الحوار المتمدن - موبايل


مصر السيسى ورياح الإقليم

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2020 / 11 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


لايمكن فصل تخبط سياسات مصر السيسى الداخلية ، عن تخبط سياستها الخارجية ، التخبط والغموض، فى الداخل كما فى الخارج ، حيث تتنازع مصر اليوم ثلاث نظم إقليمية ، دون صدور أى إشارة عن أى نظام قد تتبع ، وفى أى طريق سوف تسير، طريق الجامعة العربية، أم المشرق الجديد ، أم شرق المتوسط؟
مرت الجامعة العربية فى تاريخها بعدة أطوار رئيسية ، هى مرحلة التأسيس فى الأربعينات ، والتى لم تجتمع خلالها إلا فى مؤتمر وحيد فى أنشاص بالقرب من القاهرة بدعوة من مصر سنة 1946 لمناقشة الخطر اليهودى على عروبة فلسطين ، ثم المرحلة الناصرية فى الخمسينات والستينات ، والتى إنتهت بهزيمة 1967 ، ووفاة جمال عبدالناصر سنة 1970م ، ثم مرحلة السيطرة السعودية الخليجية بعد حرب أكتوبر 1973م وتفجر الثروة النفطية، والتى إستمرت حتى اليوم ، وخلال هذه الفترة أنشأ الخليجيون بيت خاص بهم للإستقلال عن قرار الجامعة العربية، هو مجلس التعاون الخليجى الذى تم تأسيسه سنة 1981، وأصبح بمثابة دولة داخل الدولة وسيطر عملياً على قرارات الجامعة ، برغم ماإعتراه هو نفسه من تفكك بعد ذلك ، حيث سيطر على معظم قرارات الجامعة، وقام بتحدى رغبة صدام حسين بعد إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988م ، فى عقد مؤتمرات سنوية فى بغداد ، كما قام بإعادة مقر الجامعة من تونس إلى القاهرة سنة 1989م، بعد أن كانت قد طردت منها بسبب معاهدة السلام مع إسرائيل، ونجح بالفعل فى حشد الرأى العام العربى والدولى ضده من خلال موقع الجامعة فى مصر ، على أثر غزوه للكويت سنة 1990م ، وبعد تحرير الكويت توترت العلاقات المصرية السعودية الخليجية ، بسبب تراجع دول الخليج عن الوعود التى بذلتها بعد الحرب فيما عرف بإعلان دمشق ، وأثناء تلك الفترة دعم الخليجيون مشروع تأسيس البرلمان العربى 2001-2004 ، ومقره فى دمشق من أجل خلق منبر عربى مواز للجامعة العربية ، لكن مع تولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز الحكم فى المملكة السعودية سنة 2005م نشأ نوع من التحالف المصرى السعودى ، وتشكل محور من الإعتدال وتقاسم النفوذ داخل أروقة الجامعة العربية ، والذى إستمر حتى رحيل الملك عبدالله سنة 2015م ، ومع مجئ الملك سلمان للحكم تحولت العلاقات المصرية السعودية إلى صدام صامت، حيث رفضت السعودية مبادرة القوات العربية المشتركة التى تقدمت بها مصر سنة 2015 فى مواجهة التهديدات المحيطة بالمنطقة العربية ، وحاولت إكراه مصر على الإنضمام للتحالف الإسلامى الذى كونته بديلاً عن القوات العربية المشتركة ، ورداً على تردد مصر فى القبول بهذا المشروع قامت بإيقاف شحنات المحروقات الشهرية التى كانت تزودها بها ، تماماًكما فعلت فى التسعينات على أثر الخلافات حول إعلان دمشق، وبعض ظروف العمالة المصرية بالمملكة ، حين هددت بإيقاف توظيف العمالة المصرية ، لكنها عادت إلى الصلح بعد أن بدأت خيوط التآمر القطرى الإخوانى تتضح أمامها ، وسارت العلاقات فى طريقها الطبيعى بعذ ذلك وحضر الملك سلمان مؤتمر شرم الشيخ الذى دعى إليه الإتحاد الأوربى مع الجامعة العربية فى فبراير 2019م ، بينما حضرت الإمارات بتمثيل ضعيف أثار كثيراً من التساؤلات ، التى إتضحت الإجابة عليها اليوم ، حين قررت الإمارات الخروج عن التبعية لمصر والسعودية، والإنقلاب على مبادرة السلام العربية التى تبنتها الجامعة العربية فى عهد الملك عبدالله وحسنى مبارك فى مؤتمر بيروت سنة 2002م ، وقامت بالتطبيع المنفرد مع اليمين الإسرائيلى ، فى سبتمبر الماضى ، بما حمله ذلك من خطر وتهديد لكل ميراث كامب ديفيد وأوسلو، والذى لايعترف به الليكود وتيار اليمين الإسرائيلى ، ذلك الإنقلاب الذى دعمته السعودية عملياً فى تأييدها للبحرين فى رفض طلب مندوب فلسطين الدعوة لإجتماع وزراء الخارجية العربية لمناقشة تداعيات ذلك التطبيع المريب، وتصريحات الأمير بندر بن سلطان الأخيرة ضد القادة الفلسطينيين ، والتى حملت رسالة سياسية واضحة عن توجهات المملكة المستقبلية ، دون تشاور أو إحترام لأى شركاء فى النظام العربى ، وأيضاً بمحاولات تنشيط دور البرلمان العربى ، وإعادته إلى الواجهة مرة أخرى ، تمهيداً على الأرجح للإستغناء عن مصر وجامعاتها العربية من معادلات توازن القوى الخليجية المستقبلية ، تبعاً لما ستسفر عنه نتائج الإنتخابات الأمريكية خلال الأيام القليلة القادمة ، وقرار السعودية المحتمل ، بالحفاظ على النظام العربى القائم فى حالة خسارة دونالد ترامب ومجئ الديموقراطيين إلى الحكم، أو بهجرانه والإنضمام إلى الشرق الأوسط الإبراهيمى الجديد خلف الإمارات ونتنياهو فى حالة إعادة إنتخابه ، كل تلك التطورات العاصفة السريعة حدثت وتحدث بمقر الجامعة كما هو فى القاهرة ، بموظفيه اللذين تدفع رواتبهم السعودية والإمارات ، والأمين العام المصرى ، الذى يسلى نفسه بين الحين والآخر، بتغريدات على تويتر لايهتم بها أحد ، وبنظام عبدالفتاح السيسى لايبالى بأى شئ كالعادة ، يوافق على مبادرة الإمارات أمام الكاميرات، ويتمسك بمبادرة السلام العربية خلف الكواليس ، دون أى بادرة لزحزحة هذه السيطرة الخليجية المجحفة.
ومع ذلك ، فقد لاحت فى الأفق فى نفس سبتمبر الماضى هذا ، بعض ملامح نظم إقليمية جديدة بدأت تطرح نفسها على المشهد المضطرب فى الشرق الأوسط ، تمثلت فى مشروع المشرق الجديد أو الشام الجديد، و فى الإعلان عن منظمة غاز شرق المتوسط فى القاهرة ، ويبدو مشروع المشرق الجديد ، أو الشام الجديد ، كإحياءً لمشروع مجلس التعاون العربى الذى أطلقه الرئيس العراقى الراحل صدام حسين فى فبراير1989م فى مواجهة سيطرة دول الخليج على النظام الإقليمى العربى ، بتكتل عربى مواز لهذه السيطرة ، لكنه يمكن أن يقرأ بشكل مختلف أيضاً ، وخاصة مع إمكانية إنضمام سوريا ولبنان إليه فى المستقبل ، كما يشير إسمه الثانى ، الشام الجديد ، إذ يمكن أن يكون مشروع المشرق الجديد ، على الأقل بالنسبة لمصر والأردن ، محاولة للإنفتاح على إيران من خلال العراق ، وليس إنفتاح العراق على بعدها العربى من خلال مصر والأردن ، كما أعلن الجانب العراقى مع إنطلاق المشروع ، وهو إحتمال كبير تفرضه ظروف إعادة ترتيب توازن القوى فى المنطقة بعد التقارب الخليجى الإسرائيلى على حساب الجميع ، لكن الواقع هو أن لاأحد يعرف الأبعاد السياسية الكاملة للمشروع بعد ، حيث لم يصدر له ميثاق ، ولم تؤسس له أى هياكل تنظيمية ، مجرد مشروع فى الفضاء .
وفى خلال أيام من الإعلان عن مشروع المشرق الجديد ، الشام الجديد ، أعلن عن تأسيس المنظمة الإقليمية لغاز شرق المتوسط فى القاهرة ، وهى منظمة دولية متخصصة تشبه منظمة أوبك النفطية ، وتعتبر تكتلاً إقتصادياً بالأساس، لم يتطور بعد لمستوى التكتل السياسى، لكن ليس هناك مايمنع من تطوره ، إذا نجح فى تحقيق أهدافه الإقتصادية، فمن الطبيعى أن يؤدى ذلك إلى نوع من التقارب السياسى أيضاً بين الدول الأعضاء ، على غرار ماحدث بعد تأسيس إتحاد الحديد والفحم بين الدول الأوربية سنة 1951م والذى تطور بعد ذلك إلى إتحاد سياسى أوربى سنة 1992م ، وتضم المنظمة حالياً ستة دول، ثلاث دول شرق أوسطية هى مصر والأردن وإسرائيل، وثلاث دول أوربية هى اليونان وقبرص وإيطاليا، ومن المحتمل إنضمام فرنسا مستقبلاً ، كما يحتمل أن تعود فلسطين إلى الإنضمام بعد إنقشاع فترة حكم نتنياهو فى إسرائيل ، وبذلك تظل النسبة متعادلة كما هى ، أربع دول شرق أوسطية مقابل أربع دول أوربية ، وتحتل فيه مصر مركزاً متميزاً ، بحكم كونها دولة المقر ، وبحكم أنها تملك النسبة الأكبر من إحتياطات الغاز فى شرق المتوسط ، ومحطات التسييل ، بالإضافة إلى خط الأنابيب المزمع إنشائه بين سواحل مصر وقبرص واليونان ، ولكن تعترضه عقبات خطيرة فى الواقع ، تتمثل فى الإعتداء الإسرائيلى على الأراضى الفلسطينية ، والروسى على الأراضى السورية، والإيرانى على الأراضى اللبنانية، والتركى على المياه الإقتصادية القبرصية واليونانية ، ومع ذلك ففى ظل وجود أربع دول أوربية فى التكتل، ورعاية الإتحاد الأوربى ، والذى تبنى المشروع منذ البداية وحتى الإعلان عن تأسيس المنظمة فى سبتمبر الماضى ، وكذلك فى ظل وجود تاريخ متجانس للمنطقة من خلال خضوعه لنفس الحضارات عبر التاريخ ، وبرغم ماإنتهت إليه من تباين ثقافى فى الزمن الحالى ، فإن فرصة نجاح التكتل ، على المستوى الإقتصادى وإمكانية تطوره إلى تكتل سياسى تظل قائمة ، حيث يمكنه تقديم نموذج ناجح للإستقرار والتنمية والحداثة الأوربية ، ويحل كثيراً من مشاكل مصر ، التى يمكنها بذلك تعويض خسارة خروجها المحتمل من الخليج أمام إسرائيل ، وتجنب ضرورات توازن القوى ، التى قد تحتم الإنفتاح على إيران ، والتى لن تعود عليها إلا بالخسارة ، شأنها شأن معظم سياسات الشرق الأوسط ، وكذلك إمكانية نقل ملعب مواجهة الغريم التركى إلى البحر المتوسط ، التى تسيطر عليه دول الإتحاد الأوربى، وفرنسا صديق مصر الدائم ، واللاعب الصاعد فى شئون المتوسط ، بدلاً من ملعب الخسائر فى الشرق الأوسط ، مما قد يسهل على مصر مهمة التغلب عليه ، كما حدث فى الحالة اليونانية، بالإضافة إلى كثير من التفاعلات الحضارية الإيجابية الأخرى التى تحتاجها مصر المأزومة اليوم بشدة ، لكن المشكلة أن كل تلك التصورات السياسية ، لا يمكن أن تتحقق إلا بشرط توفر الإرادة السياسية لخلق ذلك النظام الإقليمى الجديد ، هذا الشرط شبه المستحيل فى عهد ديكتاتورية عبدالفتاح السيسى ، عدو القيم الأوربية ، الذى يجرى مناوراته خلف روسيا بعيداً فى البحر الأسود ، بينما يزهد فى مشاركة جيرانه الأوربيين مناوراتهم القريبة فى شرق المتوسط ؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تعرف على أبرز تطورات صواريخ المقاومة الفلسطينية


.. القسام تعلن إطلاق 130 صاروخا تجاه بلدات إسرائيلية


.. -حلوا عن صدورنا-.. الرئيس الفلسطيني يوجه رسالة إلى أمريكا و




.. جذور أزمة حي الشيخ جراح في القدس بين الفلسطينيين والإسرائيلي


.. واشنطن تعلن مراجعة قرار انسحابها من اتفاقية -الأجواء المفتوح