الحوار المتمدن - موبايل


شيء من الذاكرة ..

صادق محمد عبدالكريم الدبش

2020 / 10 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


شيء من الذاكرة ...
اليوم 21/10 من كل عام تحتفل ابنتنا البكر تانيا بعيد ميلادها .. وهذه المناسبة العزيزة على نفوسنا ونقول لها [ عاما سعيدا وعمرا مديدي وعافية دائمة وحياة أجمل مفعمة بكل ما جميل ] .. لهذه المناسبة قصة رغم أنها تحمل بين طياتها الكثير من المعاناة والألم ، التي أصبحت شيء من التأريخ .
عام 1968 م وفي 18/3 من نفس العام اقترنت بابنة الكرام زوجتي ( سعدية شهاب أحمد الكروي ) في هذا اليوم عقد قراننا ، على أمل الزواج بعد تخرجي عام 1969 م في حزيران من نفس العام .
وشاءت الصدف وبعد استيلاء البعث على السلطة في 17-30 تموز من عام 1968 م وممارستهم القمعية ضد القوى الديمقراطية والشيوعية ، تم اعتقالي في أوائل أيار 1969م وتم نقلي إلى معتقل سرية الخيالة بتهمة الشيوعية ، وبعد جولاتهم وأساليبهم وحفلاتهم التي كانوا يقومون بها ضد المعتقلين ، فقد أطلق سراحي بكفالة وفصلي من وظيفتي في نوفمبر من نفس السنة وتغريمي الكفالة الدراسية وقدرها 450 دينار وتكاليف المرافعات والمحامي والتي زادت على الألف دينار وهو مبلغ كبير تحملتها أسرتي ووالدي رحمه الله على وجه التحديد .
وقررت الزواج وتجهيز مستلزماته من أثاث وغير ذلك وكانت بشكل عام متواضعة ،
وتم لنا الزواج في 8/1/1970 م وأقام عمي أبو سلام رحمه الله ورفاقي وأقاربي حفلة متواضعة في بيت الوالد وكان هناك عازف هاوي وأغاني شعبية ولمطربين عرب ، واستمرت حتى الفجر .
في 31/3/1970 م ونتيجة الهجمة البربرية الظالمة ضد حزبنا ومناضلين وكوادر وأصدقاء الحزب ، كنت حينها نقيم حفلة بمناسبة ميلاد الحزب في بساتين بهرز ، فأخبرني الرفيق قيس عبدالله خليل الرحبي الذي كان يقوم بالمراقبة وحماية الحفل عن بعد ، بأنه تم مداهمة بيتنا منقبل رجال الأمن ويبحثون عنك وعن أخرين بما فيهم قيس .
فتدبرنا أمرنا وتوارينا عن الأنظار وعبرنا نهر ديالى متوجها إلى بغداد وبعد فترة انتقلت إلى أربيل لأختفي هناك ، وعملت فترة قصيرة مع بن عمي وزوج شقيقتي الذين رحلوا عن هذه الدنيا في هذا العام .
كان قد أخذ مقاولة نصب خزان الماء لمحافظة أربيل ، ولكن مع الأسف حدث حادث طارئ إذ سقط شقيق زوج أختي من أعلى الخزان في قعر الخزان الذي يرتفع من القمة حتى القعر 17 متر وبعد جهد جهيد تمكنا من إنزاله بعد ربطه بحبل وحمله شقيقه على كتفه وأنزله إلى الأرض ونقلناه إلى مستشفى أربيل العام وفارق الحياة بعد ساعات قليلة نتيجة كسر في الجمجمة .
ونقلناه إلى بغداد حيث كانوا يسكنون بعد حضور والدي وأعمامي وبعد أن تمت مراسيم الجنازة ومجلس العزاء تلقيت رسالة من الحزب بالتوجه إلى قيادة قوات هندرين ، وفعلا تمكنت من الوصول بسلام مقر القاعدة ، ومن ثم التحق عدد من رفاقنا المطاردين من مدينتي بهرز بما فيهم الرفيق قيس .
كان في الفصيل الذي ذهبت إليه مسؤولنا السياسي الرفيق الراحل طيب الذكر حميد بخش ( أبو زكي ) رحمه الله الذي توفي في بلغاريا قبل سنوات .
بعد مغادرتي بهرز تركت زوجتي حامل ، في عام 1971 م تفاجأت بأخي فاروق الذي استشهد عام 1983م بعد اعتقاله وشقيقي الأخر ثامر وبن عمي فائق ، الثلاثة تمت تصفيتهم ولم نعثر لهم علة أثر .
المهم استقبلن أخي بحفاوة وفرح عظيمين ، وأحضر معه صورة لابنتنا البكر
وقال أسميناها حسب وصيتك تانيا إن كانت بنت وسعيد إن كان صبي .
وبقي معنا يومينا ثم غادرنا عائدا إلى بغداد .
والشيء بالشيء يذكر .. كان الرفيق نجم الدين مامند أبا فرست وأسرته الذي زارني في منتصف ثمانينات القرن الماضي في دمشق وبقي عندنا يوميا ،كانوا يسكنون بجوار الفصيل الذي كنا فيه ، فصيل حافيز ، فقررت أم فرست خياطة زي كردي للوليدة الجديدة ، وفعلا قامت بخياطته وقدمته هدية ليأخذه إلى زوجتي وابنتها .
في أوائل عام 1972م وأثناء نزولي إلى أربيل تم اعتقالي عند مفرق ديانا في مفرق راوندوز. ونقلوني إلى أربيل ومن ثم إلى أمن بغداد والأمن العامة وقصر النهاية ومن ثم إلى أمن ديالى وأطلقوا سراحي بكفالة قدرها 2000 دينار ، وكنت حينها فاقد الأهلية العقلية والنفسية ، ويروي والدي يقول ، في البداية رفضت استلامك ، فقلت لمدير الأمن ابني قبل هذا كان يعرفني واليوم لا يعرفني !.. فرد على والدي ( خذ ابنك واخرج وإلا سأجعلك مثله !..)
بعد اطلاق سراحي بدأت فترة علاج لسنوات وكلف العائلة مبالغ طائلة للعلاج ، وتحملوا ما تحملوا من سهر ورعاية حتى بدأت أستعيد شيء من عافيتي ، وحتى اليوم أتعرض إلى انتكاسات صحية ونفسية ليست بالقليلة .
تمت إعادتي إلى وظيفتي بعد قرار ( مجلس قيادة الثورة ) بإعادة المفصولين السياسيين في 1/4/1974 م وتم تنسيبي إلى مديرية خدمات برق وهاتف ديالى ومعي عدد من رفاقنا المفصولين ، منهم الراحلين عزالدين الخالدي ، هادي الربيعي ، وفخري عبدالغفور الألوسي أبو كفاح والذي تم تنسيبه مدير خدمات برق وهاتف ديالى ، وبعد أشهر قليلة تم نقلنا جميعا المفصولين بما فيهم الرفيق فخري الألوسي نقل سياسي إلى خدمات برق وهاتف كربلاء ، وهنا بدأت مرحلة جديدة من المضايقات والاستدعاءات
وكأننا في معركة مجهولة !.. شخوص العدو المعلوم المجهول ، تتقي من وتحذر من .. لا ندري !..
وبعد جهد جهيد ووساطات بمحاولات الانتقال إلى بغداد ، تمكنت في أخر المطاف بمساعدة من شقيق زوجتي الراحل محمد شهاب الكروي الذي كان مدير الطرق في محافظة بغداد ، وفعلا باشرت في مديرية خدمات برق وهاتف بغداد في شارع الخيام ..شارع الرشيد ، وبدأ فصل أخر لا يقل سوء عن سابقاته ، وأصبح الاستمرار في الدوام يحتاج إلى معجزة ، فأشار عليً أحد الأصدقاء وهو بعثي بأن أترك الدائرة فربما تتعرض إلى الخطف والاعتقال في أي لحظة !..
فلجأت ثانية إلى صديقي المرحوم محمد شهاب ، لمساعدتي على حصولي على إجازة سفر خارج العراق لغرض العلاج ، وفعلا وبعد محاولات متكررة صدر الأمر الإداري من رئيس المؤسسة العامة للبريد والبرق والهاتف الموجه إلى خدمات برق وهاتف بغداد بمنحي الإجازة لمدة شهر خارج العراق وإعلام المؤسسة بتأريخ الانفكاك وهذه مرحلة مهمة للحصول على جواز سفر .
ولكني لا أستطيع الحصول على جواز سفر دون واسطة ، فلربما هناك منع من السفر في إضبارتي .
كان لي قريب خياط رجالي من الطراز الأول ، زبائنه جميعهم من الوزن الثقيل من ضباط ورجال أمن ومتنفذين !..,
فذهبت إليه وشرحت الموقف له ، وهو يعرفني شيوعي ، فقال أنت منو يعطيك جواز سفر أنت شيوعي !..
كان في هذه الأثناء يجلس في المحل صديق له ( لواء ركن متقاعد كبير في السن ) فرد عليه قائلا ( حميد صادق جاي عليك أنت تقوله هكذا ؟) فرد عليه قائلا أنا أمزح معه هو بن أخي وسأحاول جهدي حصوله على الجواز ، ونحن نتحادث دخل علينا رجل وألقى السلام وكان عنده ( براوه لخياطة بدلته ) ، فرد عليه عمي حميد ( هذا بن أخي يريد الحصول على جواز سفر ، وربما عليه منع بتهمة الشيوعية ! ) فقال له غدا ليأتي علينا وسأقوم بالواجب !..
فضحك عمي حميد ساخرا !.. هاي دفعة لا أقبلها منك أبدا ، الأن تأخذه معك وتأتي به سالما ومعه جواز سفر !..
فقال لي .. أخي معك كتاب الموافقة خارج العراق وصورتين و18 دينار والهوية ؟.. قلت له نعم ، فقال تعال معي وذهبت معه ودخلنا إلى دائرة الجوازات وأخذ ما بحوزتي من أوراق وأجلسني بغرفة وقال انتظرني سأعود إليك ، وبعد برهة من الوقت رجع وقال لنعود إلى العم حميد ، وفعلا رجعنا إليهم ، فأخرج جواز السفر من جيبه وسلمه إلى عمي حميد وقال له كان عليه منع ورفعنا المنع وأبرقنا إلى الحدود في هذا الشأن ، ولكن لا أضمن ربما بعد فترة سيعاد المنع ، فعليه أن يغادر بأقرب وقت ممكن ، وشكرنا هذا الرجل وعمي والمتقاعد ، وبعد حصولي على كتاب الانفكاك غادرت برا إلى سوريا في 24/12/1978 م ووصلت دمشق صباح 25 /12 ، لتبدأ مرحلة جديدة ومعاناة مختلفة لا مجال للتطرق إليها .
بعد سفري إلى بلغاريا ومن ثم إلى لبنان ومن ثم إلى سوريا وإلى كردستان مشيا على الأقدام ، وعودتي إلى سوريا ثانيتا ومن ثم إلى بيروت مع المقاومة الفلسطينية ، جاءت زوجتي وأولادي سعيد وأفكار ، أما تانيا فلن يسمحوا لها بالمغادرة إلا بمعية ولي أمرها وهي حجة لمنعها من السفر .. ، وتركنا البنت عند والدي ووالدتي رحمهم الله .
وقاست ما قاست من ظلم وقهر على يد النظام المقبور وإدارة المدرسة ، وأثناء رفعت العلم يوم الخميس ، كانوا يخرجوها أمام المدرسة ويبدؤون بنعت والدها بالخائن والمجرم الهارب ويعنفوها كل خميس وهي في الصف السادس الأدبي ، ويستدعوها إلى الإدارة للتحقيق معها وعن مكان تواجد والدها ، ولماذا لا تنتمين لحزب البعث وتهديد والدي أثناء تقديمها على معاملة حصولها على شهادة الجنسية العراقية فيقول مدير الأمن لوالدي ، إذا كنت لا تخاف على نفسك .. ألا تخاف على بنت ابنك ؟.. قل لابنك الهارب أن يعود ويسلم نفسه للعدالة !..
نتيجة كل ذلك وغيره اضطرت تانيا إلى ترك المدرسة خوفا من اختطافها أو اعتقالها ، ولا شك بأن معاناتنا كانت كبيرة ووقعها كان أليم وقاسي جدا .
وعليها كان أكبر بالرغم من الرعاية والحب والعاطفة لوالدي ووالدتي وإخواني وأخواتي كان كبيرا وخاصة والدي رحمه الله .
عام 1992 توفيت والدتي نتيجة الضغوط النفسية وحزنها وكمدها على أولادها المغيبين وابنها الهارب من بطش النظام وبعد معاناة مع مرض عضال فارقت الحياة وماتت بحسرة الفراق والألم والحزن الغائر في الأعماق .
عام 1993م قدموا والدي وشقيقتي طلب زيارة إلى الدنمارك ، وافقوا لوالدي ورفضوا طلب شقيقتي ، وفعلا وصل والدي إلى الدنمارك في 10/4/1993م وبقي شهرا كاملا في وسطنا بعد فراق دام 15 عام .
طلبت من والدي أن يحاول إخراج تانيا بأي وسيلة ممكنة ، وأهديناه على طريقة قد تنجح ، وفعلا بعد عودته إلى العراق قاموا بتنفيذ ما اتفقنا عليه ، وتمكنت من مغادرة العراق إلى الأردن بمعية بن شقيقتي وأوصلها إلى إحدى الصديقات وأخذتها إلى سوريا إلى بيت الراحل طيب الذكر محمد مهدي الجواهري وبرعاية ابنته خيال الجواهري ، وبقيت عندهم عدت أيام حتى أخذتها بنت عمي خولة علي عبدالمجيد عندها لحين سفر والدتها إليها في دمشق ، وقدمت معاملة لجوء إلى الدنمارك وانتظرت سنة كاملة في سوريا حتى منحوها اللجوء في الدنمارك ، ولكن فرحتنا لم تكتمل .. فوجئنا بخبر وفاة والدي نتيجة أزمة قلبية حادة في 25/12/1994 م عن عمر ناهز السبعين عاما .
أما الغالية تانيا وبعد كل تلك المعاناة الأليمة ووفاة جدها الذي أحبها وأحبته ، لكن عزائهاكان ، أنها اليوم تعيش بين والديها وأخويها .
عام 1997 م تزوجت تانيا في نوفمبر 1997 م ولها اليوم ثلاثة أبناء وكبيرهم محمد في ثاني كلية القانون في جامعة كوبنهاكن وأنس في الصف المنتهي على أمل الالتحاق بالجامعة وأوس في التاسع ويعيشون جميعهم وأخويها في نفس المدينة التي نعيش فيها منذ قدومنا إلى الدنمارك .
كل الأماني الطيبة لغاليتنا تانيا ولعائلتها ولأخويها ولأولادهم وللأحفاد ، وكل ما أتمناه أن أراهم سعداء ويرفلون بالعافية والهناء والنجاح وأقول لتانيا كل عام وأنتم بخير وأمن ومحبة وسلام .
21/10/2020 م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غضب في #سوريا بعد هدم مقهى الحجاز التاريخي وسط #دمشق لتحويله


.. جوائز -غولدن غلوب- تتوج -نومادلاند- والراحل تشادويك بوزمان


.. نيجيريا: الإفراج عن أكثر من 250 تلميذة خطفهن مسلحون في شمال




.. مصر.. الوزراء العرب يوافقون على التجديد لأحمد أبو الغيط


.. حبس عريس أردني خالف الحظر وأقام زفافا حضره بمروحية | #منصات