الحوار المتمدن - موبايل


الأنَفةُ الجزائرية: مولود قاسم مثالاً

مهند طلال الاخرس

2020 / 10 / 20
السياحة والرحلات


هبطت من اعلى هضبة العناصر كما هبط ادم وحواء من الجنة، لم تكن الهضبة لوحدها هي الجنة التي غادرتها، كانت الالياذة التي اسمعها بصوت مبدعها مفدي زكريا قد سمحت لي بأن اقطع شوطا كبيرا متجولا في حنايا الجزائر وتاريخه، حتى اني اصبت بمتلازمة غنائية واصبحت اردد بهيام "تسابيحه من حنايا الجزائر، تسابيحه من حنايا الجزائر".

وما ان وصلت المقهى حيث ينتظر الاصدقاء احمد وصديق وكان قد التحق بهم صديق آخر هو مراد كحلوش، سريعا تعارفنا وبشكل اسرع تموضعنا في مقاعدنا وسرعان مادب عتاب بيني وبين احمد حول مكالمته لي في اول يوم من ايام وصولي للجزائر. كان احمد عاتبا على عدم ردي على الهاتف في حينها، اعتذرت له بحب واخبرته باني لم اكن اعرف انه المتصل، فضحك اكثر وقال: اذن هذا سلوك متأصل لديك، وهذا سلوك مرفوض، يجب ان ترد على الهاتف بغض النظر عن الشخص المتصل، احرجني احمد فحاولت التخفيف من حدة التحرج بان اخبرته بما حدث وباني عدت واتصلت به عدة مرات ولم اوفق في ذلك، اذ كان التلفون مغلق لفترة اكثر من اسبوعين.

احمد مندفع بالحديث، حتى ان جميع اجزاء جسمه تتضامن مع لسانه حين يتكلم، على عكس صديق، لقد كان صديق صديقا وفيا هاديء الطباع كريم النفس باشا باستمرار، لا يقنط ولا ييأس وكثيرا ما تطلب منه ان يرفع صوته وسط ضوضاء المقاهي او ازمة الشوارع كي تستطيع سماعه بوضوح.

هنا بالذات استذكرت ذلك الحديث عن الانفة، ذلك الحديث الذي كان ضمن جملة توصيات اوصاني بها الصديق احمد اليازوري بصفته صاحب خبرة ودراية في الجزائر واهلها.

وحسنا فعل. اذ نبهني اليازوري لمجموعة من الامور والصفات والمصطلحات وكثير من الامور والطباع المحببة والمكروه بالنسبة للجزائريين، كان هذا الحديث قد دار بيننا في مطار عمان قبل الصعود الى الطائرة، كان لفنجان القهوة الذي تناولناه هناك في انتظار العالول وبقية وفد الناشرين الاردنيين ذو مذاق ونكهة خاصة، كان مذاقه بطعم كل ذلك الشوق للجزائر.

استوقفتني امور كثيرة في حديث اليازوري، كان اليازوري يتحدث ولا يتوقف، كانت الكلمات تتدفق بغير حساب، كان الشوق للجزائر واهلها قد بدا على كل تفاصيله....استوقفته للاستيضاح عن امور كثيرة، كان يجيبني بسرعة وبإختصار، ويقفز من موضوع لموضوع دون ان ينهي اي منها، كنت ابتسم واقدر ذلك الشعور، كنت اعرف ان اليازوري يضع علما كبيرا للجزائر على مدخل مكتبته في عمان، بدأت حينها اتيقن بعض اسباب ذلك الحب...

عدت لاستوضح من اليازوري عن بعض تلك الطباع والمصطلحات، كان يجيبني اجابة موحدة على كل انواع الاسئلة، كان يقول لي: لا تقلق، الجزائر بحبونا كثير، وعندما استوضح اكثر، كان دائما ما يرد بقوله: لا تقلق، خليك معاي!.

اصررت على احمد ان يحدثني فقط عن ذلك الطبع او المصطلح الذي كثيرا ما تردد في حديثه عن طباع الجزائريين وشخصيتهم. حاول القفز عن الموضوع كعادته، امسكت بيديه قائلا: يار جل انا أُحب الجزائر بكل الاحوال والاشكال، لذلك انا هنا، لكن يارجل دخيل الله، اكمل موضوع واحد للآخر.

اشعل اليازوري سيجارة اخرى وارتشف ما تبقى في فنجان القهوة وقال:" ايش اللي بدك اياه، عن ايش بالتحديد حاب نحكي"، اجبته لقد بدأ اعضاء الوفد بالوصول، حدثني فقط عن الانفة بشكل وافي وموجز، اجابني:
الأنَفةُ، هي العزَّة والحميَّة، ومِن مرادفات الأنَفة: النَّخْوة، والعِزَّة، وإباء الضيم، والحمية، ويجوز لنا أن نوجز هذا كله في كلمة واحدة ألا وهي «الكرامة». ويقابل الأنَفة: الدناءة والخِسَّة، والمهانة والذلَّة والهوان.

والأنفة صفة ملازمة لعزة النفس ومرادفة لها، تخلَّق بها الجزائري مثلما تخلَّق بغيرها من الصفات الحميدة، وصارت موروثاً أخلاقياً وسلوكا جزائريا ملحوظا وبارزا مع سبق الاصرار والترصد.

ومن يطالع تاريخ الجزائر ويتابع سلوك ابنائها ويتفقه في حكاياتها ويسبر اغوار ثوراتها يعرف كم كان للجزائري من أنفةٍ، وإباءٍ، وعزة نفس. فهو يأبى الضيم، ويرفض الظلم أو الاضطهاد وينكره على نفسه، وعلى غيره أيضاً، وهذا ما جعل من الجزائر قبلة للثوار، فلا يقبل الضيم ويرضى به إلّا كلُّ ذليل النفس خسيس الطباع، وإذا احتمله صاراً عاجزاً لا يُرجى منه دفعُ مُلمِّة أو النهوض بمهمة.

إن الجزائري الحر ترتقي به عزة نفسه ان يحيا أياماً معدودة بمرارة وهو في كرامته، أفضل له من أن يعيش سنوات طوال في ذل ومهانة، وكأن حاله من حال عنترة حين قال:
فَلا تَرضَ بِمَنقَصَةٍ وَذُلٍّ
وَتَقنَع بِالقَليلِ مِنَ الحُطامِ
فَعَيشُكَ تَحتَ ظِلِّ العِزِّ يَوم
وَلا تَحتَ المَذَلَّةِ أَلفَ عامِ

والجزائري صعب المراس وقاسي الرأس إلا انه محب ودود وسمحٌ في طباعه ومعاملته، ويتعامل مع الناس بفطرة سوية، وهو يرى أن يحياً عزيزاً خيرا له من حياة الذل والهوان، وفي هذا تجسيد لتاريخه الطويل والممتد عبر اعماق التاريخ والحافل بالكثير مواقف الانفة والعزة والكرامة، ولا عجب في ذلك اذا تبين لك ان عنترة هو احد اشهر الاسماء بالجزائر، هذا عداك عن ان الكثير من شعر عنترة ينطبق عليه، وهنا بالذات القى اليازوري بثقله على الحديث واكمل يقول -وبحس الفكاهة التي يقصد منها ختام الحديث-: انا لا اعرف لكني لا استبعد ان يكون عنترة جزائري، فأنا لا احسبه قد قال ما قال في الانفة والعزة والكرامة إلا وصفا للجزائري وطباعه، واردف يقول: كيف لا وعنترة هو القائل :
"لا تسقني ماءَ الحياةِ بذلةٍ
بل فاسقني بالعزِ كأسَ الحنظلِ
ماءُ الحياةِ بذلةٍ كجهنمٍ
وجهنمٌ بالعزِ أطيبَ منزلِ"

هذا الموقف والدرس المطول من اليازوري عند بوابة المطار في عمان سرعان ما استذكرته بصورة جلية في الجزائر، لقد هبط علي ذلك الموقف من السماء عند مجابهتي لذلك السيل الجارف من غضب احمد الداهيم. تلك القسمات التي اعتلت وجه احمد وتلك الكلمات التي لم اكن افهم الكثير منها إلاّ من تقاسيم احمد الغاضبة، وعلى الرغم من كل ذلك الغضب الذي يرتسم عليها إلا اني كنت اراها جميلة ودودة تخفي في ثنايها الكثير من الحب الذي تخطئه تقاسيم الوجه وتعابير الحركات. وهذا ما تولى صديق عطيري تفسيره وتأكيده لي فيما بعد.

المهم اني بقيت مستحضرا ذلك الدرس عن الانفة وعزة النفس وانا استمع لاحمد الداهيم وهو يعاتبني، وحينها بدأت استوعب تلك الحساسية المفرطة تجاه تصرفات الغير من قبل الجزائريين.

بقيت اعتذر وبقي احمد يهذرم ويبرطم بكلمات لا افهمها لكن لغة جسده كانت توحي بغضب دفين سببته تلك الواقعة، وهذا ما اكده لي صديق؛ اذ قال مبررا : بان احمد كان يريد ان يقوم بواجبك من اول مانزلت ارض الجزائر، وانت لم تمكنه من ذلك بعدم ردك على الهاتف، اخبرت صديق بأني صادق فيما اقول، وبأني لم اكن اعرف انه هو، علاوة على اني عاودت الاتصال به مرارا وتكرارا ولم افلح.

اجابني صديق بقوله: صدقت، هززت له برأسي وكل ظني انه يسايرني في الحديث ويسترضيني، إلا اني لم استوعب لحد تلك اللحظة ان يأخذ ذلك الموقف كل ذلك الغضب من احمد، خاصة واني عدت واتصلت به عدة مرات ولم افلح في تحصيله، هنا استكمل صديق ما كان قد شرع به من اخباري بسبب كل ذلك العتب والغضب قائلا: ان محاولات احمد المتكررة والمتلاحقة للاتصال بك عدة مرات في اول ايامك في الجزائر كانت رغبة منه للقيام بواجبك والترحاب بك كما اسلفت، قلت سبق وان تفهمت هذا الرغبة، لكني لا اجد سببا لبقاء هذا العتب مغروسا في صدره الى الان رغم محاولتي المستمرة ايضا في معاودة الاتصال به، اجابني صديق، وهذا هو سبب العتب والغضب! لم افهم من صديق ما تفضل به، فاستوضحت منه المقصد، اجابني، ان احمد سافر الى فرنسا في صباح اليوم التالي لاتصاله بك ومكث هناك لاكثر من اسبوعين، تنفست الصعداء وبدأت اتفهم الوضع، وسألت احمد بعد ان هنأته بسلامة العودة من فرنسا عن سبب زيارته لهناك، فأخبرني بأنه معتاد على الذهاب لفرنسا مرة كل شهرين او ثلاثة، واضاف واصفا الجمال والروعة والحضارة هناك، لم ادعه يسترسل في استحضار سيرة فرنسا الجميلة بينما ارى في كل شوارع الجزائر سيرة فرنسا القبيحة واثارها الاستعمارية المدمرة، واغتنمتها فرصة للهجوم على احمد وفرنسا معا، وساندني في ذلك كل من مراد كحلوش وصديق عطيري، كانت بسمات صديق وضحكاته وغمزاته إذنا خاصا سمح لي بمزيد من الهجوم على فرنسا واحمد.

عادت تقاسيم احمد للانفراج والهدوء مع شيء كثير من الحرج الذي تسببت له فيه، وبدا احمد يتحسس مواضع الحرج وحاول عبثا تهدئة الامواج العاصفة بطلبه من قرصون المقهى ان يحضر لنا ما نشتهي من المشروبات الساخنة، استجبت انا وصديق لذلك الطلب بغية التهدئة من صخب وايقاع الجلسة فطلبنا الشاي والقهوة على التوالي، لكن مراد لم يستجب للطلب، كان يبحث في هاتفه عن امر ما، كرر القرصون الطلب وبذلك صاح احمد ايضا، لكن عبثا كانوا يحاولون، فمراد منشغل بالبحث في "قوقل" عن اسم نايت بلقاسم وكتابه الشهير شخصية الجزائر الدولية الى ان عثر عليه، كان القرصون قد غادرنا حينها محملا بطلباتنا جميعا، كان احمد قد قام مقام مراد بطلبه القهوة لكلاهما.

بدا مراد يستعرض لنا تاريخ وسيرة نايت بلقاسم مؤلف الكتاب موضوع البحث وسانده صديق عطيري بذلك، وبينما كان مراد يكمل محاولته بتنزيل الكتاب الكترونيا استلم صديق ناصية الحديث وبدأ يستعرض لنا الكثير من مواقف بلقاسم.

مولود قاسم نايت بلقاسم عندما كان وزيرا للشؤون الدينية ووزيرا للتعليم في عهد بومدين كان يجوب الشوارع بسيارته ويحمل معه الطلاء "الصبيغة" وكلما وجد لافتة كتبت بالفرنسية مسحها وكتبها بالعربية .

مولود قاسم قام بتحويل ملتقى ديني كان يقام في ثانوية بن عكنون إلى مؤتمر عالمي يسمى "مؤتمر الفكر الإسلامي" حيث دام هذا النشاط أكثر من عشرين سنة .

وفي إحدى جلسات مجلس الوزراء والتي يحضرها الرئيس بومدين وعندما جاء دور الوزير بوتفليقة للكلام ألقى كلمته باللغة الفرنسية، فلما أتم وانتقل الى وزارة الشؤون الدينية تكلم الشيخ مولود قاسم باللغة الألمانية، فتبسم بومدين وقال له : وعلاش تديرلنا هكذا يا سي مولود وشكون رايح يفهمك؟
فاجابه غاضبا: من حقي أن أتكلم بأي لغة مادمت سمحت لبوتفليقة بالتحدث بغير اللغة الرسمية للبلد ... فقرر بومدين منذ ذلك الحين أن لا يتكلم أحد بغير العربية في مجلس الوزراء.

هذا عداك عن العديد من المواقف التي جمع فيها مولود قاسم بين العزيمة وعزة النفس والتي قد تفسر كثيرا من طبيعة شخصيته ومن سلوكه والتي دفعته إلى حد القول للرئيس بومدين بعد خلاف بينهما، "أفضل أن أكون بوابا في السويد على أن أكون وزيرا في حكومة ضعيفة"، وكذلك فعل في سنة 1971 حينما ذهب في زيارة رسمية إلى روسيا، وحين وصل المطار، علم أن في استقباله (إطار) موظف في وزارة الخارجية، فرفض النزول من الطائرة وعاد إلى الجزائر وبرر موقفه بأنه لو نزل من الطائرة واستقبله إطار عادي لكان ذلك انتقاصا من قيمة الجزائر. وقال للروس إنه لن يدخل بلادهم إلا إذا جاء لاستقباله شخص في مرتبة وزير، ولما عاد إلى الجزائر قدم استقالة إلى الرئيس بومدين، لكن بومدين رفضها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد| طائرة مسيّرة انتحارية لكتائب القسام تهاجم مصنع إسرائيل


.. شهادات حية على مجزرة مخيم الشاطئ والتي سقط فيها 8 شهداء


.. نتانياهو يتوعد حماس بضربات موجعة




.. واشنطن تدعو لاستئناف مفاوضات سد النهضة على وجه السرعة


.. شاهد| كتائب القسام تبث صورا جديدة تظهر إطلاق صواريخ من قطاع