الحوار المتمدن - موبايل


فلاديمير بوتين و دَرْسُ التّاريخ القَسْرِي

بوناب كمال

2020 / 10 / 30
مواضيع وابحاث سياسية


أندري كوليسنيكوف (Andrei Kolesnikov) ـ مجلة فورين أفيرز ـ 29 أكتوبر 2020ـ إعداد بوناب كمال
بمناسبة اليوم الأول للعودةِ إلى الدّراسة في الفاتح من سبتمبر؛ ألقى الرئيس فلاديمير بوتين درسًا ،عبر الأنترنت، على تلاميذ المدارس الروسية؛ واختار موضوع التاريخ الذي أصبح في الآونة الأخيرة قريبًا إليه، مركّزًا على: إعادة كتابة التاريخ الروسي، لا سيما تاريخ الحرب العالمية الثانية.
يهتمُّ بوتين في المقامِ الأول بقضيتيْن؛ الأولى اتفاق مولوتوف ـ ريبنتروب بين الرايخ الثالث والاتحاد السوفياتي، والذي يعتقدُ المؤرّخون الغربيون أنه مهّدَ الطريق لاندلاع الحرب العالمية الثانية؛ وفي هذا يرى بوتين أنّ ستالين لم يكن أمامه خيار سوى توقيع هذه الاتفاقية؛ والقضية الثانية هي الدّور الحاسم للاتحاد السوفياتي في هزيمة النازيين، إذْ يعتقد بوتين أنّ الدول الأخرى لم تعترف به بشكلٍ كافٍ.
يمكن للآخرين الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الآراء بما أنها تمثّل وجهات نظر شخصية، ولكن إذا ما تمّ الضغط عليهم بشكل متكرّر من رئيس الدولة فإنها تتحوّل إلى عقيدة أيديولوجية وطنية؛ يقول بوتين في درْسه "الأشخاص الذين يساعدون العدو في الحرب يُطلقُ عليهم دائما ،وفي كلّ مكان متعاونون مع العدو المحتل (collaborationists)، ومُعدّو كتابة التاريخ الذين يسعون لإنشاء دائرة جديدة لإعادة تأهيل النازية وتزوير التاريخ هم: متخاذلو اليوم؛ إنّ البحث عن المتعاونين مع العدو المحتل مستمر".
مُنْتقمُون من التاريخ
محاولة إعادة تأهيل النازية هي جريمةٌ بِموجبِ القانون الروسي؛ لكن أيُّ معاييرٍ ستستندُ لها هيئات التحقيق لتقييم إعادة كتابة التاريخ ؟؛ لا زالت الأمور تبدو غير واضحة؛ وقد عرّف ألكسندر باستريكين ؛رئيس لجنة التحقيق وصديق بوتين منذ أيام سانت بترسبورغ؛ عَرّفَ هذه الخروقات بأنها "أيّ محاولة لوضع مسؤولية متساوية عن اندلاع الحرب على المجرمين النازيين وعلى دول الحلفاء".
في شهر نيسان ـ أفريل المنصرم أزالت السلطات البلدية في براغ ـ التشيك نصب المدينة التذكاري لبطل الحرب المارشال إيفان كونيف؛ فتحتِ اللجنة تحقيقًا جنائيًا في الحادثة، وضمّنتْها رسالةً موجّهةً إلى الشعب الرّوسي: إنهم يدنّسون ذكرى انتصارنا وأبطالنا؛ إنّهُ و من خلال تجريمِ تفسيراتٍ معيّنة للتاريخ، فإنّ بوتين يستدفُ شخصيات من الداخل أكثر ما يستهدفُ الغرب؛ هذه الشخصيات ،والتي تواجه خطر المحاكمة، ستتردّدُ في الابتعاد عن الرواية الرسمية السوفييتية قبل الحرب العالمية الثانية.
عبْرَ إنشاءِ قسمٍ جديدٍ للانتقام من التاريخ بهذه الطريقة، يخاطرُ الكرملين بتجريمِ عمل المؤرّخين المحترفين، وقد كانت هناك بالفعل حوادث تضليلٍ في هذا الجانب؛ ففي سنة 2018 صنّفتْ وزارة العدل مقالًا للمؤرخ كيريل ألكساندروف ،عن الزّعيم القومي الأكراني ستيبان بانديرا، بأنه "متطرّف"، على الرغم من حقيقة أنّ المقال لم يكن فيه ما يُبرّر أعمال بانديرا خلال الحرب العالمية الثانية، وكان من المقرّر أن يحصل ألكساندروف على درجة الدكتوراه عام 2017، إلا أنّ وزارة التعليم والعلوم حَجبتْها عنه لأسبابٍ سياسية: "لقد كتبَ أطروحتهُ عن الجنود الذين انضمّوا إلى وحدةٍ متعاونة مع العدو خلال الحرب العالمية الثانية"؛ إنّ كل ما يرتبط بالحرب الوطنية العظمى (الاسم الذي يُطلقهُ الروس على الحرب العالمية الثانية) هو غايةٌ في الحساسية بالنسبة للقيادة الروسية، فذكرى الانتصار في تلك الحرب هي من الرّوابط القليلة المتبقّية لتوحيدِ الأمة الروسية وإضفاء الشرعية على نظام بوتين باعتباره وريثًا للأجداد المنتصرين العظماء.
إحياء ستالين
تكمنُ مشكلة هذا الخطاب التاريخي ـ الرّسمي ـ الجديد في تأييده الضّمني لـ ستالين والستالينية؛ إنّ انتقاد نسخة بوتين للتاريخ هو انتقادٌ للذاكرة المقدسة للحرب، وانتقادُ ستالين يُنتقصُ من التقدير العام لانتصار روسيا في تلك الحرب؛ وهذا النموذج مشابهٌ تمامًا للذي بَنى عليه النظام السوفييتي ـ بقيادة ليونيد بريجنيف ـ دعايتهُ الرّسمية؛ فكشفُ قمع ستالين هو من الأعمال القذرة للمعارضين؛ كان ستالين قبل كلّ شيء يُذكرُ بصفتهِ القائد الذي انتصرَ في الحرب.
بدأ إحياء هده الرواية فعليًا بشطْبِ فصولٍ هامّة عن التاريخ الرّوسي من المناقشة العامة؛ لم يعد في مقدور الباحثين والكتّاب والجمهور اكتشاف حرب الشتاء التي أطلقها ستالين على فنلندا سنة 1939؛ ولم يعد في الإمكان وسم تعاون ستالين مع هتلر بالتعاون المُخزي، وهو التعاون الذي تضمّن إقامة مواكبَ مشتركة وتسليم مناهضي الفاشية الألمان إلى النازيين؛ لا يمكنهم الحديث عن تفاصيل احتلال دول البلطيق أو غزو بولندا وفقًا للبروتوكولات السّرية لاتفاقية مولوتوف ـ ريبنتروب، وبحجّة تحرير الإخوة الأكرانيين والبيلاروسيين.
من المحتمل أن تتضاءل الدراسات التي تستذكرُ إطلاق الشرطة السّرية السوفييتية النّار على أكثر من 20 ألف ضابط بولندي في كاتين (Katyn) سنة 1940، علاوةً على ذلك أمرَ مكتبُ المدّعي العام في تفير (Tver) ،ربيع هذا العام، بإزالة اللوحات التذكارية من مبنًى قامت فرق الموت التابعة لـ ستالين بإعدام أكثر من 6000 بولندي في طابقه السّفلي.
يشجّع الجوّ السّائد في روسيا اليوم على تبرير الستالينية وفظائعها، ومن خلال تبسيط التاريخ وجعله أسطوريًا يُشجّع الرئيس الروسي على تدهورِ المعرفة العامة بالأحداث التاريخية؛ وأولئك الذين يُحيُون ذكرى ضحايا القمع يواجهون الاضطهاد الرّسمي؛ على سبيل المثال اكتشف المؤرخ يوري ديميترييف مقبرةً جماعية لضحايا القمع السياسي في كاريليا (Karelia) شمال روسيا؛ ليصدرَ في حقّه هذا الصيف، حكمٌ بالسّجن ثلاث سنوات ونصف السنة بتهمة الاعتداء الجنسي على الأطفال، وهي تهمةٌ يُعتقدُ على نطاق واسع أنها تلفيقٌ انتقامي، وقد اِستأنف مكتب المدّعي العام الحكم على أساس أنه متساهلٌ للغاية، لتُضيفَ محكمة كاريليا العليا تسع سنواتٍ ونصف أخرى؛ وقد صنّفت وزارة العدل منظمة ميموريال ، وهي منظمةٌ غير حكومية قامت على مدى عدّة عقود بتوثيق جرائم العهد الستاليني، صنّفتها على أنها عميلٌ أجنبي ، وتعرّضت لغرامات متوالية.
في الوقت الذي كانت فيه لجنة التّحقيق الرّوسية تفكّرُ في طرقٍ جديدة لمكافحة الانشقاق التاريخي، شرعَ البرلمانيون في إسبانيا النّقاشَ حول مشروع قانون جديد لـ "الذاكرة الديمقراطية"، ويتضمّنُ خطّة استعادة رفات ضحايا الأهلية وإنشاء مُدّعٍ عام للتّحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان من عام 1936 إلى 1978؛ فيتوجّبُ على روسيا أن تنظر إلى مثال إسبانيا، لأنها تحتاجُ أيضا لاستعادة ذكرى الملايين من ضحايا الاستبداد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الكاتب بسام الهلسه يتحدث في ذكرى معركة الكرامة Rania Haddad


.. هل ستؤسس قضية مقتل جورج فلويد لمرحلة جديدة في الولايات المتح


.. الحوثيون يكثفون هجماتهم للاستيلاء على مدينة مأرب الاستراتيجي




.. مجلس النواب الباكستاني يصوت الجمعة على طرد السفير الفرنسي


.. أبل تكشف الستار عن مجموعة جديدة من منتجاتها الذكية