الحوار المتمدن - موبايل


ألأمن ... ركيزة التنمية الشاملة

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 10 / 23
مواضيع وابحاث سياسية


عندما نتحدث عن الأمن , تتبادر حالا إلى أذهان الكثير منا ممارسات الأجهزة القمعية التي تعتمدها الحكومات المختلفة لمطاردة خصومها السياسين وتصفيتهم بأبشع الوسائل , ومحاسبة الناس على كل شاردة وواردة دون رحمة. وهناك قصص بشعة عديدة يتداولها العراقيون عن فضائع هذه الأجهزة ما زالت تثير خوفهم وفزعهم حتى يومنا هذا , حيث إنقلبت كلمة الأمن التي تعني لغويا الطمأنينة وعدم الخوف , إلى الرعب والخوف في مفهوم الكثير من الناس. كانت الأجهزة الأمنية بدائية عند تشكيلها في حقبة النظام الملكي , لتتحول في الحقب الجمهورية اللاحقة إلى أجهزة قمعية رهيبة , مزودة بأحدث أجهزة التعذيب وأكثرها قسوة, لإنتزاع إعترافات المتهمين التي يرغب قادتهم سماعها , ليس لتصفية هؤلاء الخصوم فحسب, بل لإثارة أكبر قدر من الرعب بين الناس.وتعددت مسميات هذه الأجهزة بين أمن وأمن خاص ومخابرات وإستخبارات مدنية وعسكرية وجحافل حمايات وغيرها . يتم عادة إعداد أفراد الأجهزة الأمنية , إعدادا خاصا في مدارس أمنية , ويتلقى الكثير منهم تدريبات إضافية في دول أخرى, ويتمتعون بإمتيازات خاصة. وبإختصار أن مهام الأجهزة الأمنية تكميم أفواه الناس وملاحقة خصوم الحكومة دون هوادة للقضاء عليهم.
ان ما يعنينا هنا أمن الوطن , أرضا وسماءا ومياها , شعبا وحكومة , أي خلق بيئة آمنة ومستقرة ينعم فيها الناس بالعيش الكريم دون خوف أو وجل , ويمارسون مفردات حياتهم بكل حرية دون إكراه, في أجواء من الحرية وسيادة القانون الذي يضمن لكل ذي حق حقه , لا فرق بين قوي وضعيف أو بين غني وفقير , فالناس أمام القانون سواسية كأسنان المشط, وضمان حق التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية لهم جميعا , والتوزيع العادل للثروات , وإعتبار العمل حق وواجب على كل فرد كل حسب قدرته وتأهيله لبناء مجتمع منتج . يتطلب بناء منظومة أمن وطني فاعلة ومؤثرة في أي بلد من البلدان , تحقيق عناصر أساسية نوجزها بالآتي :
1. الأمن الغذائي ويقصد بذلك توفير سلة غذاء المواطن , إعتمادا على موارد البلاد الذاتية قدر المستطاع , وتوفير خزين إحتياطي لتوفير حاجات الناس في ظروف الطوارئ الإستثنائية لأطول فترة ممكنة . وهذا يتطلب إعتماد سياسة زراعية رشيدة, لتوظيف القدرات الوطنية لإستغلال موارد البلاد الزراعية , بشقيها النباتي والحيواني بإعتماد وسائل الزراعة الحديثة.
2. الأمن المائي , أي إعتماد سياسة لترشيد المياه في جميع مجالات الحياة , نظرا لتناقص كميات المياه قياسا لحاجات الناس في معظم دول العالم , وبخاصة في دول المصب والعراق واحدا منها , حيث بات العالم يتحدث عن حروب العالم المستقبلية , بأنها حروب مياه أكثر من اي شيئ آخر. باتت دول المصدر تتحكم أكثر فأكثر بهذه المياه لمصلحتها على حساب مصالح الدول الأخرى . ولعل ما تقوم به تركيا ببناء سدود في أراضيها بالتصرف الآحادي بمياه نهري دجلة والفرات ودون مراعاة لحقوق العراق بهذه المياه التي يفترض أنها حقوقا تاريخية مشتركة بينهما, بموجب قوانين تقسيم مياه الأنهار المشتركة بين الدول ,خير مثال على ذلك , حيث أصبح نهري دجلة والفرات مهددين بالإنقراض ليصبحا أثرا بعد عين إذا لم يتم التصدي الحازم لهذا المشكلة , لدرجة أن منظمة اليونسكو قد طلبت إدراج نهر دجلة ضمن قائمة التراث الإنساني التي يستلزم الحفاظ عليه. وهناك أمثلة أخرى على تعسف دول المصدر تجاه دول المصب, أبرزها قيام أثيوبيا ببناء ما يعرف بسد النهضة على نهر النيل دون مراعاة حقوق كل من مصر والسودان بحصصهما المائية الضرورية لديمومة حياة شعبيهما , إذ ما زالت المفاوضات متعثرة بين هذه الدول على الرغم من الوساطات والمداخلات الدولية , للإتفاق على كيفية ملئ سد النهضة دون إلحاق خسائر فادحة بحصتي كل من مصر والسودان , ذلك أن نهر النيل إنما يمثل شريان الحياة في هذه الدول.
من ذلك ينبغي أن ندرك أهمية تأمين الأمن المائي لبلادنا والكف عن هدر المياه , والتعامل بحكمة وروية بملف المياه مع دول جوار العراق , تركيا وإيران التي تتحكم بمصادر مياهنا , وقيام حكومات هذه البلدان بتقنيين المياه المتدفقة إلى بلادنا , أو تحويل مجاري بعض هذه الأنهار بحيث أصبحت الكثير من أراضينا الزراعية محرومة من هذه المياه ومهددة بالتصحر. لذا ينبغي أن يكون أمن بلادنا المائي في مقدمة سلم إهتمامات الحكومات , وعدم التهاون بمصلحة العراق لهذه الدولة أو تلك على حساب مصالح بلدنا الوطنية.
3. الأمن الإقتصادي , أي بناء إقتصاد منتج , بشقيه الصناعي والزراعي إعتمادا على موارد البلاد الذاتية وبناء القدرات التقنية الوطنية , بالإستفادة من تجارب الدول الأخرى , وبخاصة الدول التي ترتبط بعلاقات إقتصادية مع العراق إستنادا إلى مبدأ الأخذ والعطاء في إطار تبادل المنافع المشتركة , وأن لا تكون بلادنا سوقا رائجة لتصريف منتجات الدول الأخرى. ويمتلك العراق تجارب ناجحة في هذا المجال قبل سقوط نظامه السياسي عام 2003 , برغم كل ما تعرض له من خراب ودمار وهجرة الآلاف من كوادره العلمية والتقنية , وبرغم كل ذلك وفي ظروف الحصار الشامل الذي فرض عيه دون وجه حق سنين طويلة , تمكن العراق من إزالة كل آثار العدوان بإمكانته الشحيحة وإعادة بناء العراق في فترة قصيرة , والولوج في ميادين علمية وتقنية متقدمة أبهرات الأصدقاء على قلتهم واغاضت الأعداء على كثرتهم.
4. الأمن الإجتماعي , أي بناء منظومة قيم إجتماعية راقية تحمي المجتمع من عبث العابثين والمشعوذين والدجالين , بدءا بضمان وحدة الأسرة والعائلة وإبعادها عن كل أشكال العنف والقهر والتعسف والإستبداد الأسري ,التي باتت بعض ظواهره واضحة للعيان في المجتمع العراقي الذي يشهد الآن الكثير من حالات الإنتحار والتفكك السري والتشرد ورمي الأطفال في الطرقات دون رحمة والإتجار بالبشر وغير ذلك من الجرائم التي تقشعر لها الأبدان , في مجتمع يكثر فيه الحديث عن الدين والتدين بكل أسف.
5. أمن التعليم , لا نبالغ هنا إذا قلنا أن التعليم ولا شيئ سواه يمكن أن يفضي إلى تحقيق نهضة حقيقة شاملة , وهذا ما أكدته تجارب العالم أجمع قديما وحديثا . ومن هنا يجب إيلاء منظومة التعليم بدءا برياض الأطفال وإنتهاءا بالجامعات ما تستحقه من رعاية وإهتمام , بعيدا عن كل المناكفات والصراعات السياسية والدينية والطائفية والأثنية والمصالح التجارية . ونقصد هنا بالتعليم , التعليم المنتج الذي يفضي إلى تخريج كوادر علمية وتقنية قادرة على الولوج إلى سوق العمل والإسهام ببناء إقتصاد مزدهر وتحقيق تنمية شاملة مستدامة , وليس تخريج طالبي وظائف لا حاجة حقيقية لهم , بل العكس من ذلك إرهاق الإقتصاد الوطني بأعباء مالية مضافة.
6. الأمن العسكري , أي بناء قوات عسكرية محترفة ذات عقيدة عسكرية وطنية , ملمة بأساليب العلوم العسكرية الحديثة وتطبيقاتها في الميدان , قادرة على حماية أمن البلد وصيانة حدوده من أي عدوان خارجي , تساندها قوات أمن داخلية قادرة على حماية أمن الشعب وممتلكاته من كل عبث داخلي لكل من قد تسول له نفسه الإعتداء على أرواح الناس أو سلب ممتلكاتهم أو مصادرة حقوقهم دون مسوغ قانوني , على أن لا تكون هذه القوات أداة بأيدي الحكام لقهر الناس والتسلط عليهم.
وبذلك نكون قد هيئنا البيئة اللازمة لتحقيق تنمية شاملة مستدامة , حيث تشير جميع الوقائع والأحداث أن الدول التي حققت معدلات تنمية عالية , هي الدول الأكثر إستقرارا في العالم . اي أن إستتباب الأمن في أي بلد من البلدان يعد شرطا ضروريا للتنمية الشاملة المستدامة , وبدونه لا يمكن تحقيق أي قدر من التنمية ,ولكن ذلك لا يكون بحد ذاته كافيا للتنمية ما لم ترافقه شروط أخرى مضافة , كالحكم الرشيد القادر على توظيف الموارد والقدرات الوطنية لبناء إقتصاد منتج ومزدهر, وتوزيع عادل للثروات وضمان أمن البلاد والعباد . ونأمل أن لا يكون هذا الإستقرار مبنيا على الخوف وتعسف السلطات الحاكمة كما هو حاصل في النظم الشمولية الإستبدادية التي حققت قدرا من التنمية الإقتصادية الشاملة . أن ما نتمناه حكومات عادلة رشيدة تراعي حقوق الناس من منطلق أن الإنسان وسيلة التنمية وغايتها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جمعتنا بتحلى مع أحمد حسن | الحلقة 1 | بيسان إسماعيل


.. حمدوك يدعو مدبولي وآبي أحمد لقمة ثلاثية مغلقة


.. لقاءات لديفيد هيل مع المسؤولين اللبنانيين




.. توصيات أميركية بتعليق استخدام لقاح جونسون آند جونسون


.. الازدحام يعود إلى الشوارع مع بدء تخفيف الإغلاق