الحوار المتمدن - موبايل


شخصية الجزائر الدولية

مهند طلال الاخرس

2020 / 10 / 20
السياحة والرحلات


بدا واضحا ان شاشة جهاز التلفون تشير الى ان مراد يقوم بتحميل كتاب "شخصية الجزائر الدولية" لمولود بلقاسم الكترونيا، لكن محاولاته كانت تصاب بالفشل عند اقترابه من النهاية، تنبه الجميع لضعف النت في المقهى وعند الاستيضاح من القرصون، طلب القرصون جهاز الهاتف العائد لمراد وخرج به الى مكان قريب من بوابة المقهى حيث "كاونتر الرسبشن" واعاد المحاولة فبدا الهاتف بتنزيل الكتاب من جديد..

ابتسم احمد وبدأ يبرر سبب عدم اكتمال تنزيل الكتاب بقوله، لعل الكتاب ضخم وصفحاته كثيرة واضاف صديق او لعل صفحاته حبلى باسرار ومعارف لا تتسع له خطوط الانترنت، قال مراد: هو كذلك يا صديق.

وبدأ مراد كحلوش يعطينا ملخصا لابرز ما جاء في الكتاب مستعرضا تاريخ العلاقة بين الجزائر وفرنسا.

بدأت العلاقات الجزائرية الفرنسية مع بداية القرن ال 14م ، حيث ربطت مدينة مرسيليا علاقات تجارية مع ملك بجاية خالد ابن زكريا، حسب المؤرخ الفرنسي دوفول Devoulx
ولكن المؤرخ الأمريكي وليام سبنسر يقول أن هذه المعاهدة عقدت في القرن ال 12م وليس في القرن ال14م.

على أن مساعدات الجزائر لفرنسا بدأت رسميا حين حل خير الدين بربروس على رأس قسم كبير من بحريته بمرسيليا يوم 5 جويلية 1543م، حيث استقبل استقبالا فاخرا، وكان ذلك بطلب من ملك فرنسا فرانسوا الأول، الذي استنجد بالجزائر ضد الإمبراطور الألماني (ملك إسبانيا وهولندا وأمريكا اللاتينية وغيرها ).... شارلكان، وملك إنكلترا هنري الثامن الذين كانا يهددان فرنسا.

يقول المؤرخ الفرنسي غارو: "كانت الجزائر تمارس بفضل قادتها البحريين ضغطا على أوروبا كان في صالح فرنسا ، خاصة أن ذلك حدث في وقت كانت فيه الأمة الفرنسية مهددة من شارلكان وهنري الثامن بالخطر، وبفضل تلك العلاقات مع الجزائر أنقذ فرانسوا الأول عرشه، وحفظ شعبه من الخراب".

اتحفنا مراد بهذه المعلومة ولم يقف الامر عند هذا الحد واضاف يقول؛ وكما استنجد فرانسوا الأول بخير الدين سنة 1543م ، استنجد ابنه من بعده "هنري الثاني" بأحد خلفاء خيرالدين، البايلرباي صالح رايس سنة 1552، وأنجده أيضا ضد نفس العدو "فيليب الثاني" ابن شارلكان.

وكان سبب مساعدة الجزائر لفرنسا في ذلك الوقت ضد إسبانيا، هو كون الجزائر في حرب ضد إسبانيا ، كما كانت إسبانيا في تلك الفترة هي العدو الأول للجزائريين.

ولم يقف الامر عند هذا الحد؛ ففي سنة 1591 استنجد الملك الفرنسي هنري الرابع بحيدر رئيس دولة الجزائر البحرية ، طالبا منه مساعدته على تحرير مرسيليا من " العصبة المقدسة"، التي انضوت تحتها مجموعة من الدول أقل ما يقال عنها أنه لا يستهان بها، وهي البابا يوليوس الثاني والبندقية وسويسرا وفرناندو الكاثوليكي (زوج إيزابيل ملكة إسبانيا) وهنري الثامن ملك إنكلترا ، واجتمعت كلها ضد فرنسا منذ عهد لويس الثاني سنة 1511، واستمرت في عهد فرانسوا الأول وأبنائه وأحفاده فيما بعد حتى هنري الرابع.

وكذلك استنجد لويس الرابع عشر برئيس دولة الجزائريين -هكذا كان ملوك فرنسا يخاطبون دايات الجزائر في خطاباتهم الرسمية- الداي شعبان في آخر سنة 1689 ضد كل من إنكلترا وهولندا مجتمعتين.

ولا ننسى في هذا المجال تلك المساعدات الثمينة بل الإنجادات العاجلة والإسعافات المنقذة من المجاعة التي قدمتها الجزائر لفرنسا في ظروف الشدة، من قروض للإستيراد من الجزائر خاصة الحبوب، ومن قروض أخرى نقدية، بل ومن مواد غذائية وخيول وأشياء أخرى عديدة، مقدمة مجاناً، نعم ... وألف نعم!! وهذا ليس ادعاء في غير محله وإنما المؤرخين الفرنسيين انفسهم هم الذين سجلوه ووثقوه.

هل من المعقول أن تقرض الجزائر فرنسا!؟
نعم اقرضتها وبدون فائدة، ولأن الفرنسيين هم الذين سجلوا لأنفسهم ولنا هذه الحقائق فلا ينكرها إلا متفرنس منكر لحقائق التاريخ ولقيمة وقامة الجزائر في ذلك الوقت وفي كل الاوقات. وهؤلاء انفسهم هم من ينكرون تحالف امريكا وروسيا القيصرية ضد الجزائر! وهؤلاء يقولون باستغراب؛ هل من الممكن أن تحاول أمريكا التحالف مع روسيا ضد الجزائر !!
نعم حاولت ... وإن المؤرخين الأمريكان هم الذين وثقوا وارخوا لهم ولنا المساعي الحثيثة التي قام بها جورج واشنطن رئيس الولايات المتحدة الامريكية لدى كاثرين الثانية قيصرة روسيا لإقناعها بضرورة إقامة تحالف عسكري روسي أمريكي ضد الجزائر ... هل هذا ممكن !! ... نعم ، بل إنه مؤكد ، ومستقى من مصادر فرنسية وأمريكية ويمكن التثبت من ذلك بكل سهولة عند ممارسة ابسط قواعد التنقيب في وثائق التايخ، لهذا واكثر كنا نردد على الدوام الحكمة الازلية التي تقول:"من لا يعرف تاريخه لن يستطيع المضي نحو المستقبل".

ليس هذا وحسب؛ بل أن امعن المتفحص او الباحث اوالمهتم النظر في عدد المعاهدات التي عقدت بين الجزائر وفرنسا قبل سنة 1830 تجدها تجاوزت رقم ال70 معاهدة، وهو عدد كبير ومأخوذ من مصادره الفرنسية وليست مصادرنا الجزائرية مع الأسف، ولكن قائمتها وحدها تكفي لتفنيد كل من زعم أن الدولة الجزائرية المستقلة ذات السيادة ولدت سنة 1962.

ولا يكفي المجال لذكر كل هذه المعاهدات، ولكن البداية كانت كما ذكرنا بمعاهدة تجارة وملاحة بين ملك بجاية خالد بن زكريا ومجلس حكومة مرسيليا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي.

فاجئنا مراد اكثر واكثر عندما حدثنا عن علاقات جمهورية الجزائر بالثورة الفرنسية فقال: أن الثورة الفرنسية قامت يوم 14 جويلية 1789، لكنها لم تلغ الملكية من اليوم الأول، بل أبقت على لويس السادس عشر، الذي تغير لقبه الرسمي من ملك فرنسا إلى ملك الفرنسيين، حتى خلع يوم 10 أوت 1792، واعلنت الجمهورية يوم 21 سبتمبر 1792، وفي 3 ماي 1793 بعث المجلس التنفيذي المؤقت للجمهورية الفرنسية رسالة إلى سيدي حسن داي الجزائر يعلمه فيها بالتغيرات الطارئة في فرنسا، ويرسل له بأوراق الإعتماد لممثله الدبلوماسي في الجزائر مجددا له الثقة .... وأجابه الداي حسن بتاريخ 20 ماي 1793 معترفا بالجمهورية الفرنسية الاولى، وهو أول اعتراف دولي تناله هذه الجمهورية الجديدة.

ورغم تنوع اصناف المساعدات وتعددها إلا ان المساعدات الدبلوماسية المقدمة من قبل الجزائر لفرنسا كانت الاهم والاقوى؛ اذ انها ادت الى الإعتراف بالجمهورية الفرنسية الأولى، بالاضافة الى تجديد صلاحية جميع المعاهدات الجزائرية الفرنسية المنعقدة قبل الثورة، واعتبارها سارية المفعول لفائدة الجمهورية الفرنسية الفتية.

لكن وفي هذا المضمار يبقى الاهم معرفة السياق الزمني الذي جائت به هذه المساعدات والمعاهدات ألا وهو الوقوف العلني من الجمهورية الجزائرية إلى جانب الجمهورية الفرنسية ضد العالم أجمع، وفك العزلة السياسية عنها، ودعمها اللامشروط في وجه التكتل السباعي الاوروبي ضد الجمهورية الفرنسية الوليدة، وهو تكتل من اعتى الدول الأوروبية الملكية آنذاك، والتي رأت أن نجاح الثورة الفرنسية وقيام الجمهورية فيها يهدد عروش بقية الملكيات، وقد امتدت هذه التكتلات أكثر من 20 سنة بدأت سنة 1793، ولم تنته إلا بسقوط نابليون للمرة الثانية والأخيرة سنة 1815، وقد كانت الدولة العثمانية طرفا في بعض هذه التكتلات، وطبعا كخلافة وراثية وكأي نظام ملكي جعلها في صف الملوك الأوروبيين ضد هذه البدعة الفرنسية، وتبقى الحقيقة الاكيدة والاكثر اهمية ان الجزائر كجمهورية سبقت قيام الجمهورية الفرنسية بعشرات السنين.

وقد يكون من المفيد هنا ان نستعرض بعض انواع المساعدات المالية والإقتصادية التي قدمتها الجزائر لفرنسا ومنها: قرض من الداي حسن سنة 1793 لحكومة الجمهورية الفرنسية لتشتري به قمحا من الجزائر ، وهو ما يسمى اليوم بقرض الإستيراد (إلى فرنسا) أو للتصدير (من الجزائر)أو قرض حكومي.

وقد يكون من الجميل هنا ان نستدلل على هذا الموضوع بجواب من الداي حسن على رسالة من قادة الجمهورية الفرنسية المتعلقة بالقرض والقمح والمساعدة العسكرية للجيش الفرنسي (جلود ، وحبوب وغيرها) يخبرهم فيها بسعي القناصلة الأوروبيين لتأليب الجزائر ضد فرنسا.

اذ يقول الداي حسن في رسالته : " ... وإن سفراء الدول التي أنتم ضدها في حرب المقيمين لدينا لا يفتأون تحت قناع الصداقة يلحون علينا في أن نعلن ضدكم حربا.... ولكننا جيرانكم وأصدقائكم القدماء الأوفياء ......"

ويأتي الجواب بسرعة متحمسا من قادة الجمهورية الفرنسية يشكرونه فيه بحرارة على هذا العرض الخاص : "وإن الجمهورية (الفرنسية) لسوف تتذكر دوما هذه المساعدات التي تلقتها من أصدقائها وحلفائها في هذه الظروف العصيبة...."

عبر صديق عطيري عما يجول في عيون الجميع حين علق قائلا: فهل تذكرت الجمهورية الفرنسية هذا الصنيع حقا حين غزت الجزائر سنة 1830 !!؟

عاد مراد بعد ان اثنى على مداخلة صديق واكمل مسترسلا: ولم تقف الامور عند هذا الحد وحسب "خويتي"، بل قدمت الجزائر قرضا نقديا بحت بلغ مقداره خمسة ملايين من الفرنكات الذهبية بقيمة ذلك الوقت، أي آلاف الملايير بعملة اليوم، وهذا القرض بدون فائدة!! بالاضافة الى مواد غذائية متنوعة ، وتجهيزات مختلفة ، قمح ، جلود ، صوف ،لحوم مقددة ، وخيول جيدة للجيش الفرنسي ، وغيرها ...

وكانت فرنسا في تلك الفترة تعاني قحطا شديدا في بعض ولاياتها ، ما استدعى الجزائر لتزويدها بكميات كبيرة من القمح الجيد، كما كانت حكومة الديركتوار الفرنسية متوقفة عن دفع ديونها بسبب نضوب الخزينة لديها!!

ووصل الأمر بالداي حسن إلى رفض الهدايا التي قدمها له قنصل فرنسا، ويعطيه زيادة على ذلك قرضا بمليون قطعة ذهبية وبدون فائدة!! وهذا كله حسب ما ذكره المؤرخ الفرنسي بلانطي .

بل ذهب الداي في تكرمه على فرنسا أبعد من ذلك، حين منع مدينة جنوة الإيطالية من التجارة في موانىء القالة ومنع الغزوات عنها وفتحها على مصاريعها لسفن مرسيليا لتصدير القمح الجزائري لفرنسا.

وقد استعمل المؤرخ الفرنسي هنري غارو مصطلحا لم يوجد إلا فيما بعد، اذ استخدم ما يشبه صيغة "الجسر البحري" ، إذ لم تكن الطائرات موجودة آنذاك ليستعمل الجسر الجوي، ليصف حجم المساعدات والتسهيلات التي قدمتها الجزائر لفرنسا آنذاك حيث يقول: "وأمام هذا الإستعداد الطيب من داي الجزائر ، ولتسهيل مهمة نقل المواد الغذائية المشتراة من الجزائر ، والمراسلات والمواصلات، اتخذ مجلس الثورة للجمهورية الفرنسية قرارًا يقضي بإقامة خط بحري منتظم _اي جسر بحري_ بين فرنسا والجزائر، وقد كلفت شركة إفريقيا بإقامة هذا الخط بتاريخ 28 أوت 1794".

هكذا كان حال فرنسا يوم لم يبق لها في الدنيا صديق إلا الجزائر، وليس هذا وحسب؛ بل تدخل الداي حسن حتى في بعض المجالات العسكرية لصالحهم، ففي مارس 1795 مثلا ، أسرت سفن إسبانية سفينة فرنسية في عرض البحر ، فأصدر الداي حسن أمراً _بمجرد أن سمع بالخبر_ بإرسال إثنتي عشرة سفينة مدفعية جزائرية لملاحقة السفن الإسبانية، وافتكاك السفينة الفرنسية منها بالقوة، فافتكتها فعلاً، كما أجبرتها على إطلاق سراح ربانها وبحارتها، وإرجاعهم إلى سفينتهم، بعد أن كان الإسبان قد اخرجوهم منها وجعلوا منهم أسرى.

وعند وفاة الداي حسن يوم 14 ماي 1798، وتولي مصطفى باشا مكانه والذي طالب بدوره الديركتوار الفرنسي بتسديد المستحقات القديمة (من الديون طبعا، وليس من المساعدات المقدمة مجاناً)، رأى الديركتوار أن يعاقب الداي مصطفى على ذلك بحرمانه من صيغة " سيدي" التي كانوا يتحفون بها الداي حسن في مراسلاتهم....! هكذا وسريعا نسي الفرنسيون أفضال الجزائر عليهم ....!!

ولكن هذه المساعدات الجزيلة من الجزائر لفرنسا سرعان ما توقفت بعد وفاة الداي حسن سنة 1798، ففي جوان من نفس العام قام نابليون بونابارت بعدوانه على مصر، لذلك قامت الجزائر بإعلان الحرب على فرنسا تضامناً مع الشعب المصري، بل وأكثر من ذلك قامت الجزائر بوضع جميع الفرنسيين المتواجدين بالجزائر في الأغلال، بما فيهم القنصل العام الفرنسي مولطيدو Moltedo ، كما قام الأسطول الجزائري بنصيب وفير مع الأسطول العثماني لطرد نابليون من مصر.

ولكن سرعان ما عادت العلاقات بين الطرفين بعد مراسلات وتوسلات كثيرة بعث بها نابليون إلى الجزائر ، وتم توقيع معاهدة صداقة بينهما يوم 19 جوان 1800 ، كما قامت بعد ذلك حالة من الشد والجذب في علاقة الطرفين، حتى انتهت بسقوط الجزائر تحت الإستدمار الفرنسي سنة 1830.

ورغم كل هذه المساعي الفرنسية المتتابعة الملحة لدى الجزائر طلبا لمساعدتها ضد التفتت والتمزق حينا، وضد المجاعة والمسغبة والمتربة حينا آخر، فلم تتورع فرنسا أبداً عن الكيد للجزائر، ولم تتحرج إطلاقاً من إضمار نوايا عدوانية، وحبك المؤآمرات والقيام بغارات تخريبية ضدها.

النوايا كانت قديمة جداً ومبكرة، إذ لم تنتظر القرن ال14 لتبدأ، وشرعت تعمل لتحقيقه، منذ الثلث الأخير من القرن ال13 ، حيث قام ملكها لويس التاسع بحملة صليبية على تونس سنة 1270 حيث مات بالوباء بعد حملة صليبية سابقة قادها على مصر ووقع فيها أسيراً، ولم يطلق سراحه إلا بفدية باهضة، ومن خطط لويس التاسع هذا حينها هو غزو واحتلال جميع بلدان المغرب العربي ومنها الجزائر .

ومما يؤكد هذا ، ما ينسبه مؤلف فرنسي إلى شارل العاشر( الذي تم في عهده احتلال الجزائر سنة 1830) حيث أورد هذا المؤلف واسمه مارتين راجي على صفحة الكتاب الخارجية لكتابه، والذي هو مفاضلة بين الأديان الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام، ويلح فيه على تكامل الديانتين الاولتين، وعلى تفوقهما على الإسلام من الوجهة الحضارية، وتحالفهما ضده، وفي الصفحة الأولى من كتابه هذا وبعد المقدمة يورد فيه نصا إلى ملك فرنسا شارل العاشر وهو واقف في الكنيسة وإذ بمنادي يناديه من السماء قائلاً : "إيه ..... يا شارل؛ إن لك دورا عليك أن تؤديه في هذه الأرض لنصرة المسيحية، واستحقاق مكانك قرب العرش السماوي، وهو أن تواصل العمل الذي كان قد بدأه سلفك لويس القديس(لويس التاسع) في إفريقيا بغزوه مصر، ثم تونس ، كمنطلق نحو الجزائر والمغرب وإفريقيا كلها، ثم إعادة الكرة فيما بعد على المشرق، نحو بيت المقدس .....

ومن هنا نجد التعبير الآتي عن هذه النقطة للمؤرخ الفرنسي آجرون أوفق وأقرب إلى الحقيقة، إذ لم يحدد تاريخ بدء التفكير الفرنسي في غزو الجزائر ، بالقرن ال14، إذ يقول: "إن الفكرة التي أثيرت دوما طيلة القرون العديدة والرامية إلى غزو الجزائر كانت قد تجددت سنة 1827".

وهو نفس ما يقوله مؤرخ فرنسي آخر، أكثر إختصاصاً من آجرون وأكبر سلطة ومرجعية، إذ أنه أستاذ تاريخ استدمار إفريقيا بجامعة السوربون، ألا وهو أوغستين برنار، إذ يقول، في كتابه " الجزائر " مايلي:
"إن احتلال الجزائر هو ثمرة ثلاثة قرون من جهود متواصلة باستمرارية جديرة بالتقدير". وهذا ما نجده بوضوح اذ ما استعرضنت أهم تلك النوايا، فبعد مشروع لويس التاسع سنة 1270، نجد شارل الثامن 1483_ 1498: إبن لويس ال11، يفكر في غزو العثمانيين وبلدان المغرب العربي أيضاً، ويقول غارو إنه " كان يريد تخريب الدولة العثمانية سنة 1495، وطرد العثمانيين من اسطنبول، وتقلد التاج الإمبريالي في كنيسة آيا صوفيا".

وهذا ما نجده مستمرا ايضا عند لويس الثاني عشر 1498_1515: "إن فكرة حرب صليبية واسعة لم تكن غائبة عن مشاريعه"، ومن الواضح أن هذه " الصليبية الواسعة" ، لم تكن لتقتصر على الدولة العثمانية بالمعنى الضيق.

وعند شارل التاسع الذي أضمر نية غزو الجزائر وتعيين أخيه دوق دانجو (الذي خلفه على العرش وأصبح فيما بعد هنري الثالث ملكاً على الجزائر بعد كارثة ليبانت، حين رأى ضعف الأسطول الجزائري الذي شارك في المعركة، راوده الحلم في ماي 1572 في رؤية أخيه دوق دانجو ملكا على الجزائر ، ولكن فترة حكمه القصيرة والمضطربة والكثيرة القلاقل، بسبب الحروب الدينية (بين الكاثوليك والبروتستانت) منعه ذلك من تحقيق حلمه.

وصدق المثل القائل "إتق شر من أحسنت إليه" ، فكل من شارل التاسع هذا وأخيه دوق دانجو هما إبنا هنري الثاني، الذي كان قد استنجد بصالح رايس فأنجده سنة 1553، وحفيدا فرانسوا الأول ، الذي كان قد استغاث بخيرالدين بربروس فأغاثه سنة 1543.

ولم يكن الحال بافضل مما سبق عند هنري الربع الذي حاول سنة 1604 بأسطول ضخم على رأسه أحد نبلاء قصره الفارس دي بريف مهددا متوعدا، "ولولا حرصه على التحالف مع الجزائر رغم كل شيء ضد إسبانيا ....... بإثارة بقايا الأندلسيين ضدها" ، لفعل ما فعل في الجزائر!!

وفي عهد لويس ال15: تمت دراسة كيفية تنفيذ خطة وضعها لوفور Lefort سنة 1763 تحت عنوان "مذكرة لتخريب الجزائر" .
وفي عهد لويس ال16: تمت دراسة خطة لغزو الجزائر أعدها القنصل الفرنسي العام بالجزائر، دو كيرسي De kercy
سنة 1782.
وفي عهد لويس ال16: تم مرة أخرى إعداد خطة سنة 1785 لغزو الجزائر.
وفي عهد نابليون بونابارت وضعت دراسة وخطة لغزو الجزائر سنة 1802 وقد وضعها القنصل الفرنسي العام سانت أندري.
وفي عهد نابليون مرة أخرى، وضعت خطة بوتان في الوقت الذي كان يتراسل فيه نابليون مع داي الجزائر ويعبر له عن رغبته في التعاون والمودة، كان في نفس الوقت يعد خطته لغزو الجزائر، وأعطاها صبغة سرية جداً تتمثل في الحصول على موافقة قيصر روسيا، ألكسندر الأول في معاهدة تيلسيت Tilsitt ، الفرنسية الروسية سنة 1807. وفي هذا السياق يقول المؤرخ الألماني سيمينوف: "بل وقد وسع نابليون من هذا الحوار(أي النزاع) بين الجزائر وفرنسا ، فأراد أن يجعله دوليا، بأن يشرك في قراره غزو الجزائر كلاً من إنكلترا والنمسا وروسيا، ولكن إنكلترا رفضت، إذ ليس من عادتها أن تساعد فرنسا على حل مشاكلها الإمبريالية، أما قيصر روسيا فقد وافق وإن لم ينو إرسال جنوده إلى الجزائر،....... ولكن الإضطرابات الطارئة في أوروبا حالت دون تحقيق مشروع نابليون".

ولئن لم يتمكن نابليون من تحقيق مشروعه الغادر، نظراً للظروف في أوروبا إذ ذاك، وفي فرنسا نفسها، فقد تحقق فيما بعد باستعمال التصميم الذي وضعه بوتان بمباغتة العاصمة من الغرب، أي من الخلف، حيث أن جميع الغارات السابقة من فرنسية وغيرها فشلت لأنها كانت تضرب في الوجه، من البحر، فكانت مدفعيتنا تدحرها من أعلى القلاع المرتفعة.

عاد مراد ليؤكد بأن العلاقات بين الجزائر وفرنسا بدأت مبكرا، وكذلك الامر مع التخطيط لغزو الجزائر واحتلالها.

انتفخت صدورنا وتوسعت حدقات عيوننا ونحن نستمع الى هذا التاريخ المجيد، كنا سعيدين جدا بتمكن مراد من ازاحة الكثير من اكوام الغبار التي اخفت حقائق التاريخ المجيد، ذلك التاريخ المجلل بالعز والانفة والكبرياء، ذلك التاريخ الذي صنع هيبة الجزائر وشخصيتها الدولية.

اجاب مراد، ليس لي فضل بذلك، هذه المعلومات كلها موجودة في كتاب "شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل 1830" لمولود قاسم نايت بلقاسم رائد التعريب في الجزائر، والمتوفى يوم 27 أوت 1992 بالجزائر العاصمة و المدُفون بمقبرة العالية الشهيرة والقريبة من هنا.

لقد سخّر الأستاذ مولود قاسم نايت بلقاسم ـ رحمه الله ـ جهده وجهاده وفكره وقلبه للجزائر فسمّى باكورة إنتاجه الفكري “الجزائر”، وطبعه باللغة الألمانية في مكتب الجامعة العربية في ألمانيا في سنة 1957، وأيضا سمّى فلذة كبده وكريمته الأثيرة إلى قلبه ”الجزائر”، وهو الذي قال لها: "يا جزائر يا شقية، لولا أنّ اسمكِ الجزائر لأعطيتك (طْريحة)".
وكان رحمه الله محركا ومشجعا ومساهما مع الشاعر الجزائري الكبير مفدي زكريا في تأليف الملحمة الشعرية الخالدة “إلياذة الجزائر”.

لم ينس مراد هاتفه، فقد طلبه من القرصون، ولم ينس مراد ان يبعث لي بنسخة الكترونية من كتاب مولود قاسم شخصية الجزائر، بدوري لم انس اخذ صورة جماعية لنا واقترحت لهذه الغاية باب المقهى على ان يكون من خلفنا محطة قطار العناصر والتلفريك.

على باب المقهى كانت الشمس قد اسدلت ستارها، وكانت العتمة قد بدات تلف ارجاء المكان. رن جرس هاتفي بمكالمة من فلسطين، كان صديقي حسن يطمئن على احوالي ويغبطني على تلك الجولة في ربوع الجزائر، كان حسن يتابع صفحتي على الفيس بوك بانتظام، كان يسير معي عبر اثير الفيس بوك خطوة خطوة وكلمة كلمة، كنت اجيبه عن كل ما يستوضح ويستعلم، وكنت اخبره بكل صغيرة وكبيرة تقع عليها عيناي، كان محبا شغوفا للجزائر بكل تفاصيلها.

كنت اشعر من فرط حبه للجزائر انه ان قُدرت له الظروف ووطأت اقدامه ارضها فسيمشي في شوارعها حافيا وعلى رؤوس اصابعه، كان حسن حاله كحال كل ابناء فلسطين يحتفظون للجزائر بمحبة خاصة وبمكانة لا ينازعها فيها احد...
كان حسن دائما ما يحفزني ويدفعني للمضي قدما بسبر اعماق الجزائر، كنت كلما اخبره بمعلومة جديدة عن الجزائر، يردد على مسامعي جملته الاثيرة: "خطوات صغيرة في بلاد كبيرة، خطوات صغيرة في بلاد كبيرة".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد| طائرة مسيّرة انتحارية لكتائب القسام تهاجم مصنع إسرائيل


.. شهادات حية على مجزرة مخيم الشاطئ والتي سقط فيها 8 شهداء


.. نتانياهو يتوعد حماس بضربات موجعة




.. واشنطن تدعو لاستئناف مفاوضات سد النهضة على وجه السرعة


.. شاهد| كتائب القسام تبث صورا جديدة تظهر إطلاق صواريخ من قطاع