الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاقتصاد يتبع السياسة في -الشرق الأوسط-: العرب، تركيا، إيران، (إسرائيل)

محمد عبد الشفيع عيسى

2020 / 10 / 31
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني


لن نخوض في تعريفات متضاربة للمناطق الجغرافية المختلفة المحيطة بنا، نظرا للتداخل والالتباس المتعلق بحدودها الفلسفية والجيو سياسية، وإن كان أقربها للفهم: "المنطقة العربية" بما تحيل إليه من دلالات تاريخية-حضارية، قومية في التحليل الأخير، لما نسميه "الوطن العربي" رقعة جغرافية محددة بصورة عامة يقيم عليها "الشعب العربي"، ليتكون من ذلك مفهوم "الأمة العربية".
هناك أيضا ما يمكن ان نطلق عليه "المنطقة العربية-الإسلامية المركزية" التي تضم الوطن العربي مضافا إليه البلدان المحيطة به مباشرة، الواقعة في مركز الدائرة الحضارية للعالم الإسلامي بمدلوله العام في دراسات اللغات والأديان والحضارات، وأبرز منتسبيها إيران و تركيا، تمييزا لها عن البلدان ذات الأغلبية المسلمة في الطرفين الكثيفين البعيدين نسبيا عن مركز الدائرة لدى كل من آسيا الشرقية، و إفريقيا الشرقية و الغربية.
أما المصطلح المبتدع غربيا-استعماريا، أثناء وغداة الحرب العالمية الثانية، وهو "الشرق الأوسط" ، فقد أثار من "النقع" الكثير و لَغَطا. وها هو يراد به الحلول محل "الوطن العربي" لتمييع الهوية الحضارية العربية، كونه يشير إلى بلدان متناقضة الهوية بما يسمح بإدخال (إسرائيل). وربما يفسر هذا حماس بعض المنظمات الدولية، خاصة "البنك الدولي"، لإقحام ذلك الملفوظ الهجين في حُمّى المصطلحات المتداولة في الأدب السياسي و الاقتصادي راهنا؛ نقصد "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" MENA. و كلّ ذلك لتضمين إسرائيل في منظومة أوسع منها تضم معها بلدان الوطن العربي الكبير، وربما إيران أيضا.
ومن ينسى ما ذاع وانتشر عن بناء ذلك (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) في غمار (الموجة التطبيعية الأولى) بين بعض العرب الرسميين وإسرائيل في الفترة أثناء وبعد ما أُطلٍق عليه "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1990، الذي لحقه عقد سلسلة من "المؤتمرات الاقتصادية الإقليمية"، للدعوة إلى (سلام مصحوب بالرخاء)، كما قيل آنئذ، وذلك في الدار البيضاء عام 1994 وفي العاصمة الأردنية عمّان 1995 وفي القاهرة 1996 و أخيرا في الدوحة 1997. وقد صاحبتها جميعا حملة لتبادل العلاقات "التطبيعية" الرسمية وغير الرسمية بين إسرائيل وعدد من الحكومات، خاصة في بعض من الخليج، من خلال فتح مكاتب و "ممثليات" كأنها سفارات، سرعان ماتساقطت تباعا فيما بعد بقليل. ذلك دون أن نذكر الموجة التطبيعية "التأسيسية" بين إسرائيل و دولتين للمواجهة مع إسرائيل بعد إرث حروب عديدة، نقصد كلا من مصر- في عهد السادات- بمقتضى (اتفاقية كامب ديفيد) 1977 ثم (معاهدة السلام) 1979، و الأردن بمقتضى "اتفاقية وادي عربة" عام 1994.
ومنْ يمكن أن ينسى ما ذاع وانتشر أثناء وغداة عملية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 في زمن "إدارة" جورج بوش الإبن، حيث سوّقت دوائر الفكر الدعائي الغربية-الأمريكية، مصطلح "الشرق الأوسط الكبير" و "الشرق الأوسط الواسع" أو "الموسع"، ليضم إسرائيل دائما، جريا وراء الوهم الذي قام الرئيس الأسبق للكيان: (شيمون بيريز) بمحاولة بيعه في سوق الأفكار باسم كان عنوان (كتاب) له بعنوان "الشرق الأوسط الجديد" New Middle East في مطلع تسعينات القرن المنصرم (1993). وكانت فحوى "الرسالة" التي حملها ذلك (الكتاب) بناء شرق أوسط مزدهر قائم على المزاوجة بين التقدم التكنولوجي الذي تبشر به إسرائيل، والنفط والمال يقدمهما الخليج، و العمالة الكثيفة في البلدان العربية الأخرى وخاصة مصر، حيث كان يرى بيريز أن الشرق الأوسط بدون إسرائيل لا يعدو كونه "روضة أطفال كبيرة" بحكم هيكلية التركيب الديموغرافي الذي تهيمن عليه الشرائح العمرية الشابة. ذلك على الضدّ من الأُطّر التحليلية الديموجرافية الحديثة على الصعيد الدولي التي باتت ترى في أن غلبة الشرائح العمرية من صغار السن تشكل نافذة و هِبَة سكانية من شأنها خلق فرص تنموية كبيرة في المستقبل، بالاستفادة من الطاقات الخلاقة للشباب، إنْ أُحسِنت طريقة التعامل معها بالفعل.
ولما أن تهاوت في عباب الواقع العملي العسير أحابيل الدعاية الصهيونية في موجاتها المتلاحقة، كان لا بد من خلق أو اختلاق ذرائع تبريرية لإشاعة مصطلحات يراد بها، كما ذكرنا، محو المضامين القومية من الذاكرة العربية، واستبدالها بهذا المصطلح الجيو سياسي أو ذاك، مما تعجّ به جُعبة "مراكز التفكير" Think Tanks الأمريكية دائما، بامتداداتها لدى "اللوبي اليهودي" قوي التأثير الإيديولوجي، عظيم الأثر السياسي، في ثنايا النظام السياسي الأمريكي بالذات. ومن ذلك ما يتم الترويج له في الوقت الحالي في سياق "الموجة التطبيعية الثانية" التي يُرجّح أن تلقى مصير سابقتها في وقت قصير، فيما نرى. ولكن ماهذا الذي يدفع دفعا إلى موجة تطبعية إثر أخرى ..؟ أ هُو من وحي الذات أم بدفع قَويّ من خارج؟ و إن كان من الخارج فممّنْ و لِمَ..؟
هنا نجد أنفسنا أمام أربعة نماذج للسلوك السياسي الخارجي في تلك المنطقة التي يمكن ان نصطلح على تسميتها بالشرق الأوسط والتي تضم الوطن العربي وبعضا من "المنطقة العربية الإسلامية المركزية" بالإضافة إلى مظهر من مظاهر النفوذ الاستعماري المقيم. هذه النماذج الأربعة هي نموذج الوطن العربي وذلك التركي والآخر الإيراني و أخيرا (الإسرائيلي).
فأما النموذج العربي فمتعلق بالتعرض لتأثير خارجي غير قابل للمقاومة المتكافئة إلى حد بعيد، نظرا للقوة الطاغية للطرف القائم بممارسة التأثير، وشدة هذا التأثير، وفجوة القوة غير القابلة للتجسير تقريبا بين الطرفين المتقابليْن في الأجل المنظور. إن الأمر أقرب إلى أن يكون قرارا لا رجعة فيه من قوى خارجية بعدم السماح لأية قوى في النطاق الجغرافي للوطن العربي من أجل تحقيق السيادة الفعلية والفعالة على الموارد القوميةNational Sovereignty Over Resources وفق التسمية التي أطلقتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار الدعوة إلى “نظام اقتصادي عالمي جديد" وإلى "القانون الدولي الجديد"، و "القانون الاقتصادي الدولي" خلال عقد السبعينات. ينصرف ذلك بطبيعة الحال إلى موارد الثروة النفطية، البترولية والغازية، والمالية بالتالي، والتي تستحوذ عليها هذه المنطقة من الرقعة الكونية، في مشرق الوطن العربي ومغربه وفي وسطه أيضا من "وادي النيل"، مع الاستحواذ على الحصة الكبرى من الاحتياطيات البترولية العالمية ، وحصة معتبرة من إنتاج واحتياطي الغاز الطبيعي المسال والمصاحب. هذا يتعلق، في المقام الأول، ببلدان الخليج عظيمة الثروة قليلة السكان وذات التركيبة الديموجرافية التي تعاني من اختلالات مزمنة معروفة، بقدر ما يتعلق في الجناح المغربي بكل من ليبيا والجزائر، كما يتعلق، ضِمن حدود معينة، بجمهورية مصر العربية.
وقد سبق أن اتجهت أنظار العالم إلى هذه المنطقة (= العربية) إثر حرب أكتوبر/تشرين 1973، العسكرية والنفطية، التي ترتب عليها إعلان الدول العربية (أعضاء منظمة أوابك) في 15 أكتوبر 1973 حظر تصدير النفط بصورة كلية ولكن على عدة دفعات إلى عشر دول شاركت في دعم إسرائيل خلال حرب أكتوبر ( في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية ثم هولندا) والحظر الجزئي على ست دول أخرى؛ بالإضافة إلى الإعلان في 5 نوفمبر عن خفض إنتاج النفط بنسبة 25%، و رفع سعر برميل النفط ليصل فيما بعد ىالزيادة إلى أربعة أمثال، من ثلاثة دولارات إلى اثنا عشر دولارا (بداية ما سمّي "الفوْرة النفطية الأولى"). بالتزامن مع ذلك، تكونت فوائض مالية ضخمة سميت بالدولارات البترولية. وكان ان استوعبت الدول الغربية والولايات المتحدة الدرس، فدعت هذه بقيادة الوزير كيسنجر إلى تكوين "الوكالة الدولية للطاقة" لتقليل الاعتمادية الاستيرادية الغربية على النفط العربي، من جهة أولى، عبر زيادة استخدام بدائل الطاقة الأحفورية وزيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز ( ولو من النفط الصخري فيما بعد). و من جهة أخرى: تغيير "قواعد اللعبة" في السوق الدولية للطاقة وتبديل الصيغة التوازنية بين قوى العرض وقوى الطلب، وبين المنتجين والمستهلكين على الصعيد العالمي، ومن ثم إحداث صدمات سعرية متلاحقة تمتص الفورات السعرية السابقة، خاصة في منتصف السبعينات وأوائل الثمانينات. أما بخصوص الفوائض المالية، فقد تكفّلت أسواق المال الأوربية و أسواق السندات وأذون الخزانة الأمريكية باستيعاب الفائض المالي المتراكم من "الدولارات البترولية" فيما سُمّي "إعادة التدوير" Recycling.علما بأن القيمة الإجمالية للثروة المالية الخليجية المستثمرة في السندات الأمريكية حاليا قد تقارب التريليون دولار (بالإضافة إلى 2 تريليون من الصين..!). أما ما يتبقى من الموارد المالية لمبيعات النفط فيتم امتصاصه من خلال صفقات السلاح وعوائد الاستثمار للشركات الغربية والأمريكية في أسواق بلدان المشرق والخليج والمغرب الكبير. كل ذلك دون السماح بتدفق الاستثمارات الخارجية بالكم والكيف المناسبين بما يسمح بتحول أيِّ من الدول العربية المؤهلة (مثل مصر) إلى دولة صناعية جديدة بامتياز، متمتعة مع ذلك بميزة التوازن الاستراتيجي العتيد.
هذا، وإن (العصا لمن عصي) كما يتواتر في القول المأثور، ولكنها عصا بدون "جزرة" عكس المألوف. وهذا ما يتكشف في سياق الموجات التطبيعية، ومحاولاتها، منذ أواخر السبعينات حتى اليوم.
هذه المنطقة العربية إذن، منطقتنا، منكوبة بنعمة النفط، التي أثقلت كاهلها فوقعت فريسة لمن لا يرحم و لا يسمح بنزول الرحمة من الرب، إن صح التعبير. فكأنها نعمة استحالت نقمة لا تطاق..!
فهذا إذن هو النموذج العربي، خلال نصف القرن الأخير، يُبرز الأثر الساحق للعامل الخارجيّ، والذي لم يكن في مُكْنته ان يمارس تأثيره، إن لم يجد في الطرف المقابل بيئة مواتية من الضعف الهيكلي للمنظومات الكلية أو ما يسمى بالتكوينات الاقتصادية-الاجتماعية، وضعف وتشرذم النخب السياسية والثقافية تحت ضغوط لم تحتملها خلال القرون الخمسة الأخيرة على التقريب، في الأقل.
ذلك ربما هو ما أطلق عليه المفكر العربي الجزائري من وقت، تعبير "القابلية للاستعمار"، والتي لولا ما ولّدته من أوجه الضعف الهكلية، بعد أفول عصر الازدهار للحضارة العربية الإسلامية بأبعادها التاريخية-العالمية، لولا ذلك، ما قُدّر للاستعمار الأجنبيّ الغربي أن يحل بين ظهرانينا هذا الدهر الطويل.
هذا هو النموذج العربي الذي واجه التضييق والحصار، بل العدوان في حال المقاومة القوية للأثر التدميري الغربي-الأمريكي، كما حدث في مواجهة الثورة المصرية-العربية الناصرية إلى حدود العدوان المسلح بأداة إسرائيلية في الخامس من يونيو/ حزيران 1967.
... و لم يعُدْ في القوس منزع بعد ان ضاق المقام في هذه الحيز المحدود؛ ويبقى أن نشير إلى النماذج الأخرى المقابلة. أولها من حيث التداعي الذهني، النموذج الإسرائيلي، الذي يمثل حالة الاندماج التبعي في القوى الخارجية المؤثرة، المضادة للواقع الوطني-القومي العربي. تلك هي "الامبريالية الصغرى" الإسرائيلية Mini-Imperialism التي تحتمي ب - و (تخدّم على)- "الإمبريالية الكبرى" –الأمريكية- لتمارس معها، من خلال ذك، مقاسمة الثروات العربية، الطاقوية والمالية، مع مواصلة التوسع والهضم للوطن الفلسطيني المحتل و اعتبار ما يبقى من دونه أرضا عربية قابلة بدورها للاحتلال و للهيمنة على كل حال.
وهناك النموذج التركي بعد انهيار الدولة العثمانية ثم الإقرار الرسمي بذلك في اتفاقية لوزان الموقعة عام 1923 بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى وتركيا. فقد حدثت مقايضة يتم بمقتضاها (أوْربة) تركيا في إطار نموذج التحديث الغربي، وسلخ تركيا من إطار الانتماء التاريخي للدائرة الحضارية الإسلامية، مقابل ضمان الحماية العسكرية (في إطار "حلف الأطلنطي" بعد الحرب العالمية الثانية) وفتح الأبواب أمام الاستثمارت الأجنبية، الأمريكية والأوربية. وفي إطار الحماية الأمنية الغربية الأطلنطية والسياج الاستثماري الأجنبي، توفر لتركيا المناخ الملائم نسبيا لتحقيق قسط مرتفع من التنمية الاقتصادية، وصلت في زمن سيطرة الاتجاه الإسلامي السياسي منذ 2002 و صعود نخبة رجال الأعمال الجدد، إلى حدود "البلد الصناعي الجديد" Newly-industrialized. وهذا ما هو مهدد بالضعف في الفترة الأخيرة تحت وطأة نزعة المغامرة الخارجية، و "الوحدانية السياسية" في الداخل، وعواقبها المحتملة غير المأمونة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
أخيرا هناك "النموذج الإيراني" الذي انتقل بعد الثورة الإيرانية الكبرى لعام 1979 من زمن "الشاهنشاهية" ذات الارتباط التبعي الوثيق بالغرب والولايات المتحدة والصلة الوثقى مع إسرائيل، ليتحول إلى النقيض، حيث محاولة بناء"منطقة نفوذ" على الصعيد الإقليمي في مواجهة الإمبرياليتين الكبرى والصغرى. مع العمل على بناء سلسلة تحالفات ذات طابع ضيق في عدة أجزاء من المنطقة العربية ، في وجه مقاومة من عدة بلدان عربية في منطقة الخليج بالذات، بكل ما يعتور هذه المحاولة الإيرانية من انزلاقات وعثرات و أخطاء ثقيلة. هذه المحاولة تواجه نزعة عدوانية شديدة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وصلت إلى حد ممارسة (الحصار بالخنق) بل والتهديد بالعدوان العسكري بذريعة عدم السماح لإيران بالتحول إلى قوة نووية.
تلك إذن هي النماذج الأربعة السائدة على رقعة ما يسمى بالشرق الأوسط حيث يتبع الاقتصاد خطوط السياسة على الدوام. وهكذا ترتع إسرائيل، وتتذبذب تركيا بين الانتعاش والضعف، وتُخْنق إيران، ويُمنَع الوطن العربي من التقدم الاقتصادي بالمعايير الدولية المعاصرة، إلى حين.
فإلى أين نحن ذاهبون؟ هذا ما سنحاول استكشافه في مقام غير بعيد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قوات الاحتلال تنفذ عملية عسكرية في مخيم جنين والمناطق المحيط


.. رئيس مجلس السيادة بالسودان يشدد على ضرورة العودة للمسار الان


.. موريتانيا.. أكواخ بأشكال متنوعة من سعف النخيل تنتشر في مدينة




.. المفوضية الأوروبية: نتابع الأعطال التي تم الإبلاغ عنها في خط


.. مشاهد لتحرك السحب مع قرب العاصفة إيان في سماء أميركا