الحوار المتمدن - موبايل


مشكلة العرب الأساسية

محمد علي سليمان
قاص وباحث من سوريا

2020 / 10 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


في مجلة دبي الثقافية العدد 53 / 2009 قال الشاعر أدونيس " حقاً، المشكلة العربية الأساسية هي في المقام الأول، فكرية _ ثقافية ". كما أنه يقول في مدارات جريدة الحياة 2015 " أميل شخصياً إلى الظن إن أزمة الحياة العربية، سياسياً، هي في المقام الأول ثقافية_ على أن ننظر إلى الاقتصاد بوصفه بعداً مكوناً من أبعاد الثقافة ". وربما كان الدكتور جابر عصفور يوضح بشكل ممتاز نظرية أصحاب هذا الاتجاه الثقافي في كتابه " نحو ثقافة مغايرة " حين يقول " إن الثقافة أساس التنمية، من كل جوانبها.. ولقد عشنا طويلاً تحت وهم أن الاقتصاد أساس التنمية، ثم قيل لنا أن العلم هو أساس التقدم في كل شيء، ولقد أثبتت التجارب أن كل هذه الأقوال لا محل لها من الاعراب لأنها لم تؤد إلى التقدم المنشود في كل مرة اعتمدت عليها الدول النامية أو المتخلفة بلا فارق كبير. فلقد أثبتت تجارب هذه الأمم، ولا تزال، أنه لا تنمية صناعية أو اقتصادية ما لم تسندها ثقافة تدعمها، وتدفع بها إلى الأمام ". ويوافق الدكتور برهان غليون، معه كثير من المفكرين العرب مثل الدكتور محمد عابد الجابري، أدونيس على " أن المسألة الرئيسية هي النهضة الثقافية "، ورغم أن برهان غليون يقول في كتاب " مجتمع النخبة ": أن التحرر الثقافي هو جزء من التحرر السياسي. وبالتالي جزء من التحرر الاجتماعي الاقتصادي، فإنه يعود إلى التأكيد: أن حل مشكلة الفكر هو المسألة الأولى من مسائل النهضة. ولا يختلف علي حرب عن هؤلاء المفكرين " وهكذا فمصدر العطب يكمن في نمط التفكير. هو ما نمارسه من تأله بوجهيه: اللاهوت الديني واللاهوت العلماني. والخروج من المأزق يتوقف على ابتكار لغة جديدة في التعامل مع النفس والآخر والعالم ".
وهذه النظرة إلى أهمية الثقافة في النهوض الاقتصادي تعود إلى ماكس ويبر في كتابه " الأخلاقيات البروتستانتية وعقلية الرأسمالية " حيث يرجع وجود العقلانية الاقتصادية، ووجود الإنسان الاقتصادي الحديث، إلى الثقافة البروتستانتية الداعية إلى التقشف البروتستانتي الدنيوي الذي أزاح القيود التي كان تقيد السعي إلى الربح باعتباره سليل إرادة الإله، وظهر قطاع إنتاج الثروة الاقتصادية الخاصة، مما أدى إلى رواج عقلية الرأسمالية. ويلخص ماكس ويبر المسألة " ما كان بوسع الايطوس الرأسمالي البورجوازي الحديث ان ينجب هذا التنظيم _ الرأسمالي للعمل _ من ذاته. إذ أن دوافعه _ الايطوس_ الفردانية على الصعيد الاقتصادي ما كان بالإمكان أن يعود تسويغها وإعلاء شأنها عليها، بل فقط على منهجية العيش التي أنتجتها الطوائف العقدية، التقشفية النزعة ". والشيء الملفت عند ماكس ويبر أن تحتاج الطبقة البورجوازية إلى ثقافة من خارجها، لا عبر مثققفي الطبقة العضويين، وخاصة من الثقافة البروتستانتية في جانبها الديني والدنيوي، من أجل خلق عقلانية الرأسمالية.
وفي الحقيقة فقد تعامل كثير من المفكرين العرب دائماً مع الفكر كظاهرة قائمة بذاتها في المجتمع، لذلك يكرسون ظاهرة الثقافة والفكر على اعتبار أنه العامل المهيمن في المجتمع بدل الظاهرة الاجتماعية الاقتصادية. وهم بذلك يحولون الصراع الاجتماعي الاقتصادي إلى صراع فكري، صراع بين فكر الثبات وفكر التحول. وفي الحقيقة أيضاً أن القارئ العربي المتابع للمفكرين والمثقفين العرب لم يعد يعرف ما هي مشكلة العرب الأساسية: المفكر يعتبر أن مشكلة العرب الأساسية في الفكر والثقافة، والسياسي يرى المشكلة في غياب الديمقراطية _ الاستبداد، والقومي يرى المشكلة في غياب الوحدة، والاقتصادي يراها في التخلف وتبعية الاقتصاد، وبشكل عام يرى مفكرو الأصالة المشكلة في " المعاصرة _ الحداثة "، ويرى مفكرو الحداثة المشكلة في " الأصالة _ التراث "، وكل المفكرين يجمعون على أن المجتمع العربي في أزمة وكثير منهم، مثل أدونيس والدكتور جابر عصفور، يعتبر، مع من يدور في فلك البنية الفوقية من المفكرين العرب، أن حل هذه الأزمة الاجتماعية العربية يبدأ بنهضة فكرية من البنية الفوقية. ويوضح الدكتور فوزي منصور ذلك " إن مجتمعات مثل مجتمعاتنا يمكن للأبنية العلوية بوجه خاص الأبنية المتصلة بالسلطة السياسية وبالثقافة والأيديولوجية بصفة عامة أن تلعب دوراً أكثر أهمية بكثير مما يسلم به عامة الماركسيين ". ويرجع وجود تلك الأبنية العلوية إلى أن مجتمعاتنا تحتوي على أنماط سابقة على نمط الإنتاج الرأسمالي، وإن كانت جميعها أصبحت تتأثر به. ولكن مهدي عامل يؤكد أن أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا تتماسك بذاتها، بل بخضوعها لسيطرة نمط الإنتاج الكولونيالي المسيطر. وهكذا فإن الحاضر (البنية الكولونيالية) هي التي تسيطر على الماضي (البنيات ما قبل الرأسمالية)، كما إن البورجوازية الكولونيالية هي التي ترعى أفكار وثقافات وأيديولوجيات الطبقات ما قبل الرأسمالية، وتدمجها في شبكة العلاقات الاجتماعية للبنية الفكرية الكولونيالية بحيث تخفي أزمة تلك البنية الاجتماعية الكولونيالية التي تنتج التخلف من خلال تبعيتها للبنية الاجتماعية الرأسمالية.
وحتى لا نتوه في مشكلات المجتمع العربي لنبق مع مفكري نظرية الثقافة، وإشكالية الفكر (الثقافة). معروف أن الفكر الماركسي يربط الفكر بالاقتصاد، ليس ميكانيكياً وإنما جدلياً، وكثيراً ما يكون فكر ماركس أشبه بحركة النواس: الواقع الاجتماعي هو الذي يحدد وعي الناس، ثم يعود وعي الناس ليؤثر في الوجود الاجتماعي، أو بشكل آخر فإن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الفكر (الثقافة) ثم يعود الفكر (الثقافة) ليؤثر في الوجود الاجتماعي، لكن الأساس يبقى هو الوجود الاجتماعي. ويمكن القول إن المجتمع يتبع الاقتصاد بشكل رئيسي (المحدد، الأساس) ويبقى للفكر التأثير الفرعي (الثانوي)، بمعنى أن تأثيره في الساحة الفكرية يرتبط بوجود قوى اجتماعية مهيمنة في الساحة الاجتماعية والاقتصادية، وهذه القوى تنشر فكرها وثقافتها عبر مفكريها العضويين بحيث تصبح ثقافة مهيمنة في الساحة الثقافية وتخلق وعي التغيير الاجتماعي، هذا الوعي الاجتماعي هو الذي يمهد الطريق، بعد ان يتحول إلى قوة مادية، في تهيئة المجتمع للنهوض الاقتصادي الذي هو أساس الحداثة. لكن مع تقدم التاريخ وتطور المجتمعات أصبح بعض المفكرين الماركسيين (أرنولد هاوزر في كتابه: الفن والمجتمع عبر التاريخ يعطون للفكر قيمة بذاته )، لكن كثير من المفكرين أصبحوا يفصلون بين الاقتصاد والفكر ويعطون للفكر قيمة أساسية في التطور، وبالتالي أصبح الفكر هو الذي يساهم بشكل أو بآخر في إنتاج النهضة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما جر عليهم غضب الفكر الماركسي الرسمي في الاتحاد السوفيتي سابقاً، حيث كان ذلك الفكر الرسمي يعطي الاقتصاد الدور الوحيد والحاسم في تطور المجتمع رغم أن انجلس لم يعط الاقتصاد الأهمية الوحيدة والحاسمة، هو يقول في إحدى رسائله " وأكثر من هذا، لا أنا ولا ماركس أكدنا أن الاقتصاد هو العامل الوحيد لأن للعناصر المختلفة للبناء الفوقي تأثيرها على مسارات التاريخ ". وإلى الماركسيين العرب الذين لم يلغوا دور البنية الفوقية في التقدم الاجتماعي، انضم المفكرون العرب القوميون التقدميون والمفكرون العرب الهامشيون الذي أعطوا أهمية للفكر (عصر الأنوار) في تحديث المجتمع العربي بعيداً عن الاقتصاد (التنمية الاقتصادية)، ومنهم أدونيس في كتابه " الثابت والمتحول " الذي لا ينفي أهمية الاقتصاد في إنتاج الفكر ولكنه يتجاهله بحجة عدم الأهلية لمعالجة الاقتصاد، ويمكن أن نضيف مفكرين آخرين مثل الدكتور محمد عابد الجابري في مشروعه " نقد العقل العربي" الذي يلجأ إلى النقد الابستمولوجي، رغم اعترافه بأهمية البعد الاجتماعي الاقتصادي. لكن المشكلة أن القوى الاجتماعية المسيطرة تطرح فكراً في البنية الفوقية بحيث يقوم ذلك الفكر بتأبيد سيطرتها، ولأنها لا تملك كطبقة مسيطرة فكراً مهيمناً تلجأ إلى الفكر الديني التقليدي المسيطر في المجتمع العربي، وتأخذ شرعيها من الدين لا من الشعب، ولذلك هي تجمد البنية التحتية في حدودها الاجتماعية الاقتصادية كطبقة بورجوازية كولونيالية تدور في فلك الطبقة البورجوازية الأوروبية، ويقوم دورها على التجارة بشكل رئيسي مع تلك الطبقة البورجوازية الأوروبية من خلال تبعية بنيوية _ بنية اجتماعية كولونيالية تابعة للبنية الاجتماعية الرأسمالية. كما أنها ترفض السماح للفكر النقيض، فكر الطبقة العاملة، بالممارسة الفكرية في حقل الفكر _ البنية الفوقية، ذلك أن الصراع الفكري في البنية الفوقية هو في النهاية، تعبير عن صراع القوى الاجتماعية في البنية التحتية، أي أن صراع الأفكار في ظروف اجتماعية معينة في البنية الفوقية يمكن أن يكون بديلاً للصراع السياسي الاجتماعي بين تلك القوى الاجتماعية في البنية التحتية. ويمكن أن نرجع أيضاً إلى مهدي عامل " فالثقافة، إذن، مجال لصراع طبقي هو الصراع نفسه الذي يجري في النظام الاجتماعي القائم، بأشكال وأدوات مختلفة، في مجالات أخرى غير الثقافة، كالسياسة مثلاً، أو الاقتصاد. وهو الصراع الطبقي نفسه الذي به تتحرر الثقافة، بتحرير القوى الاجتماعية ومنها الثقافة_ من عوائق تطورها ".
من المعروف أن الفكر القومي التقدمي سيطر في المجتمع العربي بعد مرحلة الاستقلال عن الاستعمار حتى هزيمة عام 1967 (مرحلة الليبرالية ومرحلة الثورة) بسبب سيطرة " البورجوازية " في المرحلة الليبرالية و" البورجوازية الصغيرة " في مرحلة الثورة، عن طريق الانقلابات العسكرية التي أخذت شرعيتها في الإسلام من ابن جماعة الذي يرى أن الطريق الذي تنعقد به البيعة القهرية، هو قهر صاحب الشوكة والجنود ولا يقدح في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقاً. ويمكن القول إن قيام الأنظمة " القومية التقدمية " في مرحلة الثورة بالتأميم والإصلاح الزراعي (حالة من الوطنية سمحت للثقافة التقدمية بالتواجد على الساحة الثقافية)، رغم حالة المد والجزر بين المفكرين الماركسيين وتلك الأنظمة التقدمية. لكن بعد عام 1967، كانت بداية النهاية لتلك الأنظمة التقدمية، وخاصة بعد تحول البورجوازية الصغيرة إلى بورجوازية كولونيالية، وخاصة أيضاً بعد عودة بعض رموز البرجوازية الليبرالية وكبار ملاك الأراضي الاقطاعيين إلى مواقع قوية في النظام العربي الحاكم مع ظهور السادات ومن بعده نظام مبارك، وبهم تجددت البورجوازية الكولونيالية، وكرستهم في السلطة السياسية فورة المال النفطي في دول الخليج بعد حرب عام 1973 واستخدام هذا المال في فرض الفكر الديني المحافظ وحتى التكفيري في المجتمع العربي الذي ساهم في قمع الفكر اليساري والتقدمي في المجتمع المدني حتى " الربيع العربي " والحروب الطائفية. وهكذا تراجع الفكر القومي التقدمي، وسيطر الفكر الديني السلفي الجهادي. وأصبح المثقفون العرب يرون أن المشكلة العربية الأساسية في الفكر والثقافة، في عدم وجود عصر تنوير عربي، وظهر أن كل اهتماماتهم لتحديث المجتمع العربي تنحصر في الفكر لا في التقدم الاجتماعي _ الاقتصادي، في البنية الفوقية لا في البنية التحتية، وخاصة في غياب بورجوازية وطنية، وأن البورجوازية الكولونيالية التابعة للإمبريالية ليس مهماتها تنيمه فكرية ولا تنمية اقتصادية _ صناعية، كما أن الطبقة العاملة ما تزال تعمل ب" ذاتها " ولا يبدو أنها قادرة على العمل ل" ذاتها "، خاصة أن أحزابها لم تملك بعد الفكر الماركسي الذي يقرأ الواقع العربي موضوعياً، وهي تتخبط كأحزاب في مشاكلها الداخلية وانشقاقاتها بحيث تمزقت أجساد تلك الأحزاب تنظيمياً. وكل ذلك أدى أن القوى الاجتماعية العربية التقدمية بكل أشكالها استقالت من العمل النضالي (الممارسة العملية على الأرض) في البنية التحتية بسبب الأنظمة المستبدة التي أغلقت المجتمع المدني بعد إغلاقها المجتمع السياسي، ودخلت في العمل الفكري الهامشي في البنية الفوقية، بحيث أنها أصبحت تابعة لتلك الأنظمة الكولونيالية في الفكر وحتى يمكن القول في العمل السياسي.
لكن لماذا ظل تأثير الفكر التقدمي غير فعال حتى في مرحلة سيطرته عبر الدولة القومية في الساحة العربية الفكرية، ويمكن أن تلقى المشكلة على تلك الدول القومية التقدمية التي رسخت رسمياً الفكر التقليدي (الديني لأنها وجدت فيه شرعيتها لأنها كقوى اجتماعية مسيطرة لم تكن تملك فكراً مهيمناً خاصاً بها كطبقة بورجوازية صغيرة مسيطرة) في قلب المجتمع العربي، فرغم نضال القوى التقدمية بأنواعها عبر مثقفيها العضويين من أجل خلق فكر عربي قومي تقدمي، لكن لم يحقق ذلك الفكر العربي القومي التقدمي وجوداً فاعلاً في الساحة الفكرية العربية، ومع تراجع القوى التقدمية تراجع معها الفكر القومي وترك الساحة للفكر الديني. ومع سيطرة البترو دولار تراجع أيضاً بعض المفكرين القوميين والماركسيين العرب إلى الفكر التقليدي _ الديني الإسلامي، واتجه البعض الآخر إلى التراث العربي الإسلامي لإنتاج فكر يقف على تراث النزعات المادية _ حسين مروة، وتراث المعتزلة _ حسن حنفي، وتراث ابن رشد _ محمد عابد الجابري، وتراث ابن خلدون _ مهدي عامل، وحاولوا أن يحملوه فكرهم الحديث الذي كونوه من ثقافة عصر التنوير الأوروبية والفكر الماركسي، من أجل إدخال الفكر العقلاني إلى " قلب الجماهير " في مواجهة الفكر الإسلامي التقليدي _ فكر اللاعقل الذي يسيطر على الساحة الثقافية، وتغلغل في عقل وقلب تلك الجماهير عبر تاريخ طويل من ترسيخ الدين والأفكار الدينية في المجتمع. وكانت النتيجة أن هذه المحاولات العقلانية لزرع التراث العقلي في المجتمع العربي ظلت في نطاق النخب العربية، وظلت الجماهير العربية تعيش في قلب الفكر التقليدي الإسلامي، وأصبحت تعيش حالة اغتراب بين تراث إسلامي تقليدي يبعدها عن العصر الحديث، وتراث حديث يبعدها عن التراث الإسلامي، حتى العقلاني منه.
ورغم أن العالم أصبح " قرية كونية " وأصبح الاتصال مع العالم غير خاضع لرقابة الدولة، وعلى رغم من تأثير عالم المعلومات في الساحة الفكرية العالمية، فإنه ما يزال غير فعال في الساحة الفكرية العربية، وما تزال الأنظمة العربية الحاكمة تجلب عبر المفكرين والمثقفين العضويين وغير العضويين (خدام السلطان) الفكر الذي ينتج فكر الركود ولا ينتج فكر التجديد، ينتج فكر التخلف وليس فكر التحديث الذي يساهم في التغيير الاجتماعي بحيث أن البورجوازية الكولونيالية في الدول العربية التي تدعم الاقتصاد التابع للإمبريالية، ذلك الاقتصاد التابع الذي يعيد، مع تلك الإمبريالية المتوحشة، في المجتمع العربي إنتاج التخلف في مختلف أشكاله الاجتماعية. وربما لذلك فإن الدكتور عبدالله العروي يحمل المثقف العربي مسؤولية تخلف المجتمع العربي، ويعتبر " أن مهمة المثقفين العرب الآن ليست في الدرجة الأولى الاستيلاء على السلطة، وإنما في السيطرة على المجال الثقافي، الذي أهمل منذ عقود، وترك بين أيدي السلفيين. وإن أضمن سبيل للإخفاق السياسي هو إهمال المعركة الأيديولوجية ". وبرأي الدكتور عبدالله أيضاً فإن " ثورة كوبرنيكية، ثورة ثقافية لا تعني قلب أوضاع الحاضر، وإنما إمكانية التطور الدؤوب في المستقبل ".
كما يمكن القول أن المشكلة العربية الأساسية ليست في الفكر، فالفكر قد يمكن أن يكتسب وجوداً مستقلاً نسبياً عن الاقتصاد، ويمكن أن يدخل التغيير والتحديث إلى المجتمع العربي عبر الزمن وقوة وسائل الاتصال الحديثة، وقد يحل الزمن والتواصل مع الفكر الحديث بعض مشكلات المجتمع العربي (أصبح المفكرون العرب من تياري الأصالة ينادون بالديمقراطية بعد أن كانت كفراً، حتى أن بعضهم من اليسار الإسلامي أصبح يرى الإسلام كدين علماني)، لكن الفكر _ الثقافة لن يحل تخلف المجتمع العربي الاجتماعي الاقتصادي (رغم نسبية استقلالية الفكر _ الثقافة عن الواقع الاجتماعي)، وقد يوجد فكر متطور في مجتمع متخلف _ المجتمع العربي _ لكنه غير فاعل لسيطرة بنية فكرية كولونيالية مسيطرة يدعمها فكر قوى إسلامية تقليدي بحيث يمنع تحول الفكر الحديث إلى فكر اجتماعي، لكن أيضاً يوجد فكر متخلف في مجتمع متطور _ المجتمع الأوروبي والأمريكي _ وهو أيضاً غير فاعل لهيمنة بنية فكرية حديثة وفكر حديث يمنع تحول الفكر التقليدي إلى فكر فاعل اجتماعياً، مع الأخذ بعين الاعتبار التفريق بين الفكر المهيمن أو المسيطر (فكر قوى اجتماعية مسيطرة أو مهيمنة)، والفكر الهامشي (فكر المثقفين المستقلين)، والمشكلة الأساسية للمجتمع العربي هي مشكلة اجتماعية بنيوية، أزمة البنية الاجتماعية الكولونيالية في علاقتها مع البنية الاجتماعية الإمبريالية التي تقوم بإنتاج التخلف، بمعنى إن عدم سيطرة قوى اجتماعية مهيمنة في البنية التحتية تقود المجتمع العربي على طريق التقدم الفكري _ الثقافي عبر إنتاج فكرها الخاص بها الذي به تهيمن في البنية الفوقية الفكرية عبر مثقفيها العضويين من خلال هيمنتها في البنية التحتية الاقتصادية، بحيث تجعل تلك الأفكار الأخرى التابعة للقوى الاجتماعية التقليدية هامشية في الساحة الثقافية، لأن هذه القوى الاجتماعية المهيمنة هي التي تمتلك إرادة التغيير الاجتماعي، وهي التي تخلق تلك الروح الفاعلة اجتماعياً التي تكلم عنها ماركس: تلك " الروح التي تبني النظم الفلسفية في أذهان الفلاسفة هي ذاتها التي تبني السكك الحديدية بأيدي العمال ".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - اسئلة لم تجب عنها المقالة
محمد البدري ( 2020 / 10 / 29 - 13:56 )
لماذا الهروب والتحجج بالكولونيالية؟
الفكر العربي مازوم فمن اين اتت ازمته؟
الم يكن مازوما منذ ولادته، الم يكن مازوما من قبل ان تاتيه الكولونيالية؟
تحياتي

اخر الافلام

.. تنافس بين عدة شركات لتسويق اللقاح ضد كورونا


.. في حوار مع نائب رئيس مجلس النواب اليمني: اليمن تحول إلى ساحة


.. تونس..الدستوري الحر سيتقدم بلائحة لوم ضد الحكومة




.. تشديد الإجراءات الأمنية في بغداد


.. كورونا في أوروبا.. بين مطرقة الإغلاق وسندان إعادة فتح الأعما