الحوار المتمدن - موبايل


الإنتماء الصادق للعراق ... معيار الوطنية

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 10 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


عرف العراق منذ الأزل بتعدد أعراق سكانه وقومياتهم وأديانهم ومعتقداتهم وطوائفهم , بسبب موقعه الجغرافي المميزبين قارات العالم القديم والجديد على حد سواء, وبفضل ما حباه الله من خيرات هائلة وموارد طبيعية متنوعة : أراض زراعية خصبة وتدفق مياه نهري دجلة والفرات العظيمين , حيث كان العراق يعرف بوادي الرافدين أو بلاد ما بين النهرين , وأطلقت عليه العرب أرض السواد لكثرة نخيله الممتد من شمال بغداد إلى جنوب البصرة , فضلا عن تنوع تضاريس أرضه بين السهول الخصبة بين نهري دجلة والفرات , والجبال الشاهقة في شماله , وصحاري شاسعة في غربه, وتنوع مناخه بين فصول أربعة .
لذا كان العراق دوما مطمعا للقوى الأجنبية الغازية على مر العصور من دول الجوار أو البلدان البعيدة , وبخاصة البلدان التي تعاني من شح الموارد . لذا فأنه أمر طبيعي أن تترك هذه الأقوام الغازية بعض موروثها وبصماتها في حياة سكانه , بعد إنصهارما تبقى منها في المجتمع العراقي بعد إندحارها, وبذلك نرى المجتمع العراقي بهذا التعدد الأثني الزاهي المتجاني والمتآخي عبر التاريخ . كان العرب الذين إعتنق معظمهم الدين الإسلامي الحنيف, ألأكثر تأثيرا من سواهم في المجتمع العراقي , الأمر الذي أكسب هذا المجتمع الطابع العربي الإسلامي .
نشأت في العراق بخلاف ما عليه الحال في أغلب بلدان العالم , حضارات عظيمة متعددة , أبرزها الحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والفارسية والعربية والعثمانية في حقب تاريخية مختلفة ما زالت شواخصها قائمة في بوادي العراق وسهوله ووديانه وجباله حتى يومنا هذا. أثرت جميع هذه الحضارات بدرجة أو بأخرى بتكوينات المجتمع العراقي وعاداته ومزاجه وتقاليده لتجعل منه نسيجا زاهيا بألوانه الجميلة , إلاّ أنها لم تغير شيئا من حقيقة مواطنة سكانه وإنتماءاتهم لبلدهم العراق ,كائنا من يكون حكامه, فهم عراقيون أصلاء في جميع الأحوال والأزمان ,شاء من شاء وأبى من أبى. تبقى المواطنة العراقية الأصيلة حقا مكتسبا لهم غير قابل للإنتزاع.
وبعد أن تخلص العراق من قبضة الإحتلال العثماني مطلع القرن العشرين , وتأسيس دولته الحديثة عام 1921 , وبغية تنظيم جنسية مواطنيه , إعتمد أول قانون للجنسية في العراق، القانون رقم( 42 ) لسنة 1924 , الصادرفي اليوم السادس من آب 1924, حيث نصت المادة الثالثة منه على أن :
” كل من كان في اليوم السادس من آب 1924 من الجنسية العثمانية وساكنا في العراق، تزول عنه الجنسية العثمانية ويٌعد حائزا الجنسية العراقية إبتداءً من التاريخ المذكور”.
ولهذا ما زالت الكثير من شهادات الجنسية في العراق تشير إلى جنسية الأب أو الجد بعبارة (تبعية عثمانية), والتي لا نرى أية ضرورة قانونية لها إطلاقا .
وبعد نحو أربعين عاما ,صدر القانون الثاني للجنسية في العراق ذي الرقم( 43) لسنة 1963، الذي إستند إلى رابطة الدم في منح الجنسية العراقية، حيث نصّت المادة( 4) منه على أن :
يعتبر عراقيا :
. من ولد في العراق أو خارجه لأب متمتع بالجنسية العراقية.1
. من ولد في العراق من أم عراقية وأب مجهول أو لا جنسية له.2
3. من ولد في العراق من والدين مجهولين ويعتبر اللقيط الذي يعثر عليه في العراق مولودا فيه ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك.
وبعد غزو العراق وإحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأريكية عام 2003 , صدر قانون الجنسية ذي الرقم ( 26 ) لسنة 2006 الصادر في 7/3/2006 , حيث نصت المادة (3) منه على أن :
يعتبر عراقياً
1.من ولد لأب عراقي أو لام عراقية.
2. من ولد في العراق من أبوين مجهولين ويعتبر اللقيط الذي يعثر عليه في العراق مولوداً فيه ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك.
وعلى الرغم من خلو هذه القوانين من أية إشارة إلى تبعية المواطن العراقي الحائز على الجنسية العراقية لأية تبعية معينة عثمانية أو سواها , إلاّ أنه ظهرت حالة غريبة نشاز , بتحديد المواطنة العراقية بين تبعية عثمانية وتبعية إيرانية ,عند منحه وثيقة شهادة الجنسية أو بطاقة الأحوال المدنية أو جواز السفر , وكأنه يراد بالعراقيين أما أن يكونوا رعايا الدولة العثمانية التي إحتلت العراق سنيين طويلة وسعت دون جدوى لتتريك سكانه , أي تحويلهم إلى أتراك في إطار سياسية التتريك سيئة الصيت التي إنتهجتها السلطات العثمانية ردحا من الزمن , أو رعايا إيران الدولة المجاورة للعراق من منطلقات طائفية لا علاقة لها بالمواطنة بتاتا.
ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد , أي مجرد توصيف المواطنين العراقيين بهذا اللون أو ذاك , بل أنها أستخدمت سلاحا بوجه آلاف المواطنين العراقيين ممن وصفوا بالتبعية الإيرانية في عقد السبعينيات ,حيث هجروا قسرا من وطنهم الذي ولدوا فيه وابائهم وأجدادهم وعاشوا فيه مئات السنيين شأنهم شأن مواطنيهم العراقيين , وسلب منهم كل ما يملكون بين عشية وضحاها بمصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة ,ودون سابق إنذار ورميهم خارج الحدود , بدعوى عدم ولائهم للعراق دون تقديم ما يثبت دعاوى هؤلاء الحكام الباطلة والعارية عن الصحة تماما , وكأن الولاء للوطن مرهون بالجنسية , وليس بالأفعال الملموسة بالإدلة القاطعة , علما بأنه لم توجه لأي منهم تهما معينة والطلب إليهم بالدفاع عن أنفسهم بأية صورة كانت مباشرة أو غير مباشرة . ولم يشفع للكثير منهم إنتماؤهم لحزب السلطة الحاكم وتفانيهم بخدمته وبعضهم في سلك القوات الأمنية, وكان بينهم عدد غير قليل من الأدباء والشعراء والمفكرين والأكاديمين والفنانين والأطباء والمهندسين والمثقفين ورجال المال والأعمال.
فأي ظلم وتعسف أكثر من ذلك ,أن يجد الأنسان نفسه بين ليلة وضحاها وقد فقد كل ما يملك , ويصبح تائها مشردا خارج وطنه مرميا على الحدود دون وجه حق. ومما يثير الأسى حقا أن الكثير من هؤلاء لم يكن مرحبا بهم في إيران نفسها, كونهم مواطنيين عراقيين وليسوا إيرانيين , حيث خشى الإيرانيون تحملهم أعباء مالية إضافية لرعايتهم , الأمر الذي إضطر الكثير من هؤلاء المبعدين وبخاصة حملة الشهادات وأصحاب المهن كالأطباء والمهندسين , اللجوء إلى دول أخرى في أوربا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة لتأمين الأمن والآمان والعيش الكريم لهم, الذي لم يتمكنوا من الحصول عليه في إيران, البلد المتهمين بتبعيتهم له.
لا نقول أن هؤلاء المسفرين والذين جردوا من جنسيتهم العراقية كانوا جميعهم ملائكة , بل هم مواطنين عراقيين فيهم الصالح وفيهم الطالح شأنهم شأن عباد الله في كل زمان ومكان . كما أن خيانة الوطن أو الولاء للأجنبي لا تقتصر على أبناء قومية معينة أو دين أو طائفة أو معتقد معين . وفي جميع الأحوال أن البينة على من يدعي , ولم تقدم الحكومة أية بينة على الإطلاق لدعم مزاعمها الباطلة ضد هؤلاء الناس, كما أن الدفاع عن النفس حق مشروع كفلته كل قوانين الأرض وشرائع السماء.
لا يمكن لكائن من يكون إنتزاع جنسية أي مواطن لأي سبب من الأسباب , إذا كان حاصلا عليها بالولادة , ويمكن محاسبته على أفعاله بموجب القوانين المرعية في بلاده , بشرط ضمان حق الدفاع عن النفس بالوسائل القانونية. ونقصد هنا بالولاء الصادق للعراق , الإنتماء الحقيقي للعراق, خدمته وتبني قضاياه بالأفعال لا بالأقوال , في السراء والضراء , دون إقصاء أو تهميش لأحد , وعدم إحتكار السلطة تحت أي مسمى , وحماية مصالحه من منطلق مصلحة العراق أولا , وصيانة أمنه وسيادته في أرضه وسمائه ومياهه , وتوظيف ثرواته لبنائه وإزدهاره وإستقراره , وتأمين الأمن والآمان والعيش الكريم لجميع مواطنيه بصرف النظر عن معتقداتهم وأثنياتهم من منطلق أن العراق وطن الجميع , وأن يكون القانون فوق الجميع لضمان العدل بين القوي والضعيف وبين الحاكم والمحكوم وبين الغني والفقير على حد سواء, وأن لا يكون الإنتماء الوطني مجرد شعارات أو أغاني وأناشيد تردد في المناسبات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شكرية.. لم ترض لنفسها النزوح، وحصلت على شهادة الصيدلة.


.. أماني الطويل: لا أحد يعلم إلى أين يمضي ملف سد النهضة وهناك ت


.. الدراما المصرية والأغاني الشعبية بين فكي مقص الرقابة | #السؤ




.. إسرائيل تسمح لسكانها بنزع الكمامة في الأماكن المفتوحة


.. وثائقيات الجزيرة - جريمة ضد التاريخ