي العربي الذي نحياه أو لجزء منه، دون الاستعانة باحدى النظريات التي تم تطويرها من قبل اخرين. فمن اجل فهم اعماق واقعنا الاجتماعي، وبنيته المتنوعة، وتطوراته ومؤثراتها الاجتماعية، يتوجب علينا توظيف بعض الأدوات النظرية المجربة، والتي ستمكننا من تحليل الواقع والتوصل لاستنتاجات علمية تضيف معرفة جديدة لهذا الواقع بحيث يصبح اقل ابهاما واكثر وضوحا.ً

وهنا يجب علينا ان نتذكر تاريخ التطور الفكري لدى العرب والذي ارتكز، في البداية، كثيراعلى نقل وترجمة العلوم، من طب وكيمياء ورياضيات وفلسفة وعلم الفلك، عن شعوب أخرى مثل الفرس والاغريق والبيزنطيين والهنود وغيرهم. "وقام العرب في العصر الاموي بالبدء بنقل الكتب الفارسية والاغريقية والهندية إلى اللغة العربية وبدأ النقل وكان واسعا، في زمن الامويين المعروفين بتعصبهم للثقافة العربية." (كما جاء في كتاب: عمر خليل، معن (1997) نظريات معاصرة في علم الاجتماع (عمان؛: دار الشروق للنشر والتوزيع) ص 21) ويذكر المؤرخ العربي اللبناني فيليب حتي ما يلي عن حركة النقل: "... ولقد تميزت هذه الحركة بالنقل إلى العربية عن الفارسية واليونانية والسريانية، اذ ان العربي لم يحمل معه من الصحراء فنا ولا علما ولا فلسفة، ولا شيئا يذكر من الادب، انما رافقته رغبة ملحة في الاطلاع، ونهم شديد للعلم، وشيء كثير من المواهب الفطرية الكامنة ..." (حتي، فيليب (1959) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الثاني (بيروت: مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر) ص 174)

وبدات حركة النقل في العصر الاموي ولكنها توسعت وتمأسست في العصر العباسي. وفي العام 830 م اسس الخليفة العباسي المامون "بيت الحكمة" وهو اول دار للدراسة العالية في الاسلام. وبالاضافة لكونه دار ترجمة، كان معهدا للعلم ودار كتب عامة وله مرصد ملحق به (حتي، فيليب (1965) تاريخ العرب، الجزء الثاني (بيروت: دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع) ص 497) وبه متحفا. (حتي، فيليب (1959) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، مصدر سبق ذكره، ص 176)

يعتقد المفكر العربي السوري والوزير السابق عبد الله عبد الدائم ان "الثقافة العربية الاسلامية كانت دوما ثقافة قوامها الانفتاح على الثقافات الأخرى والتمازج مع الثقافات الأخرى، وقد تجلى هذا في جميع فترات التاريخ العربي الاسلامي بعد الفتح." (عبد الدائم، عبد الله "مستقبل الثقافة العربية والتحديات التي نواجهها"، مجلة المستقبل العربي، العدد 260، تشرين الاول 2000، ص 40) وحدث تلاقح ثقافي، وبشكل واسع، بين الثقافة العربية والثقافات اليونانية والفارسية والهندية وذلك في العصرين الاموي والعباسي. كما وحدث تلاقح ثقافي رائع ومبدع في الاندلس بين الثقافة العربية والثقافات الاوروبية. (المصدر ذاته)

ويعزو الكاتب المصري عصام فوزي هذا الانفتاح على الاخر، الذي ميز الثقافة العربية الاسلامية، إلى الحركة التجارية والدور التجاري الوسيطي الذي تبوأه العرب بدءا من القرن السابع الميلادي. ويؤكد فوزي ان الحضارة العربية تميزت بكونها حضارة لا تحوي مظاهر من استعلاء عنصري، ويرجع ذلك إلى كون الامبراطورية العربية الاسلامية قد قدمت لنا نموذجا مختلفا من ايديولوجيا الاخر، حيث "تختفي من ذلك النموذج إلى حد كبير النبرة الاستعلائية والانوية، بل تستبعد القوالب الجاهزة في تصنيف الاخرين، ويسوده نزوعا تجريبيا ملائما لسيادة العلاقات التجارية." (فوزي، عصام "رؤية الاخر: المعرفة والتسلط في ايديولوجيا الاستشراق"، مجلة ادب ونقد، العدد 31، يونيه/يوليه 1987، ص 101) ويتابع فوزي طرحه فيقول، "استبعد ذلك كما ذكرنا اية تصورات ذاتوية مركزية – رغم الحماسة الدينية احيانا – يلاحظ ذلك في غياب التعصب الاثني أو الديني في الوصف الاثنوجرافي للشعوب غير العربية في كتابات المسعودي وابن بطوطة وغيرهم." (المصدر ذاته)

كما يظهر، فان العرب الاوائل حملوا مفهوما عن الاخر خالي من نظرة الاستعلاء عليه والخوف منه، وخالي أيضًا من التعصب الاثني والديني، ومن الذاتوية المركزية. واستطاع العرب من خلال النقل عن ثقافات الشعوب الأخرى ان يراكموا المعرفة وان يبنوا عليها اضافات أصيلة طورت منها، فانشاوا حضارة أصيلة في المشرق والاندلس. ولكن هذا الموروث من حب المعرفة، والنقل عن شعوب وثقافات أخرى، وتعريب المعرفة المنقولة، والتلاقح الثقافي مع ثقافات أخرى، والانفتاح على الاخر – كل ذلك تحول في واقعنا الحالي إلى انكماش على الذات، وخوف من الاخر، ورفض قطعي لكافة نظريات وافكار واجتهادات الاخر، وكل ذلك تم تحت حجة "خصوصية بيئتنا ومجتمعنا العربي". وأدى هذا الوضع المغاير إلى تطوير حالة من العجز الوجودي ناجمة عن حالة من الاستلاب يعيشها ويعاني منها بعض المثقفين العرب.

يصف الكاتب العربي سالم ساري، مدرس علم الاجتماع في جامعة الامارات العربية المتحدة، هذا الإنسان العربي الذي يعاني من حالة عميقة من العجز الوجودي نتيجة للاستلاب الاجتماعي والذي بدوره يحمل عددا من الملامح والصفات منها ما يلي:

كما يعني تجميد الصراع مع المواطن العربي جعله يعيش في ازمة دائمة مع ذاته، إنسان مهزوم امام نفسه، يعيش قضايا مجتمعية تهم حياته بشكل مباشر، ولكنه يشعر، بازدياد، بصعوبة بالغة بالاحاطة بها، ويفتقد قوة التاثير في توجيه مجراها. إنسان يدرك المشكلات الحقيقية، ولكن بسلبية وقدرية دونما قدرة على التحرك إلى فعل ايجابي. تستبد به الاتكالية ويتقاسم مع غيره بلادة اجتماعية مستشرية، تنأى به عن التفاعل الحقيقي أو الالتزام بمتطلبات الدور الاجتماعي المنوط به. إنسان مليء بالخوف والشك، وفاقد الثقة بنفسه ومؤسساته والاخرين من حوله، ويتكرس هذا الاغتراب يوميا بترتيبات اجتماعية وممارسات سياسية وبرامج مؤسسات تعليمية لم يؤخذ الإنسان العربي في اي منها ماخذا جديا. (ساري، سالم "علم الاجتماع والمشكلات الاجتماعية العربية: هموم واهتمامات"، كما جاء في كتاب: مجموعة من الكتاب، نحو علم اجتماع عربي، مصدر سبق ذكره، ص 61)

على صعيد الوعي الاجتماعي، فان المازق الوجودي وحالة الاستلاب الاجتماعي التي يعاني منهما جزء من سكان الوطن العربي من عرب واكراد وامازيغ ونوبيين وافارقة غير عرب، وارمن وشركس وتركمان وشيشان وازيديين وكلدانيين واشوريين وغيرهم، ينذر ببروز الوعي الطائفي والقبائلي (العراق، ولبنان، والسودان، وليبيا) والذي سيدفع بنا إلى مرحلة متردية أكثر من الانحطاط والفكفكة والشرذمة الاجتماعية. ويتطور الوعي الطائفي والقبائلي، متزامنا مع الانحسار التدريجي الحالي للوعي القومي-العلماني. وينتشر الوعي الطائفي ويتجذر أكثر ويصبح طاغيا على كافة طبقات وشرائح المجتمع. ويزود الوعي الطائفي الفرد بمنظار يرى من خلاله شعوب العالم وكانهم مجموعة من الطوائف لا القوميات، تربط بينهم روابط دينية طائفية وليست قومية. وينظر لذاته ولافراد شعبه وكانهم طوائف دينية وملل، تربطه بافراد طائفته روابط اشد واقوى من الروابط التي تربطه بافراد شعبه من الطوائف الأخرى. ويتحول منظوره الاجتماعي ليصبح منظورا طائفيا ضيقا، فحيزه الفكري وانتمائه الاجتماعي تم اختزالهما من شعب إلى طائفة ومن شعب إلى قبيلة.

اني اعتقد ان هذه التحولات، وهذه الفكفكة والشرذمة الاجتماعية، وبالتالي هذا الاغتراب الاجتماعي المتصاعد، تطوروا كحصيلة لانحسار المشروع القومي العربي والعلماني، والذي هُزم في العام 1967 على اثر الهجمة الامبريالية-الصهيونية. ان صعود الوعي الطائفي والقبلي كان نتيجة لانحسار الفكر القومي العلماني التقدمي بهزيمة الدولة القومية العربية في كل من مصر الناصرية وسوريا تحت حكم حزب البعث العربي الاشتراكي. ان الاسمنت الاجتماعي الذي كان يجمعنا كعرب كان الانتماء القومي العلماني التقدمي الذي شكل مظلة قومية جمع تحتها جميع الشعوب العربية وزودها بالهوية والانتماء العربي. ومع هزيمة الأنظمة القومية العربية التقدمية، فقدنا البوصلة والانتماء القومي مما اضطرنا للبحث عن انتماء بديل وجدناه في الطوائف الإسلامية والمسيحية والدرزية. وبعضنا توخى الدقة في الانتماءات الجديدة فاختار الإسلام السني، او الإسلام الشيعي، او احد مشتقات الطوائف المسيحية. ووجد بعضنا انتماءا عائليا عشائريا او قبليا.

لن تختفي هذه الانتماءات الطائفية والعشائرية والقبائلية الا بعودة الوعي القومي العربي وهذا بدوره لن يعود الا اذا نجحت احدى البرجوازيات العربية من فك ارتباطها مع المركز الراسمالي الغربي والبداية في تطوير تنمية تعتمد على الذات، لها قاعدة صناعية إنتاجية متطورة تقوم بإنتاج البضائع المصنعة المحلية. وعنده سيتم الاستعاضة عن الاستهلاك الجنوني لبضائع الغرب الاستعماري. عندها سيتم تطوير وعي قومي وأحزاب قومية وادب قومي وتربية وطنية وكرامة وطنية.

(ب‌) شروط تطوير علم اجتماع مغاير

لا اعتقد بوجود امكانية لتطوير علم اجتماع اسلامي أو علم اجتماع مسيحي أو يهودي أو بوذي أو هندوسي. فانا اومن ان العلم يجب ان يكون علمانيا وعقلانيا، وعملية مزج، أو اسقاط، أو دمج العلم بالدين، سينتقص من كلاهما معا. فالعلم والدين يشبهان خطي سكة حديد، فهما قد يقتربا من بعضهما البعض ولكن لن يلتقيا ولن يتقاطعا.

ومن الجهة الأخرى، لا اعتقد بضرورة تطوير "علم اجتماع عربي" وعلمنة "خصوصيتنا العربية"، والتي انظر اليها كونها جزء لا يتجزا من خصوصية الجنوب أو مجتمعات العالم الثالث. فلا حاجة لعربنة او اسلمة علم الاجتماع كما ولا توجد حاجة لاوربته أو امركته. فالعالم الذي نحيا به ليس بحاجة لمركزيات أخرى لعلم الاجتماع. وعليه فلن أتناول موضوع "علم الاجتماع الاسلامي" أو "علم الاجتماع العربي"، وساكتفي بتناول امكانية تطوير علم اجتماع مغاير، ابداعي، ديناميكي، منفتح على الإنسانية، غير منكمش على الذات، وقابل للتطوير والتنظير والتغيير بهدف مراكمة المعرفة وإنتاج معرفة مغايرة. وعليه فبعد انجاز تراكم معرفي وتنظيري، يجب علينا الانطلاق والانعتاق من خصوصيتنا العربية باتجاه العالم والإنسانية لا ان ننكفيء عليها وننكمش ونتقوقع حول ذاتنا وخصوصيتنا لعجزنا عن مواجهة تحديات واقعنا وذاتنا الحضارية في عالم يزداد وحشية وبطشا وتنكيلا واستعمارا.

هنا يجب ان نتعامل مع جانبين من الثقافة وهما: (1) الموروث الثقافي العربي-الاسلامي، (2) والثقافة الغربية الوافدة الينا من دول المركز الأوروبي-الامريكي. ويجب ان نتعامل مع الموروث الفكري-الثقافي العربي بطريقتين: ان نتواصل معه فكريا وان نوجه له نقدا بناءا، جديا، وشاملا لفهم جوانبه المبهمة والمغيبة ولتخليصه مما علق به من شوائب طبقية وعنصرية قد تعيق تطورنا. اما الثقافة الوافدة من الغرب، فيجب علينا توجيه النقد الجدي لها لتخليصها من انحيازها الطبقي ومركزيتها الأوروبية.

بمعنى اخر، يجب علينا ان نعبر المرحلة الحالية، مرحلة الانبهار بالغرب ومحاكاة ما ينتجه من ثقافة وفكر، تحت شعار "الحداثة". كما ويتوجب علينا عبور مرحلة الهلع من ثقافة وفكر الغرب من جهة واحدة، ومرحلة الرفض القطعي والشمولي لكل ما أنتج من ثقافة وفكر من جهة ثانية، وذلك تحت شعار العودة للموروث الحضاري الاسلامي أو بسبب خصوصية تجاربنا الإنسانية-الاجتماعية ومقولة عدم ملائمة ما ينتج في الخارج لبيئتنا الثقافية العربية.

لن نستطيع عبور هذه العوائق التي تكبح تقدمنا وتلجم انطلاقنا في عالم الفكر والابداع من خلال الانكماش على الذات والجلد الذاتي ورفض التغيير والهروب إلى الماضي لعجزنا عن مواجهة تحديات الحاضر. فنحن بحاجة، ليس فقط، إلى احداث تغيير في واقعنا بل إلى ثورة سياسية وفكرية عميقة الجذور. ويجب ان نبدا بإنتاج معرفتنا المغايرة والابداعية والأصيلة، وهذه المرحلة لن نتمكن من الوصول اليها الا بعد التغلب على العوائق وازالة الكوابح التي تعيق انطلاقتنا الفكرية وابداعنا الحضاري. وستتحقق هذه المرحلة المرجو الوصول اليها عند قيامنا بوقفة نقدية جادة من الموروث الفكري-الثقافي العربي والثقافة الوافدة الينا من المركز الأوروبي-الامريكي.

(ج) تراكم المعرفة السوسيولوجية واشكالية التنظير

دخل علم الاجتماع الأوروبي للعالم العربي عن طريق تعريب بعض الادبيات السوسيولوجية من قبل خريجي الجامعات الأوروبية من عرب المشرق والمغرب. وارتكز جزء كبير من الادبيات السوسيولوجية الاولى على الية نقل الفكر الاجتماعي الغربي وتعريبه. ولم يقم غالبية السوسيولوجيين العرب بإنتاج معرفة سوسيولوجية نظرية جديدة تتعدى حدود النظريات التي نقلوها ثم عربوها واخذوا في ترديدها لسنين عديدة، داخل وخارج قاعات الجامعات العربية.

حدث تراكم كمي معين في المعرفة السوسيولوجية في عالمنا العربي، وأصبحنا ملمين، ولكن دون عمق وشمولية، بكافة النظريات الاجتماعية التي تطورت في أوروبا الغربية وبعض مستعمراتها الاستيطانية في العالم الجديد. مع ذلك، لم نقم باية اسهامات نظرية جادة ادت لإنتاج معرفة جديدة، عميقة وابداعية، بحيث تضيف تراكما نوعيا على ما نقلناه من الغرب. وهذا الامر ليس قطعيا ومطلقا، لحدوث حالات استثنائية من الاجتهادات التنظيرية مثل مساهمات سمير امين، مهدي عامل، هشام الشرابي، ادوارد سعيد، الطاهر لبيب، زهير حطب، وحنا بطاطو، فريدريك معتوق، ونوال السعداوي واخرين غيرهم.

مرت مجتمعاتنا العربية بتغيرات بنيوية، اقتصادية، واجتماعية وسياسية، وترسملت وتشرذمت واستُعمرت واحتُجز تطورها. اما علم الاجتماع في الوطن العربي فلم يستطع مواكبة التغيرات بالدراسة والتحليل والنقد والتنظير. واقتصرت حركته على التواصل في النقل والتعريب واسقاط ما تم نقله على مجتمعاتنا. ونتيجة لهذه الحالة من العجز في حقل التنظير، وصل علم الاجتماع في الوطن العربي إلى مازقه الحالي، فهو علم غربي المنشأ، وأوروبي التمركز، ومنحاز طبقيا، ويراوح مكانه. ولكن لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه؟ وما هي العوائق التي تمنعنا من النقد وإنتاج المعرفة السوسيولوجية وبشكل ابداعي؟

(د) عوائق اربعة اساسية

يعتقد عالم الاجتماع اللبناني فريدريك معتوق، وهو العميد السابق لمعهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، وباحث مرموق، ان العلوم الاجتماعية في الوطن العربي لم تتطور وتتبلور بعد بسبب وجود اربعة عوائق جدية لا زالت قائمة وتواجهها وتحجز تبلورها. ما يلي هو معالجة معتوق لهذه العوائق كما جائت في كتابه "منهجية العلوم الاجتماعية عند العرب وفي الغرب."

تتكون هذه العوائق الاربعة الاساسية من: (1) العائق النظري (2) العائق المنهجي (3) العائق الاجتماعي (4) والعائق السياسي. وسوف نعالجها ببعض الاسهاب، لانها ستلقي الضوء على الاوضاع السائدة في علم الاجتماع في العالم العربي.

• العائق النظري

يميل جزء من مثقفي ومفكري العالم الثالث إلى القاء المسؤولية عن مشاكل مجتمعاتهم المهمة على الظرف الموضوعي، الخارجي، "الاستعمار والامبريالية". لا شك ان غالبية مشاكلنا ترجع بجذورها للفترة الاستعمارية، وأكبر دليل على ذلك هو حالة الوطن العربي اليوم فهو مسرح للتدخلات والعدوان الاستعماري الغربي في فلسطين، العراق، لبنان، اليمن، الصومال، السودان، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، وسورية. مع ذلك، يوجد ظرف ذاتي، داخلي، يعيق تطورنا، وهو الضعف النظري. ويصف معتوق حالة المثقفين العرب وعلاقتهم بالنظريات السوسيولوجية على الوجه التالي:

"… فالمثقفون العرب هم، بصفة عامة، على اطلاع على نظريات العلوم الاجتماعية، ولكنهم غالبا ما لم يتعمقوا في هذا الاطلاع. … فالمثقفون عندنا لا يطالعون النصوص الاساسية للنظريات المطروحة. فهم لذلك، في موقع دوني، باستمرار، ولا يرغبون في اخضاعها لعملية النقد حيث هم لا يقدرون عليها. فالاستسهال هو العنوان العام للثقافة السوسيولوجية عندنا." (معتوق، فريدريك (1985) منهجية العلوم الاجتماعية عند العرب وفي الغرب، الطبعة الاولى (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع) ص 134)

ويتطلب البعد النظري جهودا كبيرة ترتكز على ثلاث خطوات منهجيه وهي التعمق في النصوص الاصلية والوقفة النقدية الرصينة من هذه النصوص، وربط عملية النقد بالنظريات الموجودة "... وتحديد موقعها منه، من اجل تحديد موقعنا نحن، فيما بعد، من هذه النظرية، فالعلوم الاجتماعية ما زالت عندنا في طور النقل، نقل الفكر الاجتماعي الغربي وذلك بسبب غياب الوقفة النقدية الخلاقة". (المصدر ذاته، ص 134-135)

ويصل معتوق للاستنتاج المهم التالي والذي يظهر حالة ثقافية جديرة بالمعالجة والتحليل والدراسة الميدانية للتحقق من وجودها.

… فالإنسان الذي لا يتقن النظرية والذي لا يلم بجميع خفاياها لا يقدر، موضوعيا، على نقدها. … فغياب الفكر النقدي ليس بسبب تاخرنا في ميدان العلوم الاجتماعية، بل هو نتيجة موضوعية لعدم تعاطينا جديا مع المسالة النظرية. حيث اننا غالبا ما نستسهل ما ليس بسهل ونلم باطرافه وبعناوينه العريضة دون ان نطلع عن كثب على تفاصيل هذه المسالة… فهؤلاء "الاخصائيين" في الواقع، نقلوا معارفهم كما هي من جامعات الغرب إلى جامعاتنا. ولو استوعبوا هذه المعارف فعلا، لما نقلوها كما هي، اذ ان اولى قوانين العلوم الاجتماعية نفسها تقول باولوية النسبية الاجتماعية في كل الميادين. فالضعف النظري هو سبب غياب الموقف النقدي من العلم المنقول عن الجامعات الغربية وهو سبب عدم تبلور الفكر النقدي حتى الان عندنا …(المصدر ذاته، ص 135)

• العائق المنهجي

يعتقد معتوق ان العائق المنهجي يلعب أيضًا دورا مهما في عرقلة تبلور العلوم الاجتماعية في الوطن العربي، ويتمثل ذلك في اهمال بعض التخصصات الهامة في العلوم الاجتماعية مثل علم الاجتماع الاقتصادي، وعلم الإنسان، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع الديني. ويضاف لذلك، حقيقة بعثرة جهود متخصصي العلوم الاجتماعية على امتداد الوطن العربي وغياب وجود مجلة متخصصة تجمع كل الباحثين، وعدم توحيد ترجمة المصطلحات المنقولة. (المصدر ذاته، ص 135)

• العائق الاجتماعي

يوجد قلة من الباحثين العرب الذين يجرون عملية القطع السوسيولوجي على صعيد حياتهم اليومية، حيث ان المؤسسات الجامعية التي يعملون فيها لا تشجعهم على الاقدام على هذه الخطوة. فالباحث العربي يصنف، عرفا، المواضيع إلى حساسة وعامة غير حساسة. ومن المواضيع الحساسة (المصدر ذاته، ص 136-137) موضوع المراة والتي ".. هي نصف المجتمع في الواقع المعاش، ولكنها ليست نصف المواضيع في الأبحاث الاجتماعية العربية..." كما ان "... الدين والجماعات الدينية ودورها الفعلي في الحياة الاجتماعية العربية ليست حقلا قابلا للدراسة..." (المصدر ذاته)

وبالإضافة لموضوعي المرأة والدين اللذين يتم تجنبهما، يوجد موضوع ثالث هو الجنس والذي يعتبر من المواضيع الحساسة التي يتم تجنبها في العالم العربي. ويعتبر الجنس بمثابة "تابو"(Taboo) اجتماعي، أي موضوعا يجري تحريم الحديث عنه او الكتابة عنه الا ما ندر، ولا يمكن تناوله الا من خلال النكتة الجنسية والتي تنتشر كالنار في الهشيم داخل جلساتنا الاجتماعية في المقاهي والمطاعم والصالونات.

ونتيجة لهذه "الاستقالة الصامتة" والتردد في دخول "حقول الالغام الاجتماعية" تتحلى معالجاتنا، لواقعنا الاجتماعي، بالهامشية وعدم العمق. ولذلك لم تتحول العلوم الاجتماعية لأداة كاملة للتنقيب في المجال الاجتماعي، وبقيت "أداة منقوصة الصلاحيات، ومنقوصة الفاعلية، ومنقوصة الاستراتيجية". ونتج عن هذه الحالة عدم مشاركة العلوم الاجتماعية بشكل فعال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية العامة.

• العائق السياسي

تعاني العلوم الاجتماعية العربية من عدم اهتمام مؤسسات النظام السياسي بها وبنتائج أبحاثها، حيث يتم احتكار اتخاذ القرارات الاجتماعية من قبل "نخبة سياسية لا تؤمن بالمنهج العلمي الايمان الكافي". وتصدر القرارات بموجب "انطباعات شخصية" و"عبقرية مدعاة" للحاكم. وتبقى العلوم الاجتماعية مقتصرة داخل "... حدود المؤسسة الجامعية – وغالبا دون مراكز أبحاث وفي أطار كليات الاداب – دون ان تنتقل إلى حيز المؤسسات الرسمية ..." كما وتوجد ازمة ثقة بين العلوم الاجتماعية وبين المؤسسات الرسمية ..." (معتوق، مصدر سبق ذكره، ص 137-138)

وهكذا نرى ان هذه العوائق الاربعة تقف في طريق علماء الاجتماع العرب وتمنعهم من تطوير هذا العلم ليصبح علما منفتحا ومتطورا ومتغيرا ونقديا وابداعيا. ولكي يحصل هذا التغيير الجذري في وضعية علم الاجتماع، يجب ان يحصل تغيير فينا، خاصة داخل فئة المثقفين، فنحن من يستطيع البدء في التغيير من مرحلة النقل إلى مرحلة النقد.

ملاحظات اخيرة

لست من اعضاء مدرسة الجلد الذاتي التي تبث روحا من التشاؤم والياس والاحباط وتجد عوامل سلبية في كافة ثنايا وجودنا المادي والفكري والثقافي. كما انني لست من دعاة الرفض الشمولي والمطلق لكل ما يجيء من الغرب بحجة انه لا يناسبنا كونه تطور في بيئة غربية مغايرة، وكوننا نملك خصوصية معينة. انني اعتقد ان المعرفة ليست احتكارا لشعب أو لامة ما، بل ملكا للبشرية جمعاء، يستطيع كل شعب ان يغترف ما يريد منها، وان يخضعها للتحليل والنقد، وان يطورها بابداعاته ويضيف عليها معرفة جديدة، أصيلة ومغايرة. كما وارى وجود قواسم مشتركة، عميقة وإنسانية، وأعمق من الفروقات، تربط كافة شعوب الارض، وقوانين عامة تخضع لها الإنسانية جمعاء، بالرغم من اختلاف درجات تطور شعوبها وثقافاتها وخصوصياتها.

ومن اجل ان نكون كعرب بين المساهمين في تطوير المعرفة الإنسانية، ولكي يكون عطاؤنا الفكري ابداعا مستمرا معبِّرا، علينا ازالة كافة الكوابح، والعوائق، والملوثات التي علقت بنمط تفكيرنا ووعينا، وعلينا التخلص من شعورنا بالدونيةتجاه الغرب، وعلينا التواصل مع ماضينا الابداعي، واخضاع تاريخنا وماضينا وموروثنا الحضاري للنقد والتطوير، ومن ثم الاستمرار في إنتاج المعرفة.

وأذا اردنا صياغة معرفة جديدة ومغايرة، اي علم اجتماع جديد، علينا القيام بعدد من الخطوات المنهجية. اولى هذه الخطوات يجب ان تكون الدراسة المعمقة لعلم الاجتماع الغربي بحيث نصبح ملمين الماما كاملا وشاملا بكافة النظريات والتيارات والاتجاهات التي مر بها الفكر الاجتماعي الغربي. وثاني هذه الخطوات هي اجراء التحليل المعمق للبنية الفكرية التي انتجت مثل هذه الافكار الاجتماعية. وثالث هذه الخطوات هي القيام بالتحليل ومن ثم التوصل لاستنتاجات جدية، أصيلة، وابداعية. فالتحليل العميق لابد وان يتعدى السرد واعادة إنتاج الافكار ذاتها. وبعد القيام بالتحليل، والاستنتاج، نكون قد أحرزنا تراكما معرفيا نستطيع بواسطته القيام بالخطوة الرابعة، وهي اجراء نقد عميق ومنهجي لهذا الفكر الاجتماعي الغربي وربطه بسياقه الاقتصادي، السياسي، والطبقي. وبعد القيام بكل هذه الخطوات المنهجية، نستطيع القيام بالخطوة الخامسة، وهي خوض تجربة التنظير والتي ستبنى على المعرفة العميقة والشاملة والمتراكمة التي حصلنا عليها وانتجناها، وايضا على الاستنتاجات التي توصلنا لها من خلال الالمام، والنقد وتراكم المعرفة.

وأذا اردنا التواصل مع الفكر الاجتماعي المنهجي للعلامة العربي عبد الرحمن ابن خلدون ودون استخدام ذكره واسمه لاخفاء عجزنا، فيجب علينا ان نتذكر ونوظف منهجه العلمي الذي استحدثه وابدع به، وجاء بمقدمته الأصيلة والابداعية. حيث احتكم في منهجه للفكر العلمي المبني على المنطق والعقل والتحليل والاستنتاج. وفي معرض وصفه لمنهجه كتب ابن خلدون انه " … في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع واسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير بان يعد في علومها وخليق." (ابن خلدون، عبد الرحمن (1993) مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر (بيروت: دار الكتب العلمية)، ص 3)

ومن خلال الالمام الشمولي، والتحليل العميق، والقيام بالنقد العميق والمنهجي للفكر الاجتماعي الغربي، والتوصل للاستنتاجات الجدية، ستتولد لدينا الامكانية في إنتاج معرفة سوسيولوجية مغايرة وفي القيام بعملية التنظير التي لا بد وان نتوصل لها، وعندها سنستطيع القيام بإنتاج فكر اجتماعي مغاير وأصيل، يتعدى محدودية الفكر الاجتماعي الغربي، ويتخطى إعادة انتاجه، وبعدها سنستطيع تطوير علم الاجتماع ليصبح علما مغايرا نقديا وابداعيا. وعندها سنستطيع المشاركة في موكب الحضارة البشرية من خلال الاسهام في انتاج فكر اجتماعي جديد.

الهوامش

1. لوتسكي، فلاديمير (1975) تاريخ الاقطار العربية الحديث (موسكو: دار التقدم) ص 157-158
2. حجازي، محمد عزت "الازمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي"، مجلة المستقبل العربي، السنة 8، العدد 75 (ايار 1985)، ص 60-84، وهذه المقالة كانت عبارة عن مداخلة تم تقديمها لندوة "نحو علم اجتماع عربي"، والتي عقدت في تونس، في الفترة 25-28/كانون الثاني 1985. اعيد نشر هذه الدراسة في كتاب: عدد من الباحثين (1986) نحو علم اجتماع عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية) ص 34
3. Fanon, Frantz (1967) Black Skin, White Masks, Translated by Charles Lam Markmann (New York: Grove Press), p. 19
4. Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia (1996) USA, Grolier Incorporated انظر في الموسوعة الالكترونية
5. الزهراني، حسن بن علي "تعريب الطب: من يتقدم لحمل الراية؟!" ، المجلة الالكترونية ديوان العرب ، https://www.diwanalarab.com تم الدخول للموقع بتاريخ: 13 كانون الثاني، 2006
6. صابر، محيي الدين "كيف تحقق اللغة العربية توازنا بين الاصالة والثقافة المعاصرة؟"، https://www.balagh.com ، تم الدخول للموقع بتاريخ 30/9/2005
7. زايد، احمد (1981) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، الطبعة الاولى (القاهرة: دار المعارف) ص 60-70
8. المصدر ذاته، ص 79
9. المصدر ذاته، ص 71 ، 83
10. الديالمي، عبد الصمد (1989) القضية السوسيولوجية (الدار البيضاء: افريقيا الشرق) ص 40
11. الكنز،علي الكنز، "المسالة النظرية والسياسية لعلم الاجتماع العربي" كما ورد في كتاب: مجموعة من الكتاب (1986) نحو علم اجتماع عربي ، مصدر سبق ذكره، ص 99
12. المصدر ذاته، ص 100
13. المصدر ذاته
*** عمل، في العام 1986 ، استاذ باحث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة.
14. حجازي، محمد عزت ، نحو علم اجتماع عربي، مصدر سبق ذكره، ص 15
15. المصدر ذاته
16. المصدر ذاته
17. نيقولا، تيماشيف (1983) نظرية علم الاجتماع (القاهرة: دار المعارف) ص 39. كما جاء في كتاب: احمد زايد، علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، (القاهرة: لا ذكر لاسم دار النشر)، ص 72
18. زكريا، خضر (1998) نظريات سوسيولوجية (دمشق: الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع)، ص 29
19. المصدر ذاته، ص 30
20. شكري، علياء (1979) علم الاجتماع الفرنسي، الطبعة الثانية (القاهرة: دار الكتاب للتوزيع)، ص 10. كما جاء في كتاب: احمد زايد (1983) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، مصدر سبق ذكره، ص 77
21. Zeitlen , Irving (1969) Ideology and the Development of Sociological Theory (New Delhi: Prentice Hall and Indian Private-limit-ed), p. 75
كما جاء في كتاب: زايد، احمد (1983) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية ، مصدر سبق ذكره، ص 77
22. المصدر ذاته، ص 121
23. المصدر ذاته، ص 128
24. عبد الكريم، محمد الغريب (1980) الاتجاهات الفكرية في نظرية علم الاجتماع المعاصر (القاهرة: مكتبة نهضة الشرق) ص 58-59
25. المصدر ذاته
26. عبد المعطي، عبد الباسط (1981) اتجاهات نظرية في علم الاجتماع (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب) ص 179
27. جولدنر، الفن (1970) الازمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي (لا مكان ولا زمان النشر، ولا الصفحة)، كما جاء في كتاب: كريب ايان (1999) النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس (الكويت: الكويت)، ص 65
28. Robert Nisbet (1970) Tradition and Revolt (New York: Ventage Books), pp. 75-76 and Zeitlen , Irving (1969) Ideology and the Development of Sociological Theory (New Delhi: Prentice Hall and Indian Private-limit-ed), p. 35
كما جاء في كتاب زايد، احمد، علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، مصدر سبق ذكره، ص 65
29. لطيف، لبنى، "النظرية المعاصرة في علم الاجتماع"، http://www.makalcloud.com, ،27-12-2016
30. الديالمي، عبد الصمد (1989) القضية السوسيولوجية (الدار البيضاء: افريقيا الشرق) ص 29
31. المصدر ذاته
32. محمد، علي محمد (1983) المفكرون الاجتماعيون: قراءة معاصرةلاعمال خمسة من اعلام علم الاجتماع الغربي، (بيروت: دار النهضة)، ص 112
33. دوركايم، اميل (1961) قواعد المنهج في علم الاجتماع (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية)، ص 191. كما جاء في كتاب: محمد علي محمد (1983) المفكرون الاجتماعيون: قراءة معاصرةلاعمال خمسة من اعلام علم الاجتماع الغربي، (بيروت: دار النهضة)، ص 112
34. بوبوف، س.ي. (1978) نقد علم الاجتماع البرجوازي المعاصر (القدس: منشورات صلاح الدين)، ص 49
35. يجب التنويه هنا إلى ان الهدف من وراء توظيف هذه المصطلحات باللغتين العربية والانكليزية هو المقاربة واظهار ان جذور المصطلحات العربية جائت من الانكليزية، والتي تم تعريبها ونقلها عن الفكر الاجتماعي الغربي. وعليه لا توجد لدي النية للتهجين اللغوي وهي ظاهرة كنت قد انتقدتها في دراسة سابقة تحت عنوان: "التهجين اللغوي للخطاب العربي"، والتي نشرت في مجلة التراث والمجتمع، العدد (42)، شتاء 2005/2006 .
36. ينكر هؤلاء المركزانيين الأوروبيين قيام الاغريق باقتباس وبتبني عناصر مهمة من الحضارتين الفينيقية والفرعونية كان اهمها تبني الاغريق للابجدية الكنعانية-الفينيقية وتبنيهم للالهة الكنعانية-الفينيقية والفرعونية. انظر في هذا الخصوص كتاب برنال، مارتن (1987) اثينا السوداء – ترجمة لطفي عبد الوهاب يحي واخرين (القاهرة: المجلس الاعلى للثقافة)
37. ابراهيم، عبد الله (1997) المركزية الغربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي) ، ص 232
38. جلال العظم، صادق (1997)، "الاستشراق والاستشراق معكوسا"، ذهنية التحريم (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر)، ص 16
39. فوزي، عصام "رؤية الاخر: المعرفة والتسلط في ايديولوجيا الاستشراق"، مجلة ادب ونقد، العدد 31، يونيه/يوليه 1987، 105
40. امين، سمير (1988) الامة العربية (القاهرة: مكتبة مدبولي) ص 6
41. Ameli, Saied Reza, "Eurocentrism And Islamophobia", Islamic Human Rights Commission http://network.realmedia.com, October, 1997
42. ابراهيم، عبد الله مصدر سبق ذكره، ص 240-241
43. امين، سمير (1991) بعض قضايا للمستقبل (القاهرة: مكتبة مدبولي) ص 165
44. المصدر ذاته، ص 90
45. المصدر ذاته، ص 173
46. ماركس-انجلز (1977) البيان الشيوعي في اول ترجمة غير مزورة، ترجمة العفيف الاخضر (القدس: منشورات جاليليو)، وكارل ماركس وفريدريك انجلز (2000) البيان الشيوعي ترجمة وتقديم محمود شريح (كولونيا: منشورات الجمل)
47. الاخضر، العفيف مصدر سبق ذكره، ص 57
48. المصدر ذاته، ص 58
49. ماركس وانجلز (1978) الماركسية والجزائر (بيروت: دار الطليعة)، ص14 . كما جاء في كتاب: عبد الله ابراهيم، مصدر سبق ذكره، ص 268
50. جبالي، طارق "جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر"، https://www.chihab.net ، 25-2-2007
51. اندرسون، بيري (1983) دولة الشرق الاستبدادية (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية) ص 45
52. المصدر ذاته
53. Abdo, Nahla, ed., (1996) Sociological Thought – Beyond Eurocentric Theory (Toronto: Canadian Scholars Press, Inc.), p.16
54. عبدو، نهلة، مصدر سبق ذكره، ص 17
55. Marx-Engels, Selected Correspondence, pp. 80-81 كما جاء في اندرسون، بيري مصدر سبق ذكره، ص 59
56. المصدر ذاته، ص 45-51
57. امين، سمير، بعض قضايا المستقبل، مصدر سبق ذكره، ص 180
58. رودنسون، مكسيم (1982) الاسلام والراسمالية، الطبعة الرابعة، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر) ص 74
59. Karl Marx, "The Future Results Of The British Rule In India", as in Marx-Engels (1978) On Colonialism, 7th., --print--ing (Moscow: Progress Publishers), p. 81
60. المصدر ذاته، ص 82
61. المصدر ذاته
62. المصدر ذاته
63. محمد عزت، حجازي، مصدر سبق ذكره، ص 40
64. Dressler, David (1969) “Sociology”, (New York: A. Kungst), p. 29
65. كما جاء في كتاب: عمر خليل، معن (1997) نظريات معاصرة في علم الاجتماع (عمان؛: دار الشروق للنشر والتوزيع) ص 21
66. محمد عزت، حجازي، ص 29
67. احمد العلي، صالح "العرب والعلوم الأجنبية في العهود الاسلامية الاولى" كما جاء في كتاب: صالح احمد العلي واخرين (1997) اشكالية العلاقة الثقافية مع الغرب ، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية) ص 20
68. حتي، فيليب (1959) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الثاني (بيروت: مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر) ص 174
69. حتي، فيليب (1965) تاريخ العرب، الجزء الثاني (بيروت: دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع) ص 497
70. حتي، فيليب (1959) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، مصدر سبق ذكره، ص 176
71. عبد الدائم، عبد الله "مستقبل الثقافة العربية والتحديات التي نواجهها"، مجلة المستقبل العربي، العدد 260، تشرين الاول 2000، ص 40
72. المصدر ذاته
73. فوزي، عصام "رؤية الاخر: المعرفة والتسلط في ايديولوجيا الاستشراق"، مجلة ادب ونقد، العدد 31، يونيه/يوليه 1987، ص 101
74. المصدر ذاته
75. ساري، سالم " علم الاجتماع والمشكلات الاجتماعية العربية: هموم واهتمامات " كما جاء في كتاب: مجموعة من الكتاب، نحو علم اجتماع عربي، مصدر سبق ذكره، ص 61
**** استاذ جامعي وباحث مرموق وعميد معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية.
76. معتوق، فريدريك (1985) منهجية العلوم الاجتماعية عند العرب وفي الغرب، الطبعة الاولى (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع) ص 134
77. المصدر ذاته، ص 134-135
78. المصدر ذاته، ص 135
79. المصدر ذاته، ص 136-137
80. المصدر ذاته، ص 137-138
81. المصدر ذاته، ص 138-139
82. المصدر ذاته، ص 139
83. ابن خلدون، عبد الرحمن (1993) مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر (بيروت: دار الكتب العلمية)، ص 3


المراجع

المراجع العربية

• زايد، احمد (1981) علم الاجتماع بين الاتجاهات الكلاسيكية والنقدية، الطبعة الاولى (القاهرة: دار المعارف).
• كريب، ايان (1999) النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس (الكويت: الكويت).
• برنال، مارتن (1987) اثينا السوداء – ترجمة لطفي عبد الوهاب يحي واخرين (القاهرة: المجلس الاعلى للثقافة).
• اندرسون، بيري (1983) دولة الشرق الاستبدادية (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية).
• تيماشيف، نيقولا (1983) نظرية علم الاجتماع (القاهرة: دار المعارف).
• الزهراني، حسن بن علي "تعريب الطب: من يتقدم لحمل الراية؟!"، المجلة الالكترونية ديوان العرب، https://www.diwanalarab.com ، تم دخول الموقع بتاريخ 4-5- 2005
• زكريا، خضر (1998) نظريات سوسيولوجية (دمشق: الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع).
• بوبوف، س.ي. (1978) نقد علم الاجتماع البرجوازي المعاصر (القدس: منشورات صلاح الدين).
• امين، سمير (1988) الامة العربية (القاهرة: مكتبة مدبولي).
• امين، سمير (1991) بعض قضايا للمستقبل (القاهرة: مكتبة مدبولي).
• احمد العلي، صالح واخرين (1997) اشكالية العلاقة الثقافية مع الغرب، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية).
• جلال العظم، صادق (1997)، ذهنية التحريم (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر).
• جبالي، طارق "جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر"، https://www.chihab.net ، 25، تم دخول الموقع بتاريخ 4-5-2005
• الديالمي، عبد الصمد (1989) القضية السوسيولوجية (الدار البيضاء: افريقيا الشرق).
• شكري، علياء (1979) علم الاجتماع الفرنسي، الطبعة الثانية (القاهرة: دار الكتاب للتوزيع).
• عبد المعطي، عبد الباسط (1981) اتجاهات نظرية في علم الاجتماع (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب).
• فوزي، عصام "رؤية الاخر: المعرفة والتسلط في ايديولوجيا الاستشراق"، مجلة ادب ونقد، العدد 31، يونيه/يوليه 1987.
• إبراهيم، عبد الله (1997) المركزية الغربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي).
• عبد الدائم، عبد الله "مستقبل الثقافة العربية والتحديات التي نواجهها"، مجلة المستقبل العربي، العدد 260، تشرين الاول 2000
• ابن خلدون، عبد الرحمن (1993) مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدا والخبر في ايام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر (بيروت: دار الكتب العلمية).
• لوتسكي، فلاديمير (1975) تاريخ الاقطار العربية الحديث (موسكو: دار التقدم).
• حتي، فيليب (1959) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، الجزء الثاني (بيروت: مؤسسة فرنكلين المساهمة للطباعة والنشر).
• حتي، فيليب (1965) تاريخ العرب، الجزء الثاني (بيروت: دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزيع).
• معتوق، فريدريك (1985) منهجية العلوم الاجتماعية عند العرب وفي الغرب، الطبعة الاولى (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع).
• ماركس-انجلز (1977) البيان الشيوعي في اول ترجمة غير مزورة، ترجمة العفيف الاخضر (القدس: منشورات جاليليو).
• ماركس، كارل وانجلز، فريدريك (2000) البيان الشيوعي ترجمة وتقديم محمود شريح (كولونيا: منشورات الجمل).
• حجازي، محمد عزت واخرين (1986) نحو علم اجتماع عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية).
• صابر، محيي الدين "كيف تحقق اللغة العربية توازنا بين الاصالة والثقافة المعاصرة؟"، https://www.balagh.com، تم دخول الموقع بتاريخ 4-5-2005
• عبد الكريم، محمد الغريب (1980) الاتجاهات الفكرية في نظرية علم الاجتماع المعاصر (القاهرة: مكتبة نهضة الشرق).
• محمد، محمد علي (1983) المفكرون الاجتماعيون: قراءة معاصرةلاعمال خمسة من اعلام علم الاجتماع الغربي، (بيروت: دار النهضة).
• رودنسون، مكسيم (1982) الاسلام والراسمالية، الطبعة الرابعة، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر).


المراجع الانكليزية

• Abdo, Nahla, ed., (1996) Sociological Thought – Beyond Eurocentric Theory (Toronto: Canadian Scholars Press, Inc.)-
• Ameli, Saied Reza, "Eurocentrism and Islamophobia", Islamic Human Rights Commission http://network.realmedia.com, October, 1997-
• Fanon, Frantz (1967) Black Skin, White Masks, Translated by Charles Lam Markmann (New York: Grove Press)-
• Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia (1996) USA, Grolier Incorporated-
• Marx-Engels (1978) On Colonialism, 7th., --print--ing (Moscow: Progress Publishers)-
• Nisbet, Robert (1970) Tradition and Revolt (New York: Ventage Books).


_____________________________________________________________________________








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روسيا تسمح باستئناف رحلاتها الجوية إلى المنتجعات المصرية


.. سفن حربية تشارك في استعدادات نهائية للعرض العسكري الكبير بمن


.. مشاهد القمع بالرصاص لاحتجاجات الأحواز تغزو مواقع التواصل




.. أميركا | سقوط سلك كهربائي يتسبب بشرارة كهربائية كبيرة


.. لهذه الأسباب هب عرب الأحواز للاحتجاج ضد نظام إيران