الحوار المتمدن - موبايل


مُساهمة في مسألة مقولات المادية الدياليكتيكية

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 10 / 25
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


كاتب المقالة: الماركسي السوفييتي الكسندر بيتروفيتش شيبتولين*

ترجمة مالك أبوعليا

يكتشف الانسان المزيد والمزيد من الخصائص والعلاقات المتأصلة في الواقع الذي يُحيط به. انه يتعمق بشكلٍ كبير في عالم الظواهر ويبدأ في اكتشاف وفرز، والتعبير عن تلك الخصائص والعلاقات بمفاهيم مثل الحركة والمكان والزمان والسببية والانتظام والضرورة والصدفة والتناقض، والتي هي شاملة وتنتمي الى جميع الأشياء المادية، وجميع ظواهر العالم الخارجي. هذه الخصائص والعلاقات الشاملة هي مُميزات لا تنفصل عن العالم المادي، انها صفات للمادة، والشكل الشامل لوجودها. ان المفاهيم التي تُعبّر عنها والتي تأخذ مكانها في مجال نشاط البشر المُبدع، هي المقولات الفلسفية. وبالتالي، فان هذه الأخيرة، هي الأشكال الشاملة لنشاط الناس الذهني والصور المثالية Ideal التي تعكس خصائص وعلاقات جميع ظواهر العالم. يُمكننا من خلالها أن نتوصل الى فهم المادة المُحددة التي نجمعها في عملية البحث العلمي والتحويل العملي للواقع، ويُمكننا من خلالها أن نقوم بتجريد خصائص الموضوع الذي يُهمنا. على سبيل المثال، اذا نظرنا الى موضوعٍ ما من خلال منظور مقولات العام والخاص، فاننا سنكون قادرين على تحديد الاختلافات والتشابهات الموجودة بينه وبين مواضيع أُخرى. يُمكننا كذلك، باستخدام مقولات السببية والضرورة، أن نتتبع أسبابه وخصائصه وعلاقاته الضرورية والعَرَضية. يُساعدنا التحليل عن طريق مقولات الكمية والنوعية على اكتشاف خصائصه الكمية والنوعية، وفي ظل ظروف معينة، الروابط بينهما، وما الى ذلك.

1- طبيعة المقولات الفلسفية
ترتبط طبيعة المقولات الفلسفية، ومكانها ودورها في تطور المعرفة، ارتباطاً مُباشراً بحل مسألة الترابط بين الفردي والعام في الواقع الموضوعي والوعي، وبالكشف عن أصل الجواهرالمثالية Ideal وكيفية ارتباطها بالكيانات المادية وظواهر الواقع الموضوعي.
طرح الفيثاغوريين اليونانيين القُدامى الذين درسوا الجانب الكمي للمواضيع واكتشفوا ارتباطها بالأرقام، هذه المسألة، وقدّموا لها حلاً مُحدداً، حيث توصلوا الى استنتاج مفاده أن الرقم هو جوهر مثالي Ideal Essence شامل موجود خارج الأشياء الفردية ومُنفصل عنها ويُحدد وجودها.
تم تطوير وجهة نظر الفيثاغوريين بشكلٍ أكبر عند أفلاطون، الذي رأى ان الجواهر المثالية الموجودة بشكلٍ مُستقل هي الواقع الحقيقي، وهي شكل مُتميز عن الأشياء الفردية التي تَنتُج عنها-أي عن الجواهر المثالية.
عارض أرسطو وجهة النظر هذه حول طبيعة المقولات، وأكد أن محتوى المقولات التي يُمكن اعتبارها كمفاهيم عامة لا توجد خارج الأشياء الفردية، ولكنها نتيجة لمعارفنا حولها (أي حول الأشياء الفردية) وانعكاساً لخصائصها وعلاقاتها المُتأصلة فيها. يؤكد أرسطو، أنه عندما نُدرك الأشياء الفردية، فاننا لا نُصبح عارفين بالفردي وحسب، بل والعام أيضاً، والذي يتم ملاحظته بشكلٍ مُتكرر في سلسلة من الأشياء أو في مجموعها. في عملية تصوراتنا الحسية للأشياء، يتبلور في وعينا، العام والمتأصل، ويتم التعبير عنه في شكل مفهوم عام، والذي يوجد جنباً الى جنب مع الصور الفردية. عندما يأخذ المفهوم العام الأول مكانه في عقلنا، فان المفاهيم الأكثر عموميةً والتي تعكس خصائص وعلاقات نطاق أوسع من الأشياء تنمو على أساسه، ويتبع هذه المفاهيم، المفاهيم الأكثر عموميةً، والتي تُسمى المقولات، التي تعكس أشكال الوجود الشاملة(1).
على الرغم من صحة نظرية أرسطو عن طبيعة المقولات بشكل أساسي، الا أنها ليست مُتسقة تماماً. بتأكيده على أن المادة والشكل المتأصلين في كل شيءٍ مُفردٍ على حدة مُتشابهين مع المحتوى العام للمفاهيم في الواقع الموضوعي، تعامل أرسطو مع الشكل على أنه مثالي Ideal وقادر على أن يكون موجوداً بشكلٍ مُستقلٍ عن الأشياء المادية. وهذا يعني أنه ليس كل ما هو عام ومتأصل في العالم الخارجي، هو مادي ويوجد من خلال الأشياء الفردية. ان جزء من العام هو مثالي Ideal موجود خارجياً وُمستقل عن الأشياء الحسية. كان هذا تنازلاً ملحوظاً لأفلاطون وللمقاربة المثالية للمسألة.
في العصور الوسطى، كان فهم المقولات، مثل الحلول الأخرى للمسائل الفلسفية ذو تلوينٍ لاهوتي. اتخذ فلاسفة المدرسة الواقعية بشكلٍ أو بآخر وجهة نظر أفلاطون عن المقولات باعتبارها جواهر مثالية Ideal مُستقلاً. رفض أنصار الاسمية هذا التفسير وأنكروا أي وجودٍ مستقلٍ للمقولات في الواقع الموضوعي أو في العقل. رفض فلاسفة العصر الجديد (بيكون وهوبز ولوك وآخرون) المفهوم الواقعي لطبيعة المقولات وطوروا مُعالجة أرسطو لها باعتبارها انعكاس شامل لخصائص وصفات الأشياء الفردية. قدّم الماديون الفرنسيون في القرن الثامن عشر (ديدرو وهولباخ وهيلفيتيوس وآخرون) حلاً مُماثلاً للمسألة.
اقترح كانط وجهة نظرٍ مُختلفة حول طبيعة المقولات ورأى أنها ليست انعكاساً لأي جوانب أو روابط في العالم الموضوعي، ولكنها شكل من النشاط الفطري للعقل. يقوم العقل بتحديد محتوى المقولات، وهو، أي العقل، احد سماتها التي تُميزها، ويتم خلقها الى عالم الظواهر عبر الذات في عملية نشاطها المعرفية، والذي- (أي النشاط) يحدث بفضل حقيقة أن (الذات) لديه هذه المقولات في عقله أصلاً.
ان لدى مُحاججة كانط جاذبية عقلانية قوية اذا أخذنا الفرد كذات للادراك، اي العارف. فيما يتعلق بالفرد، فان المقولات هي أشكال من النشاط العقلي الموجودة في ذهنه قبل أداءه أي فعل ادراكي. يُمكن للفرد أن يُفكر ويعرف العالم المُحيط به فقط عندما يتملّك المقولات. بقدر ما يتعلق الأمر بالفرد، فان المقولات موجودة بشكلٍ قبلي قبل أي محاولةٍ منه أن يُدرك أي شيء.
لكن الذات الحقيقي للادراك، اي العارف، هو ليس الفرد، بل المُجتمع. وبعلاقتها مع المُجتمع، لا تكون المقولات شيئاً يسبق الادراك، وليست أشكالاً أولية للنشاط العقلي، ولكنها أشكال من انعكاس الواقع المُكتسبة في عملية النشاط العملي وتطور الادراك على أساس ذلك النشاط. لا يتحدد مُحتوى المقولات من خلال الوعي، بل من خلال الواقع الموضوعي، وهي ليست سِمة مُميزة للوعي، بل انعكاساً لخصائص أشكال الوجود العالمية. انها ليست ذاتية، ولا تقوم الذات بادخالها الى عالم الظواهر، بل يتم استنتاجها من الواقع الموضوعي ويكون التعبير عنها بشكل ذهني.
لقد انتقد هيغل ذاتية التفسير الكانطي لطبيعة المقولات، وفكرة شمولية محتواها المشروطة بالوعي.
على عكس كانط، يُفسّر هيغل طبيعة المقولات من وجهة نظر المثالية الموضوعية. يقول ان المقولات لم تنشأ في عملية انعكاس الواقع في الوعي، ولكن نتيجةً لتطور الأفكار والفكر المحض الموجود بشكل مُستقل عن العالم المادي والأشياء المحسوسة. تكشف الفكرة المُطلفة عن مُحتواها-وتتحول الى الطبيعة، الى العالم المادي- من خلال المقولات التي تتوالد الواحدة تلو الأُخرى. ان الفكرة المُطلقة مُتجسدة في الكيانات المادية، في الأشياء. وهنا، ومن دون أن تكون واعية بذاتها، فانها تخضع لتطورٍ مُعين، وبعد ذلك، بعد أن تنزع عنها شكل الوجود المادي الغريب عنها، تعود مرةً أُخرى الى عُنصرها الروحي الملائم لها، وبعد ذلك، ومن خلال ادراكها للمسار الذي سلكته في عملية تطور المعرفة هذه، تعود الى نفسها، ثم تُوجد الى الأبد في شكل الروح المُطلق.
وهكذا، من وجهة نظر هيغل، فان المقولات هي جواهر مثالية Ideal تُعبّر عن عناصر الفكرة المُطلقة وفي نفس الوقت مراحل في تطورها الدياليكتيكي. ان المقولات كأشكالٍ لنشاط الفكرة الابداعي، هي التي تُحدد جوهر الأشياء المادية التي تتولد منها -اي من المقولات- ويتم اعادة انتاجها في شكلٍ نقي كنتيجة للادراك. بعد أن قدّم هذه الصورة العالمية لدياليكتيك التطور الذاتي لمفهوم المقولات وفهم عدداً كبيراً من قوانين الشاملة الفعلية لتطور الواقع والادراك الموضوعيين، جعل هيغل دياليكتيك المقولات حتمياً وأكثر حسماً وتفوقاً على دياليكتيك الأشياء، مُحولاً هذا الأخير الى حالة خاصة من المنطق.
بعد هيغل يأتي فيلهلم فيندلباند Wilhelm Windelband، الذي كرّس الكثير من الاهتمام لدراسة أشكال المقولات وترابطها في عملية التفكير. برأيه، فان المقولات هي وظائف أولية تركيبية للتفكير، وأشكال تركيبية لنشاط الوعي. بقدر ما هي أشكال ادراكية للترابطات والعلاقات فهي موجودة كمفاهيم وأحكام. على الرغم من أن فندلباند يُقسم المقولات الى مقولات تأسيسية، والتي توجد خارج الفكر وبالاستقلال عنه، ومقولات عاكسة والتي توجد فقط في الفكر ولها قيمة تمثيلية Representational، فان جميع مقولاته في نهاية المطاف مُشتقة من مصدرٍ واحد: النشاط التركيبي للفكر. ان وجهة نظر فنلدباند عن طبيعة المقولات، وبتعديلاتٍ مُعنية، تُعيد انتاج المفهوم الكانطي عن المقولات باعتبارها مُجرد أشكال قَبلية a Priori للوعي.
يستنتج شميتز دومون وفيلهلم فوندت Wilhelm Wundt ومجموعة كاملة من الكانطيين الجُدد المقولات من النشاط التركيبي للوعي، مُعلنين أنها أشكال قَبلية a Priori من النشاط الذهني.
يختلف نيكولاي هارتمان Nicolai Hartmann اختلافاً طفيفاً عن عددٍ من الكانطيين الجُدد في فهمه لطبيعة المقولات. انه يُصور العالم على أنه كائن مُتعدد الطبقات Layers، وبأن الوعي هو احدى تلك الطبقات. تتعامل فلسفته مع المقولات على أنها خصائص يجب فرزها من من طبقات الوجود الأُخرى. يقول: "كل الفروق الأساسية بين مجالات كل ما يوجد مثل المراحل والطبقات، وما هو عام داخل الطبقات وترابط علاقاتها... يأخذ شكل المقولات"(2). تلعب مقولات هارتمان الموجودة خارج الوعي البشري بشكلٍ مستقل، دوراً في الأشكال العالمية للوجود والتي تتمايز تبعاً لطبقات الوجود المُختلفة، وتُشكل ايضاً مجالاً خاصاً يقع في قاع الوجود، أي تكمن في أساسه.
تجنب هارتمان، من خلال تجاهل المسألة الأساسية في الفلسلفة، ضرورة ربط المقولات كتشكيلات مثالية Ideal بالعالم المادي. انها توجد، في فلسفته، على نفس مستوى الأشكال المادية، ولا توجد فقط في أساس هذه الأشكال، بل أنها هي-أي المقولات- هي التي تؤسس المبدأ الذي يربط جميع هذه الأشكال.هناك نزعة مثالية ملحوظة في مُعالجة هارتمان للمسألة.
يجد المرء اعترافاً أوضح بالوجود المُستقل للمقولات كجواهر مثالية Ideal خاصة شاملة في أعمال الفيلسوف الانجليزي الواقعي جورج ادوارد مور George Edward Moore. من وجهة نظره، فان أنواع المكونات الثلاثة للكون هي: 1- التفاصيل، أي الأشياء المحسوسة. 2- الحقيقة والحقائق Truths and Facts و3- الكُليّات(3). انه ينتقد بشكلٍ خاص وجهة النظر القائلة بأنه لا توجد سوى أشياء حسية مُنفصلة وبأن الكُليات هي نتاج النشاط الذهني. وهو يعتقد أن هذا الرأي نشأ من خلال الاستخدام المُبهم لكلمات "فكرة" و "المفهوم" و"الفكر" و"التجريد"، والتي نُطبقها على حدٍ سواء على كلٍ من أفعال الذهن والأشياء. يُتابع فيقول، أنه من الواضح أن كُل الكُليات هي بمعنى "تجريدات"، انها أشياء "مُجردة". "... يبدو أن العديد من الفلاسفة يفترضون أنه عندما تُطلق على شيءٍ ما (تجريداً)، فان هذا يعني أنك تُشير ضمنياً الى أنه... نتاج للعقل". يعتبر مور هذا خطأً فادحاً. يُكمل: "هناك بالطبع، عملية نفسية تُسمى "التجريد"، اي تلك العملية التي نُدرك من خلالها الكُليات، ان وعينا بها هو نتاج العملية، وليس الكُليات نفسها"(4).
ان موقف مور الواقعي في تحديد طبيعة المقولات واضح تماماً. بالنسبة له، فان المقولات، مثل أي حقيقة Truth لا توجد في وعي الناس، ولكن في الواقع الموضوعي، جنباً الى جنب مع الأشياء المادية، والانسان لا يخلقها في عملية تطوير المعرفة، بل يستوعبها فقط.
ان فكرة المقولات التي طورها كارل بوبر قريبة من فكرة مور. يفترض بوبر وجود ثلاثة عوالم: 1- العالم الفيزيقي. 2- العالم الذهني للفرد المُحدد. 3- عالم المعقولات أو الأفكار(5). لا يشمل عالم بوبر الثالث المفاهيم الشاملة وحسب، بل يشمل أيضاً الأحكام والنظريات. يُجادل بأن الأشياء التي تنتمي الى العالم الثالث، الأشكال الموضوعية والأفكار، غالباً ما تُعتَبر أفكار ذاتية تنتمي بالأصل الى العالم الثاني. هذه، بحسب بوبر، وجهة نظر خاطئة بشدة. ان الجواهر المثالية Ideal الشاملة موضوعية، وهي موجودة خارج العقل البشري ومُستقلةً عنه وتُشكل عالماً خاصاً.
تُعد حُجج بوبر هذه تنويعةً للمفهوم الأفلاطوني عن طبيعة المقولات، ولا يُحاول بوبر نفسه اخفاء هذه العلاقة بين مفهومه ومفهوم أفلاطون: " أنا أتبع مُفسري أفلاطون الذين يؤمنون بأن الأشكال والأفكار التي يتحدث عنها أفلاطون مُختلفة انطولوجياً ليس فقط عن الأجساد والعقول، بل أيضاً عن (أفكار العقل)، أي عن التجارب الواعية أو اللاواعية: تُشكّل الأشكال او الأفكار بمعناها الأفلاطوني عالماً ثالثاً فريداً من نوعه. من المُسلّم به أنها أشياء افتراضية او مُحتملة للفكر- أشياء واعية وذكية، انها موضوعية مثل الأشياء الفيزيقية والمرئية"(6).
على النقيض من النظرة الواقعية لطبيعة المقولات، فان أعمال عدد من الوضعيين، لا سيما اللغويين قد طوّرت وجهة نظر اسمية مُعاكسة تماماً. يُمكن الاستشهاد بحُجج ستيوارت تشيس Stuart Chase ووالبول Walpole كمثال على المُعالجة الاسمية المُتطرفة لطبيعة المقولات.
مثل بوبر ومور، بدأ تشيس فحصنه للمسألة بمحاولة تفسير الخلط بين الأفكار الناشئة في الوعي البشري والأشياء الموجودة بشكلٍ موضوعي، وتبيان السبب بأنه استخدام خاطئ للمفاهيم العامة والتجريدات. ولكن على النقيض من مور وبوبر، فانه يتوصل الى نتيجة مُعاكسة تماماً. في حين أن وجهة النظر الأولى التي تنطلق من حقيقة أن الناس لديهم عادة خلط بين مُنتجات النشاط الذهني، أي الصور المثالية Ideal التي تنشأ في وعيهم مع نواياهم، تستخلص من هذا، الاستنتاج القائل بأن الناس يُنكرون بالخطأ الوجود الموضوعي للكُليّات، فان تشيس، يستنتج من هذه الحقيقة فكرة أن الناس ميالين الى الخلط بين الوجود الموضوعي، ورموزه، أي الكلمات. يقول "نحن نخلط باستمرار بين التسمية والشيء، ومن ثم نُعطي أولويةً كاذبةً للكلمة، كشيء حي يُطالب بوجوده"(7). ان هذه الفكرة، كما يؤكد تشيس، هي التي تجعل الناس يعتقدون أن المفاهيم العامة المُجردة مثل "الحرية" و"العدالة" و"الأبدي" كياناتٍ حية تتنفس، بينما في الواقع الموضوعي لا توجد سوى أشياء وظواهر فردية، لا يوجد، ولا يُمكن أن يوجد، أي شيء مثل تلك الجواهر العامة(8).
وهكذا يُمكننا أن نفرز في تاريخ تطور الفكر الفلسفي الاتجاهات التالية حول مسألة المقولات: يعتقد بعض الفلاسفة أن المقولات توجد خارج الوعي البشري ومُستقلةً عنه في شكل جواهر مثالية Ideal خاصة (المدرسة الواقعية). يُعلن الاتجاه الثاني أنها خيالية وليست الا مُجرد كلمات لا تُعبّر عن اي شيء (المدرسة الاسمية)، ويُعاملها الاتجاه الثالث كأشكال للنشاط الذهني الموجودة بشكل قَبلي a Priori في الوعي الانساني (المدرسة الكانطية)، اما الاتجاه الرابع فهو ينظر الى المقولات على أنها صور مثالية Ideal تشكّلت في عملية تطور معرفة الواقع الموضوعي وتعكس الجوانب العالمية والصلات المُتوافقة مع الأشياء المادية (أرسطو، لوك، الماديون الفرنسيون في القرن الثامن عشر).
ان المادية الدياليكتيكية هي تطوير للمفهوم الرابع.
اعتبر مؤسسي المادية الدياليكتيكية المقولات، مثل ماديي ما قبل الماركسية، صوراً مثاليةً Ideal تعكس جوانب وصلات وعلاقات العالم المادي. على عكس أسلافهم الذين أكدوا أن مُحتوى هذه الصور يتطابق بشكلٍ مُباشرٍ مع خصائص وصلات وعلاقات العالم المادي، نظر ماركس وانجلز ولينين الى هذه الصور على أنها نتاج النشاط الابداعي للذات في سياق فصله ما هو عام عن ما هو فردي، آخذاً أكثر خصائص المواضيع جوهريةً وضرورية، وعرضها في شكلٍ نقي. وهكذا فان الصور المثالية Ideal التي تُمثل محتوى هذه المقولة أو تلك ووحدة الذاتي والموضوعي لا تتطابق بشكلٍ مُباشرٍ مع الظاهرة، أي مع ما يكمن على سطح الأشياء والعمليات. على العكس من ذلك، فهي تختلف اختلافاً جوهرياً عن الظاهرة وقد تتعارض معها، بقدر ما قد لا تتطابق هذه الأخيرة مع جوهرها. يجب أن يتطابق مُحتوى المقولات وأن لا يتطابق الى حدٍ ما مع الظاهرة، ولكن مع الجوهر.

2- الترابط بين المقولات. المقولات كمراحل في تطور الادراك والمُمارسة
ان الكيانات المادية التي توجد من خلالها المادة في أي لحظة مُعطاة، لا توجد بجانب بعضها ببساطة، انها في حالة من التفاعل المُستمر، وتظهر خصائصها من خلال هذه التفاعل وتُظهر نفسها كأجسام أو ظواهر مُحددة ومُتميزة نوعياً، بحيث تنتقل خصائصها الى بعضها البعض في الظروف المُناسبة. وبالتالي، فان جميع ظواهر الواقع مُترابطة بشكلٍ شامل. ولكن في حين أن الظواهر التي تُشكل الحقيقة الموضوعية هي في حالة من الترابط والاعتمادية المُتبادلة الضروريتين، فان المفاهيم التي يعكس الانسان من خلالها هذا الواقع المُحيط في وعيه مُترابطة ومعتمدةً على بعضها بشكلٍ تبادليٍ ومتحركة، وتتحول احداها الى نقيضها في ظروفٍ مُعينة. فقط بهذه الطريقة يُمكنها أن تعكس الحالة الفعلية للأشياء. كتب لينين: "ان المفاهيم الانسانية ليست جامدة، بل هي في حركة دائمة، في انتقال أو مُضي من واحد الى آخر، ينتشر الواحد في الآخر، بدون ذلك ليست انعكاساً للحياة الحية"(9). اذا كان الأمر كذلك، فان دراسة المفاهيم تفترض مُسبقاً الكشف عن ترابطاتها وتحولاتها المُتبادلة، وبناء نظام نظري يُعيد انتاج العلاقات الضرورية لجوانب الموضوع المادي قيد البحث.
تجدر الاشارة في هذا الصدد الى أن ما يُميز دراسة المفاهيم بشكلٍ عام، يُشير، بشكلٍ طبيعي، الى دراسة المقولات، وهي مفاهيم تعكس الأشكال الشاملة للوجود، وجوانب وصلات الواقع الموضوعي الكُلية. يُمكننا الكشف عن وفرة الأنماط الدياليكتيكية والانتظامات فقط من خلال دراسة المقولات التي تعكسها في ترابطها العضوي وتفاعلها، من خلال وضعها في نظام يكون لكلٍ منها علاقات مُعينة مع الأخرى.
كان أرسطو هو أول من درس علاقة المقولات ونظمنها. لكن تصنيف أرسطو لم يكن قادراً على اعادة انتاج الترابط الفعلي للمقولات لانه كان قائماً بالكامل على مبادئ المنطق الصوري. عيب آخر في تصنيف أرسطو هو أنه لا يشمل جميع المقولات التي كانت معروفةً في ذلك الوقت والتي تمت دراستها من قِبَل أرسطو نفسه.
بعد فترةٍ طويلةٍ من ظهور أرسطو، جاء كانط، الذي ركّز أيضاً على تحليل الترابط بين المقولات. لكن عانى تصنيفه من أوجه قصورٍ مُماثلة لانه استند على نفس مبادئ المنطق الشكلي. تم وضع المقولات في مجموعات ليس وفقاً لمكانها المُحدد تاريخياً في حركة المعرفة، ولكن على أساس سماتها المُشتركة. بالاضافة الى ذلك، لم يُدرج كانط مثل أرسطو بأي حالٍ من الأحوال جميع المقولات الموجودة.
استخدم كانط تصنيف أرسطو للمقولات، ولكن على عكس سَلَفه، جعلها تعتمد جُزئياً على مراحل تطور المعرفة وسعى لاظهار أن هناك مقولات تتوافق مع كل مرحلة حدّدها. وهكذا، على سبيل المثال، وفقاً لكانط، فان مقولات الزمان والمكان متأصلة في مرحلة الادراك الحسي للظواهر، في حين أن مقولات الكم والنوع والعلاقة والنمطية هي مقولات تتوافق مع التفكير العقلاني.
تم التعامل مع مسألة المقولات بشكلٍ شاملٍ لأول مرة في فلسفة هيغل، الذي انتقد المفهوم الكانطي للمقولات ولا سيما نزعته الذاتية. لكن في حين انتقد ذاتية كانط، فَشِلَ في تقديم حل صحيح للمسألة. لم ينتقد كانط لمثاليته وليس لانه استنتج الكُلّي والضروري والقانوني من الوعي، ولكن لانه لم يكن قادراً على الثبات على هذا الموقف باستمرار، ولعدم اتساقه، ولانه توقف في منتصف الطريق وجعل قوانين الوعي والفكر قابلة للتطبيق فقط على الظواهر وليس على العالم ككلية، اي ليس على الشيء بذاته. بعبارةٍ أُخرى، استند نقد هيغل لكانط على مواقف مثالية.
على نفس الأساس، يبني هيغل حله للمسألة، لكن بينما يوضح الترابط بين المقولات في اطار اجابة مثالية على السؤال الأساسي للفلسفة، يبني نظام المقولات الخاص به على أساس المبادئ الدياليكتيكية. انه يعرض المقولات في حركتها وتطورها وتحولاتها المُتبادلة. يُنظر اليها في فلسفته على أنها لحظات أو مراحل في تطور فكرة موجودة خارج الانسان والعالم المادي. لذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أنه على الرغم من عبقريته وقدرته على ادراك الطبيعة الفعلية للأشياء، فقد اضطر في كثير ٍ من الأحيان، لدن اتباعه مبادئه المثالية وتحقيقها، أن يُناقض الواقع. ومع ذلك، فقد نجح في اعادة انتاج عدد من القوانين الشاملة وروابط الواقع الأكثر عُمقاً في نظامه الخاص، المُتناقض، حول المقولات.
تَلَقّت مسألة الترابط بين المقولات مُعالجة مادية وعلمية ثابتة فقط في الفلسفة الماركسية. تعامل ماركس مع جوانبها السياسية والاقتصادية في رأس المال، وعَمِلَ لينين على الجانب الفلسفي في (الدفاتر الفلسفية).
على عكس هيغل، الذي اعتبر المقولات على أنها لحظات تطور للفكرة في وجودها ما قبل الطبيعي واستنتج الترابط بينها من النشاط الابداعي للفكر، اعتبر لينين المقولات أشكالاً شاملة من انعكاس الواقع ومراحل في تطور الادراك الاجتماعي والممارسة. وفقاً للينين، ترتبط كل مقولة بمرحلة مُحددة بدقة من تطور الادراك. من خلال تسجيلها الخصائص الشاملة والصلات التي اكتشفها الوعي في مرحلة مُعينة من تطوره، تعكس المقولات السمات المُميزة لهذه المرحلة وتُشكل الارتباطات الأساسية لتفوق الانسان على الطبيعة وادراكه لها. بمعنىً آخر، المقولات، في عكسها للجوانب الكُلية والصلات الشاملة للعالم الخارجي، هي في نفس الوقت مراحل في تطور الادراك ولحظات تُسجل انتقال الادراك من مراحل مُعينة من التطور الى مراحل أُخرى. كتب لينين: "أمام الانسان، توجد شبكة من الظاهرات الطبيعية. الانسان الغريزي، الهمجي، لا يتحرر من الطبيعة. الانسان الواعي يتحرر منها. المقولات هي درجات هذا التحرر، أي درجات معرفة الكون-نقاط عقدية في الشبكة تُتيح معرفتها والسيطرة عليها"(10).
وهكذا يستنتج لينين الترابط بين المقولات من انتظامات الوجود والادراك. انه يعتقد بأن العلاقة بينها، تعكس ارتباطات الجوانب الكُلية وعلاقات الواقع، وتُعبّر عن الحركة الضرورية للمعرفة من المراحل الأدنى الى المراحل الأعلى.
وفقاً للينين، فان ظهور أي مقولة جديدة مرهون بالضرورة بمسار تطور الادراك. يبدو أن المعرفة، التي تتغلغل بشكلٍ أعمق في عالم الظواهر، تكشف عن جوانب كُلية وروابط جديدة لا تتناسب مع المقولات الموجودة، وبالتالي يتطلب فهم هذه الجوانب والروابط الجديدة مقولات جديدة اذا كان يجب التعبير عنها وتأسيسها بشكلٍ صحيح.
الآن دعونا نتتبع بشكلٍ عام كيفية تسلسل ادراك الانسان لجوانب وصلات العالم الكُلية من حوله، وفي نفس الوقت حركة الادراك من مقولةٍ الى أُخرى.
على عكس الحيوان الذي يتصرف وفقاً لغرائزه وعاداته التي تشكلت على أساس ردود الفعل المشروطة، والذي لا يُميز نفسه عن بيئته، يبدأ الانسان باكتساب الوعي في تمييز نفسه عن بيئته، ليُصبح مُدركاً لطريقته الخاصة في الحياة كشيء مُختلف عن العالم الخارجي. بعد أن يُصبح الانسان مُدركاً لوجوده ووجود العالم الخارجي، يُصبح مُدركاً لانفصاله، لتميزه، بنفس الطريقة التي يُصبح فيها مُدركاً لانفصال وتميز موضوعات العالم الخارجي. للتعبير عن انفصال وتميّز وجوده هذا، يظهر عن الانسان مفهوم (المُنفصل)، الشيء أو الظاهرة المُنفصلة.
الى جانب ادراكه لانفصاله ولدرجة مُعينة من استقلاله، يُدرك الانسان أيضاً ارتباطه بالعالم الخارجي وعلاقات أشياء هذا العالم فيما بينها. بصفته كائناً حياً، يجب أن يأكل ويشرب وأن يكون له مكان يعيش فيه ويُدافع عن نفسه ضد الأعداء وما الى ذلك. ان اشباع هذه الحاجات وغيرها يفترض (ارتباطه) العضوي بالعالم الخارجي واستخدام أشياء طبيعية مُعينة.
لكن الترابط العضوي بين الأشياء يستلزم (تفاعلها) وفي نفس الوقت تحدث عمليات تغير مُعينة، أي الحركة. نظراً لان الترابط يرتبط عضوياً بالحركة، فان الانسان عندما يُدرك الترابط بين الأشياء يُدرك حتماً أن هذه الأشياء (تتغير)، أي في حالة (حركة).
في هذه المرحلة نفسها من الادراك، يُصبح الانسان أيضاً مُدركاً لعلاقات المكان والزمان. ان عليه أن يأخذ بعين الاعتبار هذه العلاقات في كل حركةٍ له، في كل فعلٍ عملي. انه يواجه حتماً علاقات (المكان) والامتداد عما اذا كان يصطاد أو يصيد السمك أو يربي الماشي أو يزرع المحاصيل. انه عليه أن يتعامل مع المناطق والمسافات والارتفاعات والأعماق وامتداد الحركة الى اليمين أو اليسار أو للامام أو الخلف. أنه يُدرك باستمارا الخصائص المكانية ويأخذها في الاعتبار في حياته اليومية ونشاطه.
من خلال تحويل أشياء وظواهر الطبيعة الى وسائل للوجود في عملية العمل، يكتشف الانسان أيضاً ميزة امتداد التغيّر وكذلك حالة الأشياء المُعطاة وحالاتها السابقة واللاحقة ويُلاحظ اختلافها، وهكذا يتعلم تدريجياً كيفية التمييز بين الماضي والحاضر والمُستقبل-(الزمان).
بالتوازي مع انتقال المعرفة من ادراكٍ للأشياء المُنفصلة (الظواهر والموضوعات المُنفصلة) الى ادراك الترابط والحركة والمكان والزمان، يُصبح الانسان أيضاً مُدركاً لعناصر العالم الشاملة مثل الفردي والعام. ان كل شيء مُنفرد، مُنفصل يُصادفه الانسان لأول مرة في نشاطه العملي يُنظر اليه على أنه شيء فريد. اذا كان هذا الشيء قادراً على تلبية بعض الاحتياجات البشرية، فانه يبرز الى المُقدمة، وبوجود أشياء أُخرى قادرة على تلبية نفس الحاجة، يحدث انتقال (سواءاً في الممارسة أو في العقل) من هذا الشيء الواحد-(الفردي)، أي من شيءٍ واحدٍ الى عدة أشياء. وتؤدي المقارنة فيما بينها سواءاً في العقل أو في الممارسة الى الكشف عن أوجه التشابه-(الوحدة) بينها، والتي على أساسها، أي على أساس هذا التشابه والوحدة، تظهر الأفكار العامة، وبالتالي المفاهيم العامة.
في نفس المرحلة من تطور الوعي، يُصبح الانسان مُدركاً للنوع والكم. عندما يُدرك شيئاً مُنفصلاً كشيء فردي ويُحاول معرفة ماهيته، فانه يُفكر فيه من جانبه (النوعي). نظراً لان الشيء يُنظر له على هذا النحو، بذاته، دون أي علاقة بأشياءٍ أُخرى، فان كميته لا يُمكن تمييزها، وفي الواقع تندمج الكمية بالنوعية-أي بالماهية. أي عندما يبدأ الادراك بالانتقال من شيء واحد الى أشياء عدة، وفي أثناء المُقارنة بينها، يثبت التشابه والفروق بينها، حينها تبدأ بعض الخصائص الكمية بالظهور. يتم فرز كل خاصة وكل ميزة كما تظهر للانسان. الى جانب ماهيته-أي نوعه، فان هذه الميزات والخصائص التي تم فرزها تكشف حجمه ودرجة تمظهره وانتشاره، بكلمة أُخرى، تكشف (كميته).
عندما عرف الانسان الكم والنوع لأول مرة، لم يكن يعرف ارتباطهما. لقد بدتا مُستقلتين عن بعضهما البعض. ولكن عندما أصبحت المعرفة أكثر عُمقاً، أدرك الناس أن الخصائص الكمية والنوعية المُنفصلة مُترابطة. في هذه المرحلة، بدأوا في اكتشاف علاقة عضوية بين الجوانب الكمية والنوعية. يُلاحظون أن كميةً مُعنية تتوافق فقط مع نوعٍ مُحددٍ بدقة، والعكس صحيح، بالنسبة لأي نوعٍ مُعين، هناك كمية مُحددة بدقة.
عندما يصير الناس على معرفة بالترابط بين الجوانب النوعية المُنفصلة والخصائص الكمية للأشياء، يبدأون بادراك أن التغيرات في جانبٍ أو ظاهرة ما يُسبب تغيراتٍ في جانبٍ أو ظاهرةٍ أُخرى. لكن ما يولّد شيء آخر، هو سببه، وما ينشأ هو النتيجة. وهكذا، فان معرفة الترابط بين الجوانب النوعية والكمية المُنفصلة يقود الانسان الى اكتشاف (السببية) وفي نفس الوقت الحاجة الى صياغة مقولة (السبب والنتيجة).
عندما يبدأ الناس بالبحث عن روابط السبب والنتيجة التي اكتشفوها، يُدرك الناس انهما مُرتبطين ارتباطاً وثيقاً ولا يمكن لأحدهما أن يوجد بدون الآخر، واذا حدث أحدهما يجب أن يحدث الآخر أيضاً. بعبارةٍ أُخرى، يكتشفون عنصر (الضرورة) في هذا الصدد.
وهكذا، يُدرك الناس أولاً الضرورة كخاصية للعلاقة بين السبب والنتيحة. لكن في سياق المزيد من تطور الادراك، يتم صقل مفهوم الضرورة وتوسيعه. ليس فقط الروابط السببية ولكن أي روابط لا بد أن تحدث في ظروفٍ مُعينة، أي جوانب أو خصائص متأصلة في الكيانات المادية قيد البحث، تُعتَبَر ضرورية.
غالباً ما يتم ذكر الروابط الضرورية المُكتشفة في سياق تطور المعرفة في العلم على شكل قوانين، أي أن الناس يُصبحون على درايةٍ بها من خلال مقولة القانون، التي تُشير وتعكس الروابط والعلاقات العامة الضرورية والمُستقرة.
بالتوازي مع حركة الادراك من السببية الى الضرورة والقانون، هناك انتقال الى مقولات المُحتوى والشكل. يأتي هذا الانتقال لان الادراك لا يتوقف عند اكتشاف علاقات سببية مُنفصلة، ولكنه ينتقل من ارتباط سببي الى آخر، ومن تفسيرٍ لخاصية كيان مادي مُعين الى آخر. ويتم هذا الانتقال من سببٍ الى آخر تحت ضغط النشاط العملي الذي يتطلب تطوره الضروري معرفةً أكمل بأشياء العالم الخارجي. عندما تتراكم معرفة الروابط السببية المُتعلقة بأي مجالٍ مُعينٍ من المعرفة، نشعر بالحاجة الى مقولةٍ جديدة، مقولة (المُحتوى)، والتي تُشير الى مجموع التفاعلات والتغيرات التي تُسببها في أي شيءٍ ماديٍ مُعين. ولكن عند ادراك هذه التفاعلات والتغيرات اللاحقة، فاننا خطوةً بخطوة نستوعب ونُعيد انتاج الوسائل الداخلية ثم الخارجية لتوحيد عناصر المُحتوى في وعينا، وهي البُنية المُستقرة نسبياً التي تحدث فيها جميع التفاعلات والتغيرات المتأصلة في الشيء المادي، أي (شكله).
ان اكتشاف التمييز بين الضرورة والصدفة وصياغة قوانين مُعينة لا يكفي لأن نعرف الشيء ككل. بغض النظر عن عدد الجوانب والصلات التي نتعرف عليها، لا يُمكنها اعطاءنا الصورة الكاملة لانها لا يُمكن أن تكون أبداً أكثر من المجموع الميكانيكي لجوانب الشيء المادي المُنفصلة. لكن الشيء المادي ليس مُجرد مجموع جوانبه، انه كُلٌ عضوي، انه الوحدة الدياليكتيكية لهذه الجوانب. لذلك يُصبح من الضروري توحيد كل هذه الجوانب والصلات في كلٍ والاستدلال عليها من مبدأ واحد. ان اعادة انتاج وعي الانسان لجميع جوانب وقوانين الموضوع الضرورية في ترابطها الطبيعي هو ادراك (الجوهر).
يبدأ التحرك نحو الجوهر باكتشاف الجوانب الحاسمة والعلاقات الأساسية-(الأساسي). تُحدد هذه الجوانب والعلاقات تشكيل ووظيفة واتجاه تغير وتطور كل الجوانب الأخرى للشيء المادي المُحدد. لذلك، اذا أتخذنا تلك العلاقات الأساسية كنقطة انطلاق لنا، فنحن قادرون خطوةً بخطوة على اعادة انتاج الترابط بين الجوانب الأخرى-(الثانوية)- في الوعي البشري أيضاً وتحديد مكان ودور وأهمية كلٍ منها.
ولكن للقيام بذلك، يجب فحص الجوانب الأساسية (العلاقات) والشيء المادي نفسه في أصله وتطوره، الأمر الذي يستلزم بدوره اكتشاف مصدر التطور والقوة الدافعة التي تدفع الشيء الى الأمام لتحديد تحولاته من مرحلة تطور مُعينة الى أُخرى. ان مصدر التطور هذا هو التناقض، ووحدة وصراع الجوانب والميول المُتناقضة في كل الظواهر وسيرورات الواقع.
وهكذا، فان تطور المعرفة يقودنا الى ضرورة اكتشاف التناقضات، أي الجوانب المُتقابلة والميول المتأصلة في الأشياء والظواهر. عندما اكتشفنا التناقضات في القاعدة وتتبعنا تطورها والتغيرات التي تُسببها في جوانب أُخرى من الشيء أو الظاهرة ككل، فاننا سنُلاحظ حتماً أن التطور يحدث من خلال نفي بعض الحالات النوعية لحالاتٍ أًخرى، واحتفاظها منها بما هو ايجابي أو مُهم، ويسير تكرار العملية على أسس جديدة أعلى.
من خلال اعادة انتاج جوهر أي شيء في وعينا، يُمكننا الحُكم ليس فقط على ماهيته في الوقت الحالي في علاقاته القائمة، ولكن أيضاً كيف سيتفاعل في العلاقات الأُخرى. علاوةً على ذلك، اذا تعملنا كيف نشأ الشيء، وما هي المراحل الأساسية التي مرّ بها في تطوره، فيمكننا أن نتنبأ على هذا الأساس بما سيصير عليه في المُستقبل في ظروفٍ أُخرى. بعبارةٍ أُخرى، اذا اكتشفنا جوهر الشيء فنحن قادرون حينها على الحُكم على حالاته (المُمكنة) وكذلك (الفعلية-الواقعية القائمة). وهنا تأتي الحاجة الى التمييز بين الفعلي والمُمكن-الواقع والامكان.
يُمكن تتبع نمط تطور الادراك من مقولةٍ الى أُخرى في تقدم المعرفة العلمية. نظراً لان المقولات هي مراحل ضرورية في تطور المعرفة الاجتماعية، فان الانتقال من مقولة الى أُخرى لا بُد أن يتمظهر في أي مجالٍ من مجالات المعرفة.
على سبيل المثال، من تاريخ معرفتنا بالظواهر الكهربائية، نعلم أنه في العصور القديمة تم اكتشاف الكهرمان في شكل أشياء موجودة بشكلٍ مُنفصل. عندما بدأ الحِرَفيون في تشكيله وصياغته، لوحِظَ انه كان قادراً على جذب أشياء أُخرى عند حكه. كانت هذه في البداية عبارة عن مجموعة من المُلاحظات الناتجة عن حالاتٍ فردية عندما كان يتم تلميع الكهرمان. ومع تكرار الظاهرة، نشأت فكرة عامة عن الكهرمان كمادة ينتج عن احتكاكه خصائص كهربائية. ارتبط التاريخ اللاحق لتطور مفهوم الكهرباء باكتشاف المزيد من الأجسام التي تُظهر خصائصاً كهربائية عند تعرّضها للتلميع، وبالتالي تراكم المزيد والمزيد من المفاهيم العامة عن الكهرباء. اكتشف العالم الانجليزي ويليام جيلبرت William Gilbert في نهاية القرن السادس عشر هذه الخاصية في الماس والياقوت الأزرق sapphires والجمشت amethysts والكريستال الصخري والكبريت والراتنج Resin ومواد أُخرى.
واتضح لاحقاً أن القُدرة على جذب أجسام أُخرى أخف وزرناً تعود الى جميع المواد غير الموصلة للكهرباء. في بداية القرن الثامن عشر (عام 1729)، استنتج الفيزيائي الانجليزي ستيفين غراي Stephen Gray من عدد من تجاربه الكهربائية أنه حتى الأجسام الموصلة للكهرباء تمتلك هذه الخاصية. لقد أثبت انه اذا تم وضع هذه الأجسام على حاملٍ معزول، فانه يمكن أن يتم كهربتها عن طريق الاحتكاك.
في سياق هذه الأبحاث تم ايضاً اكتشاف الخصائص النوعية والكمية للظواهر الكهربائية. بعد كل شيء، بمجرد اكتشاف الخاصية الفريدة غير المعروفة التي يمتلكها الكهرمان المصقول في جذب الأجسام الأُخرى، كان من الطبيعي بما يكفي مُحاولة اكتشاف ماهية هذه الظاهرة على وجه الخصوص، أي تفسير جانبها النوعي. لهذا الغرض تمت مُقارنتها بظواهر أُخرى. في عام 1600، على سبيل المثال، لاحظ غيلبيرت، بمقارنة الظواهر الكهربائية والمغناطيسية، أن الكهرباء يمكن أن تَنتُج عن طريق الاحتكاك، وأنها يُمكن أن تتلاشى بالاتصال مع أجسام مُعينة، وما الى ذلك. بعد ذلك بقليل، في عام 1672، أثبت اوتو فون غوريك Otto von Guericke انه بالاضافة الى الجذب الكهربائي، هناك ايضاً تنافراً كهربائياً. في عام 1729 استنتج غراي من سلسلة من التجارب الكهربائية أن جميع الأجسام يُمكن تقسيمها الى موصلات وعوازل.
أثبت تشارلز دو فاي Charles Du Fay عام 1730 أن الكهرباء ليست مُتجانسة نوعياً، وأن هناك نوعين من الكهرباء. في عام 1749، اكتشف بينجامين فرانكلين Benjamin Franklin عندما يتم كهربة الأجسام، يظهر نوعي الكهرباء فيها دائماً بكميات متساوية. بعد بعض سنوات، أظهر John Canton قدرة الجسم الموضوع على حامل معزول على امتصاص الكهرباء عند وضع جسم مشحون بالقرب منه. وهكذا، من خلال اكتشاف خصائص الكهرباء خطوةً بخطوة، توصل العلماء الى صورة كاملة أكثر من أي وقتٍ مضى حول نوعيتها.
بعد التركيز على الجوانب النوعية للظواهر الكهربائية، بدأوا بالاهتمام بجانبها الكمي، أي في اكتشاف الحصائص الكمية لهذه الظواهر. شكلّت هذه الأبحاث التي بدأت مع تشارلز كولوم Charles Coulomb (أو بالأحرى هنري كافينديش Henry Cavendish، على الرغم من أن عمله غير معروف لمعاصريه) والتي بلغت ذروتها في اكتشافات مايكل فاراديMichael Faraday، شكلّت حُقبةً كاملةً في تطوير مفاهيم الكهرباء. تم اكتشاف عدد كبير من القوانين المُتعلقة بجوانب مُختلفة من الظواهر الكهربائية.
مع تراكم المعرفة بالجوانب والصلات (القوانين) الضرورية المُنفصلة بين الظواهر الفيزيائية المُختلفة، جرت مُحاولات لمعرفة الطريقة التي تعتمد بها هذه القوانين على بعضها البعض وتوحيدها في نوعٍ من النظرية الموحدة، أي لتقديمها على أنها نظام مفاهيمي يتعامل مع جوهر الكهرباء. تتضح هذه المرحلة من خلال الفترة التي طور فيها جيمس ماكسويل James Maxwell نظريته عن المغناطيسية. مع اكتشاف الالكترون سالب الشُحنة والبروتون موجب الشحنة، أصبحت الذرة تُتعبر كياناً مادياً يتكون من أعداد متساوية من الالكترونات والبروتونات. ان اكتشاف الالكترون كمُكون لذرات أي مادة يُخبرنا عن سبب كون بعض الأجسام موصلة للكهرباء وبعضها غير موصلة. تكمن الاجابة في بُنية الغلاف الالكتروني للذرات. بمجرد فهم التركيب الالكتروني للمادة، صار من المُمكن تفسير ظواهر كهربائية مثل التيار الجلفاني (أو التيار المُستمر) -dir-ect Current والكهرباء الحرارية، وما الى ذلك. تبيّن أن الالكترون هو الأساس والعنصر الأساسي الذي يُمكن من خلاله تفسير العديد من الظواهر الكهربائية، واظهارها كوحدة موحدة ومُترابطة، كسلسلة موحدة من مظاهر الطبيعة الالكترونية للمادة.
وهكذا فان تطور معرفة الكهرباء يُظهر أن المعرفة في شكلها الأولي تبدأ باكتشاف بعض الظواهر المُنفصلة. تُعتَبَر هذه الظاهرة المُنفصلة في البداية شيئاً فريداً، لكن المُقارنة مع الظواهر الأُخرى (الأشياء) تكشف عن ما هو عام، وبالتالي تحدث الحركة من الأقل عموميةً الى الأكثر عمومية، الى الشامل، الكُلّي.
يتوافق تسلسل ادراك أشكال الوجود الشاملة وخصائص الواقع وترابطاته الكُلية في مجال الظواهر الكهربائية بشكلٍ أساسي مع علاقتها كمراحل في تطور الادراك الاجتماعي.
تأتي معرفة الأشكال الكُلية للوجود في سياق النشاط العملي، في عملية التحويل الهادف للواقع. لا يتم التعبير عن هذه الخصائص والعلاقات الكُلية فقط في الصور والمفاهيم المثالية Ideal التي تنشأ في سياق تطور المعرفة، ولكن أيضاً من خلال الأدوات التي يصنعها الناس والأشكال التي يفترضها نشاطهم. وهكذا، لا تنعكس، في تشكّل هذه المقولة أو تلك، الطبيعة المُحددة لمرحلة تطور المعرفة وحسب، ولكن أيضاً السمات المُميزة لأشكال نشاط الناس السائدة في تلك الفترة من التطور التاريخي للمُجتمع، وشكل علاقاتهم مع بعضهم البعض وعلاقتهم بالطبيعة. على سبيل المثال، كان الترابط والتفاعل والتغير- (الحركة)- التي أصبح الانسان مُدركاً لها كأشكال شاملة للوجود في المراحل الأولى من تطور المعرفة هي العناصر الضرورية للعمل، والذي يُمكن تعريفه على أنه التحويل الهادف لأشياء الطبيعة الى وسيلة للعيش من خلال الأدوات. هذه العملية لا يُمكن القيام بها دون ادراك للتفاعلات والروابط القائمة المُحيطة، لا يمكن القيام بها دون وعي ماهية التغير.
يهدف نشاط العمل الى تغيير الشيء أو الظاهرة الطبيعية من خلال التأثير عليه بشيءٍ آخر (أداة العمل)، أي بوضع هذه الأشياء في علاقة مُعينة مع بعضها البعض. في عملية العمل، من خلال وضع الأشياء في علاقة مُختلفة عما هي موجودة في علاقاتها في الحالة الطبيعية وجعلها تتفاعل، ينجح الانسان في تغييرها بالطريقة التي يحتاجها. وأثناء قيامه بذلك، وبمراقبته ما يحصل آلاف الملايين من المرات، يتوصل حتماً الى استنتاج مفاده أن كل شيء في بيئته هو في حالة من التفاعل والترابط. في الواقع، هذا الظرف بالذات- اعتقاده بأن أشياء العالم الخارجي كلها في حالة من الترابط والتفاعل وامكانية تغيرها- هي التي وفرت احدى الشروط الضرورية للتنظيم الواعي ومزيد من تطور الانتاجية. لو كان المرء لا يعرف أو لم يكن مُقتنعاً بامكانية تغير الأشياء من حوله، فلن يُحاول مُمارسة أي تأثير عليها، ولن يُنظم أي نوعٍ من الانتاج. ان حقيقة أداء الانتاج وتطوره بين القدماء تشهد على حقيقة أنهم كانوا على دراية بقدرة أشياء العالم الخارجي على التغير نتيجة تفاعلها، وأيضاً انهم استخدموا هذه المعرفة في عملهم بنجاح. ويتضح هذا أيضاً من خلال تطور التكنيك. على سبيل المثال، استندت الطُرق الأولى في اشعال النار على حك شيء بشيء آخر، واعتمدت الأجهزة الكهربائية الأولى على الترابط والتفاعل.
يُمكن العثور على مثال لتأثير النشاط العملي، وخاصةً أشكال العلاقة بين الناس التي ترسخت في المُجتمع، وتطور المقولات، في الطريقة التي أثبت بها هرقليطس الترابط الشامل والحركة على أساس وحدة (أو شمولية) الطبيعة الأولية لكل ما هو موجود. لقد جادل بأن جميع الظواهر التي يُمكن ملاحظتها في العالم مُترابطة وتتداخل مع بعضها البعض لان لها طبيعةً واحدة-النار. استخدم هيراقليطس النار كمُبادل لعلاقات السلعة-المال الموجودة في مُجتمع عصره والدور الخاص للذهب في هذه العلاقات. كتب "كل الأشياء تُستبدل بالنار، وتُستَبدل النار بكل شيء، كما تُستبدل البضاعة بالذهب والذهب بالبضاعة"(11).
كان ماركس وانجلز يؤكدان دائماً على اعتمادية تشكّل مقولات الدياليكتيك وعكسها لمُختلف جوانب النشاط العملي. على سبيل المثال، كتب ماركس في توضيحه للعلاقة بين مقولات الفردي والعام بأشكال نشاط البشر: "ولكن ما عسى ان يقول هيغل العجوز اذا سمع في العالم الاخر ان das allgmeine في الالمانية والاسكندنافية القديمة لا تعني شيئاً آخر سوى الارض المشاعة، وان das Sundre, Besondre- لا تعني شيئا سوى الملكية المنفصلة المنتزعة من الارض المشاعة؟ وهكذا فان المقولات المنطقية تبرز جيداً من تعاملاتنا بعد كل شيء"(12).
كل هذا يوضح أن المقولات ليست فقط مراحل في تطور المعرفة ولكن أيضاً مراحل في تطور المُمارسة الاجتماعية للناس، وعلاقاتهم فيما بينهم وعلاقاتهم مع الطبيعة. بصفتها مراحل في تطور الادراك الاجتماعي والممارسة، فان المقولات لا تعكس فقط الأشكال الشاملة للوجود وخصائص وصلات الواقع وقوانينه العالمية وحسب، بل وأيضاً قوانين حركة المعرفة من الأدنى الى الأعلى: "مقولات الفكر ليست أداة للانسان، بل التعبير عن قوانين الطبيعة والانسان"(13).
وفي مكانٍ آخر، نقلاً عن قول هيغل، أن حركة الوعي: "المنطق هو علم الأشكال الخارجية للفكر، بل قوانين تطور (كل الأشياء المادية). أي تطور كلة المحتوى العياني للكون ومعرفته-أي حاصل جمع، حصيلة تاريخ معرفة العالم"(14).
بتشكلها في تسلسلٍ مُحدد في سياق تطور الادراك الاجتماعي، تفترض المقولات الروابط والعلاقات الضرورية، وبالتالي تُشكل بُنية النشاط الذهني والبُنية المنطقية للمعرفة والأشكال العامة لحركة الفكر.
تُصبح الذات، في عملية التعرف على موضوعٍ مُعين، مُدركةً له من خلال شبكة المقولات التي تشكلت في وعيها، وتصنع تركيبة المقولات الخاصة بهذا الموضوع، وبالتالي تكشف عن الخصائص والصلات المُتأصلة في الموضوع، وبعد ذلك، تكتشف الأشكال المُحددة التي تتمظهر من خلالها تلك الصفات في مجالٍ مُعينٍ من الواقع. في نفس الوقت تكشف الذات عن الصفات الكمية والنوعية للموضوع، والصلات السببية المتأصلة فيه وقوانين عمله وتطوره.
من كل هذا، يترتب أن البُنية المقولية، بضمانها حركة الفكر نحو الحقيقة، يتم اختبارها مع كل فعل ادراكي وعملي، مع كل عملية فكرية، ومن خلال هذا التكرار المُستمر واعادة التأكيد في المُمارسة، تُصبح حقيقة مُقررة بدون أن تترك شكاً في عقل اي شخص فيما يتعلق بشموليتها (فائدة التعرف على أي موضوع) وحقيقتها.
يقول لينين: "حين يحاول هيغل-بل أحياناً يكد ويلهث- أن يُخضع الفاعلية الانسانية المنسقة في اتجاه هدف للمقولات المنطقية بقوله أن هذه الفاعلية هي (قياس)، ان الذات (الانسان) تلعب دور لا أعلم الى اي حد في (صورة) القياس المنطقية، الخ- فان هذه ليست لعبة فارغة فقط. ثمة هنا محتوىً عميق جداً ومادي بشكلٍ خالص. يجب أن نقلب: ان فاعلية الانسان العملية كان عليها أن تقود الوعي البشري الى أن يُكرر مليارات المرات شتّى الصور المنطقية، لكي تستطيع هذه الصور أن تكتسب معنى بديهيات. هذا لاحظ جيداً"(15).
وهكذا، فان مقولات الدياليكتيك هي صورة مثالية Ideal تعكس وتُعبر في شكلٍ نقيٍ عن الخصائص الشاملة للأشياء والعلاقة فيما بينها، والأشكال الكُلية الموجودة في الواقع الموضوعي في ترابطٍ عضويٍ مع الفردي والخاص Individual and Particular.
ان المقولات، كنتاجٍ للنشاط المعرفي، تعكس خصائص تلك المراحل من الادراك التي تشكّلت من خلالها، وتشكّل قوانين حركة المعرفة من الأدنى الى الأعلى وقوانين وظيفة وتطور الفكر من خلال العلاقات الضرورية الناتجة بينها.
أخيراً، نظراً لان المقولات مُرتبطة بالممارسة، التي تتجسد في أدوات العمل وأشكال النشاط، فان أشكال الوجود الكُلية والخصائص والعلاقات العامة للأشياء التي تعكسها، هي نظير لما تعكسه المقولات لقوانين وظيفة وتطور النشاط العملي بطريقةٍ أو بأُخرى.

3- العلاقة بين قوانين الدياليكتيك ومقولاته
تشترك القوانين والمقولات في الكثير، وليس من قبيل الصدفة أن يُنكر بعض الفلاسفة أن المقولات هي القوانين الأساسية للدياليكتيك، بينما يعتبر آخرون أن القوانين هي مقولات. لذلك دعونا نُلقي نظرةً عامةً على المسألة.
ان السمة التي تشترك فيها كلٌ من القوانين والمقولات هي أنها تعكس الأشكال الكُلية لوجود المادة، والظروف الشاملة للوجود. ان التناقض والترابط بين الكم والنوع وتكرار المسار الذي تم قطعه على أساس أعلى في سياق نفي بعض العناصر أو الحالات السابقة هي سمات شاملة مثلها مثل السببية والشكل والمحتوى والضرورة وما الى ذلك.
ولكن في اطار السمات المُشتركة بينهما، هناك أيضاً فرق بين قوانين ومقولات الدياليكتيك. تعكس قوانين الدياليكتيك الروابط والعلاقات الشاملة التي تعمل في الطبيعة والمُجتمع والادراك الانساني. الفئات، تعكس، بالاضافة الى ذلك، جوانب وخصائص الواقع. بمعنىً آخر، فان محتوى المقولات أغنى من محتوى القوانين.
على سبيل المثال، يعكس قانون التحول الكمي الى نوعي فقط الترابط بين الكم والنوع.
يعتقد بعض المؤلفين أن المقولات تعكس الجوانب والخصائص فقط، ولكن لا تعكس الترابط بين هذه الجوانب، والتي، كما يؤكدون، تعكسها القوانين. هذا ليس دقيقاً بشكلٍ كافٍ. يخلط هؤلاء المؤلفين بين محتوى تعاريف مقولات مُعنية، بمحتوى المقولات نفسها. من الصحيح أن تعريفات المقولات لا تشمل انتظامات وقوانين الترابط بين جوانب أو عناصر الواقع التي تعكسها هذه المقولات. انها تُسجل فقط ما هو أساسي ومُحدد، مما يسمح لنا بتعريف المقولات وتمييزها عن بعضها. لكن تعريف المقولات، مثل تعريف أي مفهومٍ آخر، لا يُفسر ولا يُمكن أن يُفسر محتواها بالكامل. المُحتوى أغنى وأكثر تنوعاً من الخصائص أو السمات التي يكشف عنها التعريف. لا يشمل مُحتوى المقولات الجوانب والخصائص وحسب، بل ويشمل أيضاً الترابط بينها وبين الجوانب الأخرى للموضوعات المادية. على وجه التحديد، لا يُستنفد مُحتوى مقولة الكمية بأي حالٍ من الأحوال بمجموع خصائص الشيء التي تُشير الى حجمه وأبعاده وحسب، والتي تظهر عادةً في تعريفات مقولة (الكم). يتضمن محتوى المقولة أيضاً حقيقة أن الكم مُرتبط عضوياً بالنوع، وأنه في مرحلة مُعينة من تغيره يُثير تغيراً في النوع، وأن خصائص الكم تعتمد على خصائص النوع. بمعنىً آخر، تشتمل مقولة الكم في محتواها على الخصائص التي تُميز الكم، وانتظامات وقوانين الترابط بين الكم والنوع. وينطبق الشيء نفسه على مقولة النوع. يُمكن ملاحظة الأمر نفسه في العلاقة بين مُحتوى قانون وحدة وصراع الأضداد ومحتوى مقولة "التناقض". ان قانون وحدة وصراع الأضداد يعكس ويؤكد أن هناك صراعاً بين الأضداد المُتنافرة والمُتحدة التي تُميز هذا الكيان المادي أو ذاك، وأن الصراع في النهاية يؤدي الى حل التناقض وانتقال الشيء من حالةٍ نوعيةٍ الى أُخرى. تضم مقولة "التناقض" في محتواها كل هذه العناصر وعدداً من العناصر الأخرى غير الموجودة في القانون المذكور. تؤسس مقولة "التناقض" حقيقة أن التناقض هو تفاعل بين جوانب مُتعارضة، أو صراع بين الأضداد. بالاضافة الى ذلك، تُشير مقولة التناقض أيضاً الى الخارجي والجوهري وغير الجوهري والأساسي وغير الأساسي والرئيسي والثانوي. انها، اي المقولة، تُحدد النقاط الخاصة بالعناصر التي تلعب هذا الدور أو ذاك في تطور الكيانات المادية، وتحديداً حقيقة أنها مصدر الحركة والتطور، الخ.
وهكذا، فان محتوى مقولة "التناقض" أغنى بكثير من محتوى قانون وحدة وصراع الأضداد.
نجد الشيء نفسه في ملاحظة العلاقة بين أي مقولات والقوانين الموافقة لها. خُذ مثلاً مقولة المُحتوى والشكل والقانون المُتعلق به والقائل بأن المُحتوى يُحدد الشكل. كل ما يؤكده هذا القانون هو أن المُحتوى هو الحاسم في العلاقة بينهما، وبأن الشكل يتغير استجابةً لتغير المحتوى. ان مقولة الشكل والمحتوى تعكس أكثر من هذا. على سبيل المثال، تتضمن مقولة المحتوى، بتأكيدها على حقيقة أنه حاسم فيما يتعلق بالشكل، أنها مجموعة من العمليات الداخلية لشيءٍ ما أو ظاهرة، وأنه يتغير باستمرار، وهو يسبق الشكل في تطوره هذا، وأن الشكل المُقابل له يوفر له مجالاً واسعاً لتطوره، وما الى ذلك. يتضح أن المقولات تتضمن في محتواها القوانين المُقابلة لها من خلال حقيقة أن بعض قوانين الدياليكتيك ليست مواضيع مُستقلة للدراسة ولكنها تُعتَبَر عناصر مُعينة في مُحتوى مقولاتها المقابلة لها. على سبيل المثال، لا تتم دراسة قانون السببية بمعزلٍ عن غيره، ولكن فقط فيما يتعلق بمقولة السبب والنتيجة، فقط، كجزءٍ من محتوى هذه المقولة. وينطبق الشيء نفسه على قانون الترابط بين الضرورة والصدفة، والذي يُعتَبَر مُرتبطاً بمحتوى المقولات المعنية. ويكون الأمر نفسه مُنطبقاً على قانون الانتقال المُتبادل من الفردي الى العام ومن العام الى الفردي. هذا القانون يُعاد انتاجه في الوعي فقط كمحتوىً لمقولات الفردي والعام.
من المُسلّم به أن هناك قوانين للدياليكتيك لا نتصورها كعناصر في محتوى مقولات مُعينة، بل هي قوانين في حد ذاتها. هذه هي قوانين تحول التغيرات الكمية الى تغيرات نوعية، وقانون وحدة وصراع الأضداد، وقانون نفي النفي. يتم النظر الى هذه القوانين بشكلٍ مُستقل ليس لان محتواها لا يُشكل جُزءاً من مقولاتها المُقابلة لها، ولكن لانها، على عكس قوانين الدياليكتيك الأُخرى، هي القوانين الأساسية التي تُحدد القوانين الأُخرى وتتجلى بطريقةٍ أو بأُخرى من خلالها. وهكذا، على سبيل المثال، يُحدد قانون وحدة وصراع الأضداد بعض انتظامات تفاعل العام والفردي، والكم والنوع، والسبب والنتيجة، والشكل والمضمون، والضرورة والمُصادفة، والامكانية والواقع، وما الى ذلك، ويتجلى من خلالها بطريقةٍ أو بأُخرى. في الواقع، الخاص والعام، الشكل والمحتوى، الضرورة والصدفة، الامكانية والواقع,، الخ، هي متضادات تنتقل في ظل ظروفٍ مُعينة وتتحول الى نقيضاتها وتُصبح مُتطابقة.
يعمل قانون تحول التغيرات الكمية الى تغيرات نوعية بنفس الطريقة. يتجلى في تفاعل العناصر أو الجوانب التي تعكسها المقولات المُزدوجة. على سبيل المثال، التغير في كمية الفردي يحوله حتماً الى عام (نوع جديد)، والعكس بالعكس، فان التغير الكمي في العام يجعله فردياً. علاوةً على ذلك، يؤدي تراكم التغيرات الكمية في المُحتوى عاجلاً أم آجلاً الى تغير في الشكل، مصحوباً بانتقال الكيان المادي المُعطى الى نوع جديد. أخيراً، فان تكثيفاً مُعيناً لخاصية عَرَضية تتوافق مع شروط وجود كيان مادي مُعين يُحولها الى سمة ضرورية، مما يمنحها حالة جديدة نوعياً.
نظراً لان قوانين الدياليكتيك المذكورة أعلاه أساسية وحاسمة لجميع الروابط والعلاقات الشاملة الأُخرى، فمن الطبيعي والضروري تماماً استبعادها من محتوى المقولات المُقابلة وتقديمها كمواضيع خاصة.

* الكسندر بيتروفيتش شيبتولين دكتور في الفلسفة مُتخصص في مجال نظرية الوجود ونظرية المعرفة. تخرّج من معهد قازان للقانون عام 1951. منذ عام 1957 درّس الفلسفة في مُختلف المؤسسات التعليمية في مُدن تولا وغوركي وكراسنويارسك وموسكو. قام عام 1959-1961 بتدريس مادة الفلسفة في المدرسة العُليا للفنانين في اطار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفييتنامي. وصار في الأعوام بين 1961-1969 باحث أول في معهد الفيزياء التابع لأكاديمية العلوم السوفييتية. ورئيس قسم العلوم الاجتماعية في وزارة التعليم العالي والثانوي المُتخصص، وفي الوقت نفسه درّس الفلسفة في جامعة موسكو الحكومية وكان رئيساً لقسم المنطق في معهد الفلسفة في أكاديمية العلوم السوفييتية. وكان رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة موسكو التقنية الحكومية في الأعوام بين 1965-1985، حيث تم في ادارته تعزيز التعاون العلمي مع جامعات جمهورية ألمانيا الديمقراطية وجمهورية بولندا الشعبية. دافع عن اطروحته في الدكتوراه عام 1967 بعنوان (نظام مقولات الدياليكتيك). كان شبتلوين رئيس القسم السوفييتي في اطار التعاون السوفييتي-البُلغاري الذي كان معنياً بتطوير نظرية الانعكاس الماركسية. تمحورت اهتماماته العلمية حول نظام المفاهيم والمقولات الدياليكتيكية، ودرس تطورها التاريخي. ودرس علاقة المنطقي والتاريخي، ومبدأ الصعود من المُجرد الى العياني وطبقه على مسألة بناء نظام المقولات الأنطولوجية والابستمولوجية.

1- Aristotle, Posterior Analytics, Book 2, Ch. 19. In The Works of Aristotle, Chicago, London, 1952, pp. 136-37
2- Nicolai Hartmann, Der Aufbau der realen Welt. Grundriss der allgemeinen Kategorienlehre, 3 Auflage, Berlin, 1940, S. 1
3- George Edward Moore, Some Main Problems of Philosophy, London, New York, 1953, p. 372
4- Ibid., pp. 370-71
5- K. Popper, “On the Theory of the Objective Mind”, Proceedings of the XIVth International Congress of Philosophy, Vienna, 1968, pp. 26-27
6- Ibid., p. 25
7- Stuart Chase, The Tyranny of Words, New York, 1938, p. 9
8- Ibid
9- الدفاتر الفلسفية، الجُزء الثاني، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1974، ص13
10- الدفاتر الفلسفية، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص116
11- The Fragments of the Work of Heraclitus of Ephesus on Nature, Baltimore, 1889
12- مُختارات من مراسلات ماركس وانجلز، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق 1981، ص235
13- الدفاتر الفلسفية، فلاديمير لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص115
14- نفس المصدر، ص116
15- نفس المصدر، ص192

مُترجم من كتاب:
Philosophy in the USSR, Problems of Dialectical Materialism, Published and -print-ed in 1977, Progress Publishers, Moscow
Article: A Contribution to the Question of the Categories of Materialist Dialectics, A. P. Sheptulin








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حفل منظمة بريطانيا للحزب الشيوعي العراقي لذكرى تأسيس الحزب 8


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا




.. لقاءات الاشتراكي: 9: آدم هنية


.. موسى شيخو: لا تمويل دولي لسد النهضة إنما محلي من جيوب الفقرا