الحوار المتمدن - موبايل


الراسمالية مستنبت الفاشية – الحلقة الرابعة

سعيد مضيه

2020 / 10 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


ثقافة الفاشية لوأد النزعة الكفاحية للشعوب



هنري غيروكس اكاديمي ، أستاذ دراسات عليا بجامعة ماكماستر، قسم الدراسات الثقافية، ورئيس كرسي التفرغ لأجل الأبحاث بالجامعة ، احدث كتبه "الكابوس الأميركي :مواجهة تحدي الفاشية"(2018). وصدر له في نفس العام كتاب، "الجمهور أمام خطر داهم: ترمب وخطر التسلطية الأميركية". نشر بحثا في 22أكتوبر 2020 عنوانه "ثقافة الفاسشية، البيداغوجيا والمقاومة في الزمن المعتم" . قدم لبحثه بعبارة كتبها إيرنست بلوخ ، يقول فيها:
علينا ان نؤمن بمبدأ الأمل . الماركسي لا يملك الحق في التشاؤم.
أورد بالمقال:

عبر الكرة الأرضية تخضع المؤسسات الديمقراطية ، مثل الميديا المستقلة، والمدارس والنظام القانوني وبعض المؤسسات المالية وكذلك التعليم العالي لحصار مشدد. فالوعد بالديمقراطية ، إن لم يكن مُثُلا، يمر بمرحلة تراجع، حيث شرع البرابرة، ممن يبعثون حياة جديدة بالماضي الفاشي، يتحركون من جديد، يقوضون اللغة، والقيم والشجاعة والرؤى والوعي النقدي. شيئا فشيئا يغدو التعليم إحدى أدوات الهيمنة، حيث الأجهزة التربوية اليمينية الخاضعة لتحكم مقاولي الكراهية تقوم بمهاجمة العمال والفقراء والملونين واللاجئين والمهاجرين من دول الجنوب وغيرهم من فئات باتوا يعتبرونها فضلات بشرية. في وسط حقبة انتقالية ، حيث النظام الاجتماعي القديم يتهاوى ويناضل نظام جديد كي يعرّف بنفسه، يهل زمن الاضطراب والخطر ولحظات إنهاك عظيم. اللحظة الراهنة هي، للمرة الثانية، لحظة تقاطع تاريخي، حيث تتنافس البنى التحررية والبني التسلطية لتشكيل المستقبل الذي سيظهر إما كابوسا أو حلما قابلا للتحقق.
وصلنا لحظة يتصادم فيها عالمان، وتاريخ الحاضر ينحو باتجاه نقطة حيث "الاحتمالات إما تتجسد واقعا او ترفض لكن لا تختفي كليا"(1). اولًا لدينا عوالم قاسية تتداعى، هي عوالم العولمة النيوليبرالية ، التي تغذي مختلف أنماط الفاشية عبر العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة(2). السلطة باتت مفتونة بتعظيم الارباح والرأسمال وأدمنت سياسات قومية البيض والتطهير العرقي. وثانيا ، تتنامي الحركات المضادة، خاصة في اوساط الشباب بمساعيهم للبحث عن نمط جديد من السياسات ، بمقدورها إعادة التفكير في إدراك جديد للاشتراكية الديمقراطية وإعادة تأهيلها أو ابتكارها، بحيث لا تخالطها شوائب رأسمالية.(3) ومما لاشك فيه أن شيئا ما شريرا ومرعبا يحدث للأنظمة الديمقراطية الليبرالية في كل أنحاء المعمورة. الاندفاع العالمي باتجاه الديمقراطية الذي تجلى عقب الحرب العالمية الثانية يخلي المكان من جديد لأنظمة استبدادية تسلطية. وأيا تكون النذر فالجمهور لا يستطيع غض البصر ويسمح بفرملة كوابح رهاب المجهول. ولمن يؤمنون بالاشتراكية الديمقراطية فإننا لا نستطيع السماح بتحول سلطة الأحلام والآمال الكفاحية الى رماد.

الليبرالية الجديدة

نحن نعيش في عالم أشبه برواية بائسة؛ إذ خلقت أزمة وباء كوفيد 19 كابوسا سورياليا يغرق طوفانه شاشات التلفزة والميديا بصور الرعب؛ ليس بمقدورنا ان نتصافح او نعانق الأصدقاء ، استخدام وسائل النقل العام او الجلوس في مقهى او السير بالشارع دون خوف او قلق. وما يتوجب الإقرار به ان نتيجة الوباء أكثر من مفهوم طبي، إذ أماط اللثام عن أوبئة إيديولوجية وسياسية برزت كنتيجة الاستجابة غير المسئولة لأزمة الوباء من جانب الولايات المتحدة وبلدان أخرى مثل البرازيل والمملكة المتحدة والهند. في كنف قيادة غير كفؤة متجذرة في عدم الثقة بالعلم والعقل وفي الولاء الأعمى لقوى السوق تجلى مع الوقت معاناة يصعب تصورها والمزيد من شرعنة الكذب والعنف اليميني . في الغالب يعمينا الرعب من الوباء عن واقع القوى السياسية والاقتصادية اللاديمقراطية، قوى تفضل الأرباح على حاجات البشر، خلال الأربعين عاما الأخيرة صممت بإصرار على حرف النظام الاجتماعي .
نمط من رأسمالية النهب الضاري أعلنت، منذ سبعينات القرن الماضي، الحرب على دولة الرفاه والقطاع العام والمصلحة المشتركة. ونظرا لكون الليبرالية أحد أشكال رأسمالية النهب، فإنها تؤمن أن السوق يجب ان يحكم الاقتصاد وجميع أوجه الحياة الاجتماعية. فهي تمركز الثروة بأيدي النخب المالية وترفع المصلحة الذاتية بلا كابح ، وتحيل الخصخصة والفوضى مبادئ حاكمة للمجتمع. كل شيئ في ظل الليبرالية الجديدة معد للبيع، والالتزام الوحيد بالمواطنة هو الاستهلاك. في ذات الوقت تتجاهل الليبرالية الجديدة حاجات بشرية أساس مثل الرعاية الصحية والأجور الكافية ونوعية التعليم.
الليبرالية الجديدة ترى في الحكومة عدوا للسوق، تقصر المجتمع في حدود الأسرة والأفراد، تتعلق بالمتعة دون معاناة، وتتحدى فكرة الصالح العام.
إننا نعيش في عصر يفرق بين النشاط الاقتصادي والتكاليف الاجتماعية؛ بينما تغدو السياسات التي تسفر عن التطهير العرقي والعسكرة واللامساواة الصادمة من السمات المحددة للحياة اليومية ونماذج راسخة للحكم. بوضوح فالحاجة ماسة لإعادة تأهيل فكرة الاشتراكية الديمقراطية، بحيث تغدو أمور العدالة والمساواة السمات المركزية لديمقراطية موضوعية. والأخبار السارة ان المظاهرات الجارية حاليا في الولايات المتحدة وفي العالم تشير الى ان روح الاشتراكية الديمقراطية تعبق في الأجواء. كشف الوباء، بكل بشاعاته، عن الآليات المنتجة للموت الخاصة باللامساواة المنهجية وإلغاء الضوابط التنظيمية وثقافة القسوة وهجوم خطر يتعاظم باضطراد على البيئة. كما أنه أظهر للعيان ثقافة مفرغة من الفكر تزدري كل فكرة عن التعليم النقدي، ذلك التعليم الذي يعد الأفراد لأن يفكروا نقديا، وينخرطوا في حوار فكري، ويتلقوا دروسا في التاريخ، ويتعلموا كيف يحكمون لا كيف يخضعون للحكم الجائر. في ذات الوقت جرى تقويض ادعاءات الليبراليين الجدد نتيجة الفشل الاقتصادي والأهوال الطبية التي جرت جراء الوباء. وما كان يوما بعيدا عن التفكير بات الآن يقوله المتظاهرون علانية في أنحاء المعمورة ، كما يجري بالولايات المتحدة ضد عنف الشرطة ووحشية اللامساواة الاقتصادية.
وباء كوفيد 19 ازمة لا يجوز ان تتحول الى كارثة يضيع معها كل أمل. وإذ يحمل الوباء خطرا على قدرة الديمقراطية على التنفس، فإنه يقدم إمكانية لإعادة التفكير بالنشاط السياسي وعادات التعليم النقدي وحرية الإرادة والتصرف وعناصر المسئولية الاجتماعية ، وهي تنطوي على أهمية ملحة لأي فكرة حيوية لما يتوجب ان تكون عليه الحياة في المجتمع الاشتراكي الديمقراطي.

التربية مفهوم اجتماعي وقضية سياسية

من زاوية مغايرة ، وسط الجثث المتساقطة بفعل الليبرالية الجديدة ووباء كوفيد 19، هناك بوارق أمل تلوح بالأفق، فرصة للتحرك وتجاوز بوادر التسلطية المعاصرة. باولو فريري[ فيلسوف تربوي من البرازيل رحل أواخر القرن الماضي] أدرك أن تلك السياسات متجذرة في تربية الأمل، التربية التي تدمج القراءة النقدية للعالم بمحاولة تُبْذل لأن تُدرج قيد الممارسة العملية أنماطُ النضال القائمة على مبادئ التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي والحرية الإنسانية.
من الصعب تصور لحظة ملحة لأخذ محاولات فريري بجدية- وضع التعليم في مركز السياسية. كان فريري يرى ان الخطر محدق بفكرة أن التربية مفهوم اجتماعي، متجذر في هدف تحرير جميع البشر. علاوة على ما تقدم انه تعليم يشجع حرية المبادرة للبشر، تعليم لا يكتفي بتمكين الناس ان يفكروا نقديا وحسب، بل ان يكونوا أيضا أفرادا منخرطين بالحياة الاجتماعية وإرادات اجتماعية حرة. انه بيداغوجيا تدعونا لان نتجاوز ذواتنا ، ونقوم بتشغيل الحافز الأخلاقي للعمل من أجل الآخرين، وتفكيك بنى الهيمنة والحرص على ان نكون فاعلين في التاريخ والسياسة والسلطة غير سلبيين. إذا أردنا تطوير سياسات بمقدورها إيقاظ مشاعرنا النقدية والتخيلية والتاريخية ، فمن الملح في هذه الحالة أن يتذكر المربون وغيرهم مشروع فريري الدارج حول إزالة الأمية . كان هذا مشروعا سياسيا تتسرب خلاله المعرفة المدنية مع لغة النقد وامكانية مخاطبة الفكرة القائلة لا ديمقراطية بدون مواطنين قابلين لتلقي المعرفة وحاصلين على المعرفة المدنية . ولغة كهذه ضرورية لإتاحة شروط اجتراح مقاومة جماعية أممية بين المربين والشباب والفنانين وجميع شغيلة الثقافة دفاعا عن المصلحة العامة. إن هذه الحركة هامة لمقاومة وقهر الكابوس الفاشي الاستبدادي، الذي أصاب البرازيل والولايات المتحدة وعدد من الأقطار المصابة بوباء اليمين المتطرف الشعبوي والأحزاب النازية الجديدة. في عصر العزلة الاجتماعية وطوفان المعرفة وثقافة الاستعجال والإفراط الاستهلاكي والعنف الاستعراضي، بات من الملح الأخذ بالاعتبار الفكرة القائلة ان الديمقراطية لن تقوم ولا يمكن الدفاع عنها بدون مواطنين مؤهلين مدنيا يمارسون النقد بطلاقة.
للتعليم في شقيه الرمزي والمؤسساتي دور مركزي يؤديه في الكفاح ضد تجدد الثقافات الفاشية، و السرديات التاريخية الخرافية والإيديولوجيات البازغة لتفوق العرق الأبيض وقومية البيض. علاوة على ذلك، وحيث الفاشيون في أنحاء المعمورة ينشرون صورا عرقية سامة وقومية متطرفة عن الماضي، من الجوهري إصلاح التعليم كأحد أشكال الوعي التاريخي والحضور الأخلاقي. يصح هذا على وجه الخصوص في زمن غدا توجه قطع الذاكرة الاجتماعية والتسلية القومية، خاصة في الولايات المتحدة، لا يضاهيه سوى ذكورية المجال العام وتزايد التطبيع مع سياسات الفاشية المتكاثرة في أجواء الجهل والخوف وقمع المعارضة والكراهية. التعليم كأحد أشكال العمل الثقافي، يتعدى نطاق الصف المدرسي ونفوذه التربوي، رغم أنه في الغالب ضئيل الى حد بعيد، يعتبر جوهريا في تحدى ومنع ظهور تشكيلات البيداغوجيا[التربية] الفاشية وتأهيلها مبادئ وأفكار الفاشية.(4)
والدرس التربوي الذي نتعلمه هنا ان الفاشية تبدأ بمفردات الكراهية، وشيطنة الآخرين ممن يعتبرون فضلات بشرية وتتحرك لمهاجمة الأفكار وحرق الكتب واختفاء المثقفين وبزوغ دولة القمع وأهوال سجون الاعتقالات ومعسكراتها . التربية النقدية، بصفتها احد أشكال السياسات الثقافية، تتيح الوعد بحيز مصان يتم التفكير داخله بصدد الرأي المكتسب، حيز نناقش فيه ونتحدى ، نتصور العالم من وجهات نظر وتصورات مغايرة، ونتأمل الذات في علاقتها بالآخرين، وبذلك ندرك ماذا يعني " افتراض إحساس بالمسئولية السياسية والاجتماعية"(5).

التربية الفاشية


استحالت السياسات الثقافية خلال السنوات العشرين الأخيرة سُمًّا مع اكتساب نخب الحكم سيطرة متنامية على أجهزة الثقافة الرئيسة، محولة إياها الى آليات تربوية لثلم التخيل، تعمل في خدمة قوى التدجين الأخلاقي من خلال تقديم وشرعنة ما لا نهاية له من الصور المحقرة والمهينة لفقراء ومهاجرين ومسلمين وآخرين يعتبرون فائضين عن الحاجة ، أو حيوات مبتذلة مقضي عليها بالإقصاء في نهاية الأمر. عادت آلة الحلم الرأسمالي بأرباح ضخمة لفاحشي الثراء ، ومديري صناديق الاستثمار وكبار اللاعبين في صناعات الخدمات المالية. حيال مشهد الثراء وأنشطة الخداع والتذرر الاجتماعي فإن الرأسمالية المتوحشة المتعصبة تروج أخلاقية الكسب ، وتحيل، كظواهر طبيعية، انعدام التكافؤ واسع الانتشار من حيث الثروة والسلطة، وبعدوانية تقوض دولة الرفاه ؛ بينما تدفع الملايين في لجج البؤس والصعوبات. باتت جغرافيات الانحطاط الأخلاقي والسياسي المعيار المنظِم لعوالم الأحلام للاستهلاك والخصخصة والرقابة وكسر الضوابط التنظيمية. ضمن هذا المشهد المتزايد فاشية يجري استبدال المجالات العامة بمناطق العزل الاجتماعي وتتنامى بشعارات الأموات السائرين ورموز القسوة والبؤس.
تضاءل التعليم بسرعة خلال العقود الثلاثة الأخيرة من حيث قدراته على تعليم الصغار وغيرهم لينشأو عناصر تأمل ونقد، ذوي ارتباطات اجتماعية. وفي ظل أنظمة الليبرالية الجديدة فإن الإمكانات الطوباوية، التي ارتبطت في السابق بالتعليم العام والعالي كمصلحة عامة بمقدورها الترويج للمساواة الاجتماعية وتدعيم الديمقراطية، قد غدت تحمل الخطر الشديد على حواريي السلطوية. يتعاظم خضوع المدارس العامة لقوى الخصخصة السامة والمناهج الموحدة، بينما تتدنى مهارات المدرسين، ويكابدون ظروف عمل لا تطاق. بات التعليم العالي يقلد حاليا ثقافة البيزنيس، إذ يدار بجيش إداريين من البيروقراطيين المفتونين بقيم السوق، ويشبهون كبار كهنة العقلانية المادية شبه الألية المميتة . تم إبعاد الرؤى الحاكمة للديمقراطية عن التعليم على جميع مستوياته.
يحمل التفكير النقدي وتصورات عالم أفضل خطرا مباشرا على عقلانية الليبرالية الجديدة، حيث يوجب على المستقبل استنساخ الماضي على الدوام ضمن دائرة مغلقة ـ حيث يمتزج الرأسمال بالمتطابقات التي يشرعنها، في ما قد يطلق عليه منطقة موات يذوي فيها التخييل وتنمو بيداغوجيات الاضطهاد. يتكاثر هذا الدافع البائس على إنتاج أشكال لا حصر لها من اللامساواة والعنف- يشمل كلا من الرمزي والبنيوي- جزءًا من محاولة أوسع لتعريف التعليم بصيغ محض أداتية مخصخصة ومضادة للفكر. وما هو واضح ان الأنماط الليبرالية الجديدة للتعليم تحاول قولبة التلاميذ حسب تعاليم السوق في الاعتماد على الذات والمنافسة الضارية والفردية المطلقة وأخلاقيات الاستهلاكية. يدرس الصغار أن يستثمروا في أنشطتهم، ويدعموا مصالحهم ويحققوا النجاح بأي ثمن. وهذا بالضبط استبدال الأمل في الدروس التعليمية بمشروع ليبرالي جديد عدواني وسياسات ثقافية بائسة، تلك التي باتت الآن من سمات الهجوم الراهن على التعليم العام والعالي في مختلف بقاع الأرض. تحت علم الليبرالية الجديدة فإن نداءات الخصخصة وكسر ضوابط التنظيم وتدمير الصالح العام لا يتفوق عليها سوى اللامساواة المخالطة للسموم والجشع واللغة الأصلية للحدود ، والجدران والمعسكرات.
من الملح أن يتذكر المربون أن اللغة ليست ببساطة أداة الخوف والعنف والترويع؛ فهي أيضا مفردات النقد والشجاعة المدنية والمقاومة والإرادة الحرة العارفة والمشتبكة. نعيش في زمن تم السطو على لغة الديمقراطية، وتجريدها من وعودها وآمالها. مثال على ذلك فإن ابتذال اللغة تحت سلطة ترمب وبولسونارو في البرازيل وفيكتور أوربان في هنغاريا، تؤيد ملاحظة أمبيرتو إيكو بأن التربية سمة مبدأ منظم للفاشية. وكما قال إيكو فإن إحدى السمات المركزية لما أطلق عليه "أور –فاشيزم"[فاشية للأبد] تقويضها للخبرة المدنية من خلال الكتب المدرسية الفاشية ، وذلك لكي يحد من الأدوات اللازمة للتفكير المعقد والنقدي.(6)

إذا أريد إلحاق الهزيمة بالفاشية يقتضى تحويل التعليم مبدأ تنظيميا للنشاط السياسي ، وبصورة جزئية يمكن إنجاز ذلك بإدخال لغة تفضح وتفكك الأكاذيب ونظم الاضطهاد وعلاقات القوة الفاسدة، بينما توضح ان مستقبلا بديلا ممكن التحقق. وكانت حنة أرندت [فيلسوفة ألمانية ماركسية] على حق بقولها ان للغة دورا حاسما في إبراز " العناصر المعتقة" المخبأة في الغالب، والتي تتيح إمكانية ظهور الفاشية(7). اللغة أداة قوية في البحث عن الحقيقة والتنديد بالكذب والظلم. يضاف لما تقدم فانه من خلال اللغة يمكن تذكر تاريخ الفاشية ، وتستطيع دروس الشروط التي خلقت وباء إبادة الجنس أن تدعم الإقرار بان الفاشية لا تمت للماضي فقط، فآثارها دوما في حالة سبات، حتى في أعرق الديمقراطيات. أصاب غيلروي الحقيقة إذ رأى ان الحاجة ماسة في اللحظة التاريخية الراهنة لإعادة الاشتباك مع الفاشية لكي نقارب كيف انها تبلورت بمختلف الأشكال ، وبذلك ‘نعمل باتجاه انتشال المصطلح من حالة الابتذال وإعادته الى مكان لائق في النقاشات الدائرة حول الحدود الأخلاقية والسياسية لما هو مقبول’(8).
هوامش

1- وولتر بنجامين:الفاشية والمستقبل-الغارديان12 إبريل 2013
2-هنري غيروكس :الكابوس الأميركي –مواجهة تحدي الفاشية (سيتي لايت 2018)
3-تشارلز ديربر:مرحبا بالثورة_ تدويل المقاومةمن أجل العدالة الاجتماعية والديمقراطية في الأوقات الحرجة (نيويورك- روتليدج 2017)
4-انظر على سبيل لمثال جيمز ماير: صناعة فوكس نيوز البيت الأبيض-ذا نيويوركر 4 مارس ،آذار 2019. 5-جون نيكسون:حنة آرندت:التفكير نقيض الشر- تايمز هاير إيديوكيشن26 شباط 2016.
6-أومبيرتو إيكو:"أور فاشيزم" ذا نيويورك ريفيو اوف بوكس22 حزيران 1995.
7-حنة ارندت:اصول الشمولية( نيويورك، هاركورت تريد بوبليشرزنيو إيديشين2001 .
8-باول غيلروي:ضد العرق: تصور الثقافة السياسية ما وراء خط اللون-الفصل الرابع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. في #النقاش_مع_جنان_موسى.. لماذا يحاول #الجولاني تبديل جلده و


.. بحقنة بـ2.1 مليون دولار.. حاكم دبي يعالج طفلة عراقية تعاني م


.. نتنياهو: لا نعلق آمالا على أي اتفاق مع إيران




.. مقتل 9 من عناصر الجيش في هجمات لداعش في البادية


.. البنتاغون: تركيا مطالبة بالتخلي عن منظومة إس 400 الروسية