الحوار المتمدن - موبايل


ماذا فعل لنا ترامب؟

عبدالجواد سيد
كاتب ومترجم مصرى

(Abdelgawad Sayed)

2020 / 11 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


بمناسبة فوز بايدن ، ورغم أننا لانعرف كيف سيتجه مجرى الأحداث فى ظل رفض ترامب الإعتراف بالهزيمة، وعزمه على اللجوء للقضاء ، وللمحكمة العيا ، التى يسيطر عليها المحافظون ، والتى يأمل بشئ من الغموض ، أن تنقذه من الهزيمة ، فقد كان من الطبيعى أن يطرح هذا السؤال نفسه فى هذا التوقيت الآن ، ماذ فعل بنا ترامب ؟
من الصعب أن نجيب على هذا السؤال فى عجالة ، ماذا فعل بنا ترامب ، فى أمريكا ، فى العالم أم هنا فى الشرق الأوسط والمتوسط ، أربعة سنوات فقط ، مرت على العالم كأنها رياح يوم القيامة ، بعثت كل غرائز الدين والعرق والتناقض والطغيان والتآمر، فى عالم يجاهد للتخلص من كل تلك الغرائز ، لقد قسم ترامب المجتمع الأمريكى ووضعه على حافة الصراع الأهلى ، وإنهال تحطيماً على أهم مواريث عصر أوباما ، الخاص ببرنامج الرعايا الصحية للطبقة الوسطى الأمريكية ، إنسحب ترامب من منظمة حقوق الإنسان، ومن منظمة الصحة العالمية، ومن منظمة التعاون فى المحيط الهادى، ومن الإتفاق النووى الإيرانى، ومن إتفاقية المناخ فى باريس، زعزع أركان الإتحاد الأوربى ، وساهم فى إخراج بريطانيا منه، وغذا تيارات اليمين فى كل أنحائه ، سلم البحر المتوسط لقياصرة الروس وسلاطين الأتراك ، سلم فلسطين والشرق الأوسط لليمين الإسرئيلى المتطرف، وقتل إستحقاق دولة الأكراد العلمانية ، ورفع قطر الإخوان إلى مرتبة الحليف الإستراتيجى المتميز، هل يمكننا أن نعالج كل ذلك فى عجالة حقاً ، لا ، دعونا إذن نركز عما فعله بنا هنا فى الشرق الأوسط والمتوسط؟
عندما جاء ترامب إلى الحكم فى أعقاب إنتخابات مشبوهة بالتدخل الروسى سنة 2016م ، ضد المرشحة الديموقراطية هيلارى كلينتون ، كان الشرق الأوسط ، بقيادة التحالف الدولى الأمريكى ، وجنوده الأكراد ، قد هزم تنظيم داعش فى سوريا والعراق ، وأصبحت المنطقة على وشك الدخول إلى مرحلة من التعاون والتسويات السلمية ، حتى قفز ترامب إلى الحكم ليغير كل ذلك بشكل لايعقل . وربما يمكننا أن نبدأ رسم بانوراما البحر المتوسط فى عهد ترامب بقراره الغير متوقع بالإنسحاب المبكر من سوريا فى سبتمبر 2018م ، قبل التوصل إلى تسوية سياسية كاملة هناك، كما كان الإتفاق بين أعضاء الأسرة الدولية ، بحجة الإنتهاء من مهمة القضاء على داعش، لقد أثار هذا القرار الغريب فزع مستشاريه وأدى إلى إستقالة وزير دفاعه فى ذلك الوقت جيمس ماتيس ، كما ستؤدى قرارات مماثلة بعد ذلك على مدى رحلة سنواته الأربع فى البيت الأبيض ، ولم يكن قراره بالإنسحاب من سوريا فى الواقع إلا رغبة منه فى تسليمها إلى الروس والأتراك، بشرط إستبعاد إيران، وعدم الصدام بإسرائيل ، وهو ماحدث فعلاً ، فمنذ البداية أظهر دونالد ترامب نوعاً من التوافق ولانقول التآمر، مع توجهات بوتين السياسية بشكل عام، وفى المتوسط بشكل خاص، وكان دائماً يصفه بالحاكم القوى، وهو نفس اللقب الذى أضفاه على السلطان المسلم رجب طيب أردوغان فيما بعد، وجعله شريكاً فى الغنينة السورية ، أردوغان فى الشمال ، وبوتين فى باقى سوريا ، لينتقل نفس الثنائى الديكتاتورى للإستيلاء على ليبيا بعد ذلك ، فى ظل نفس التواطؤ الأمريكى . ومنذ البداية كان عداء رونالد ترامب الإنجيلى المتهووس للأوربيين العلمانيين المعتدلين أكبر من عدائه المزعوم للمتشددين المسلمين ، ففى أثناء كل ذلك ، دعم رونالد ترامب إتجاهات اليمين الإنفصالية فى أوربا ، من لوبان إلى سالفينى إلى أوربان ، كما حرض بريطانيا بكل قوة على الإنفصال عن الإتحاد الأوربى مقابل إمتيازات تجارية خاصة مع الولايات المتحدة ، وهو ماتوج بعد ذلك فعلاً بخروج بريطانيا من الإتحاد الأوربى ، فى نفس الوقت الذى دعم فيه أردوغان فى كل مراحل عدوانه وطموحاته العثمانية ، منذ سلم له حلفاء الأمس الأكراد غنيمة ، يحصدهم بالطائرات فى شمال سوريا ، ويقضى على إستحقاق دولتهم العلمانية ، عرفاناً بماقدموه من تضحيات فى حرب داعش ، وبما أقرته لهم معاهدة سيفر سنة 1920م ، وبما إحتاجه الشرق الأوسط منهم فى تقديم نموذج لدولة إسلامية علمانية، تقلص من مساحات الدول الثيوقراطية العدوانية التى تتحكم فى مصيره ، حتى دعم عدوانه على اليونان وقبرص ، وإستفزازاته لدول الإتحاد الأوربى فى صراع الغاز فى شرق المتوسط ، لدرجة إجراء مناورات بحرية مشتركة مع تركيا ، رداً على المناورات التى قادتها فرنسا وبعض دول الإتحاد دعماً لليونان وقبرص. إن كراهية دونالد ترامب الغير مفهومة لأوربا والأوربيين و حضارتهم ، أسفرت اليوم عن بحر متوسط ممزق ، تنتصب فيه مدافع الروس والأتراك على كل جانب، وتقطع الطريق أمام شعوبه، عملياً ، على أى عمل مشترك للإستفادة من ثرواته وحماية أمنه فى المستقبل .
فإذا ماإنتقلنا إلى الشرق الأوسط ، فسوف تبدو البانوراما أكثر مأساوية ، أو قل أكثر تعقيداً ، بدءً من الموقف من إيران إلى ماعرف بصفقة القرن ، وحتى التطبيع الإماراتى الإسرائيلى الذى أعقبها ، والذى عرف بمعاهدة إبراهام ، فهنا سوف نجد أن ترامب الذى تساهل مع الإسلام السياسى التركى بل ودعمه كل الدعم ، يتشدد مع الإسلام السياسى الفارسى كل التشدد ، تشدد وصل ذروته فى الخروج من الإتفاق النووى معها ، الذ كان قد تم التوصل إليه فى عهد أوباما بالإشتراك مع باقى القوى الكبرى، بحجة عدم إلتزامها بمبادئ الإتفاق وبتهديد أمن وإستقرار منطقة الخليج ، الهامة للمصالح الأمريكية ولأمن الطاقة فى العالم ، وهى كلمة حق يراد بها باطل ، لإن ماكان يريده ترامب فى الواقع ، كما أثبتت الأحداث بعد ذلك ، هو تحقيق أقصى إستغلال سياسى وإقتصادى ممكن من دول الخليج بحجة الفزاعة الإيرانية ، فعندما زار السعودية سنة 2017م وقع عقداً بحوالى أربعمائة مليار دولار مبيعات أسلحة ظل يتفاخر بها بعد ذلك بمناسبة وغير مناسبة ، ولكن عندما وصل التوتر مع إيران ذروته بعد ذلك، وقامت بتدمير طائرة أمريكية مسيرة ( بدون طيار) بالقرب من مياهها الإقليمية، رفض ترامب توجيه بعض الضربات العسكرية داخل العمق الإيرانى ، والتى أقترحها مستشار الأمن القومى آنذاك ، جون بولتون ، والذى إستقال بناء على ذلك ، على نحو مافعل وزير الدفاع جيمس ماتيس إحتجاجاً على الإنسحاب من سوريا ، ومرة أخرى ، عندما وجهت بعد الأذرع الإيرانية ضربات بواسطة صواريخ أو طائرات مسيرة، لمصافى النفط السعودية فى المنطقة الشرقية ، وأشعلت فيها النيران أمام العالم ، وهددت أمن الطاقة فعلاً ، لم يحرك ساكناً ، بإستثناء التهدديد والوعيد المعتاد، لكنه أثناء كل تلك الدراما الإيرانية ، وفى خط موازى ، كان يمارس أقصى الضغوط على الفلسطينين أيضاً ، بإغلاق مكتب منظمة التحرير فى واشنطن ، ثم بإيقاف مساعدات منظمة الأونروا ، ثم بنقل السفارة الأمريكية إالى القدس ، قبل التوصل إالى تسوية سلمية ، وأخيراً بالترويج لمشروعه للسلام فى الشرق الأوسط ، الذى عرف بإسم صفقة القرن ، والذى لم يكن فى الواقع سوى عرض للفلسطينين بالإستغناء عن حوالى ثلث أراضيهم مقابل بعض التعويضات المالية. وفى سبتمبر الماضى ، وصلت السياسة الترامبية فى المنطقة مداها النهائى بالإعلان عن التطبيع الإماراتى الإسرائيلى ، بصرف النظر عن الإلتزام بالقضية الفلسطينية ، أو بمبادرة السلام العربية ، إستغلالاً للفزاعة الإيرانية من جهة ، وللطموح الإماراتى فى القيادة الإقليمية من جهة أخرى ، ثم بدأت سلسلة من الضغوط لجذب بعض الدول الأخرى إلى قطار التطبيع التعسفى ، أسفر عن إنضمام البحرين ، واالسودان ، وإمتناع السعودية مؤقتاً ، إنتظاراً لنتيجة الإنتخابات الأخيرة ، التى وضعت حداً لذلك الكابوس ، مؤقتاً على الأقل.
تلك هى الملامح العامة لسياسات ترامب فى المنطقة التى نعيش فيها ، بين الشرق الأوسط والمتوسط، والتى لايمكن تقييمها قبل دحض الفكرة الشائعة عن مناصرة الديموقراطيين لتيار الإسلام السياسى ، وعداء ترامب له ، والتى أكسبته بعض التعاطف والشعبية فى المنطقة ، فمن المعروف أن إدارة أوباما قد تبنت ، وبناء على نتائج غزو أفغانستان والعراق السلبية ، سياسة الإنسحاب من الشرق الأوسط والعالم الإسلامى، والتوجه بدلاً من ذلك إلى المناطق الصاعدة فى آسيا وإفريقية وأمريكا اللاتينية ، وهى السياسة التى عبر عنها بعد ذلك الكاتب جيفرى جولدبرج فى مقال مطول بمجلة أتلانتك ، عرفت بإسم عقيدة أوباما ، والتى صاغها بناء على سلسلة محادثات مطولة معه ، والتى تبناها ترامب جزئياً بعدما جاء إلى الحكم أيضاً ، لكن سياسة أوباما كلينتون ، وبعكس سياسة دونالد ترامب التآمرية ، كانت تفكر فى ضرورة وجود ماأطلقت عليه عبارة (القوى المحلية) لضمان إستقرار المنطقة بعد الإنسحاب الأمريكى ، وكما يبدو من سير الأحداث ، فقد رأت إدارة أوباما خطأً فى تيار الإخوان المسلمين الذى برز بعد الربيع العربى ، تياراً مدنياً منتخباً ديموقراطياً يمكن أن يؤدى ذلك الدور، ويسيطر على تلك المنطقة المضطربة ويرحم العالم منها ، لكنها سرعان ماغيرت هذا الإختيار الخاطئ مع فترة رئاسة أوباما الثانية ، ووقعت الإتفاق النووى مع إيران فى محاولة لإغرائها بالإعتدال ، وجعلها تلعب دور تلك القوى المحلية الغائبة ، ثم إختارت فى النهاية ، إقامة دولة كردية علمانية فى شمال سوريا والعراق ، بكل مايعنى ذلك من تحدى لتركيا أردوغان الإسلامية ، ولإيران الإسلامية أيضاً ، وحتى للنظم العربية الإستبدادية ، وهى الرؤية االتى شاركتها فيها دول الإتحاد الأوربى ، بإستثناء بريطانيا، وبدأت فعلاً فى التجهيز لذلك ، على أن يتم التنفيذ فى حال فوز هيلارى كلينتون المتوقع بالرئاسة ، لكن تأتى الرياح بما تشتهى السفن ، حيث فاز ترامب ، وقام بإختيار تركيا أردوغان الإخوانية ليس فقط ، لتقضى على دولة الأكراد العلمانية ، ولكن أيضاً لتسيطر على مساحات أوسع ، فى سوريا وشمال إفريقية. لقد كان إنحياز إدارة أوباما للإخوان فى البداية مجرد حيرة فى رحلة البحث عن تلك القوى المحلية المعتدلة ، التى قد يمكنها ضبط المنطقة بعد الإنسحاب الأمريكى ، لكنه لم يكن تحالفاً أيدولوجياً ثابتاً ، كما يدل مجرى الأحداث السابق ذكرها ، وليس كما يروج أنصار ترامب والترامبية.
إن التركة التى خلفها لنا دونالد ترامب ، هى تركة مثقلة بغيوم الدين السياسى المرعب، وحلفائه من دول الإستبداد الكبرى ، ومن اليمين الإنجيلى الأمريكى ، ففى البحر المتوسط أردوغان وروسيا ، وفى الشرق الأوسط ، إيران والصين صديقها المقرب ، فى مواجهة حلف إبراهيم الخليجى الإسرائيلى المدعوم من اليمين الإنجيلى الأمريكى ، والذى لن يستطيع أن يفرض نفسه على الشرق الأوسط بقانون الغاب ، البقاء للأقوى، أنه فقط قد يدفع الغضب الفلسطينى الأردنى والمصرى أيضاً ، بعد لغز السيسى الذى لن يحكم مصر إلى الأبد ، إلى الحضن الإيرانى المفتوح لهم على مصراعيه منذ أربعين عاماً وأكثر ، أمر متوقع ، إذا فاز دونالد فى ولاية ثانية ، وإستمر فى سياساته التوراتية ، ليصبح الشرق الأوسط والمتوسط ، على المدى البعيد ، بحيرة صراع واسعة بين تيارات الدين السياسى ، السنى والشيعى والتوراتى.
إن مايحتاجه الشرق الأوسط هو سلام حقيقى ، سلام وستفالى علمانى ، قائم على حرية العقيدة ، وحق تقرير المصير، وإحترام السيادة الوطنية لكل دوله ، وليس سلام إبراهيم التوراتى ، الذى تأكل فيه القبيلة الأقوى القبيلة الأضعف، ويزيد مساحات الصراع الدينى بدلاً من أن يخصم منها، مايحتاجه الشرق الأوسط هو، السلام الذى يبدأ من فلسطين ، سلام الديموقراطيين ، سلام كارتر وكلينتون ، وليس سلام الطاغية المتدين دونالد ترامب ، وأصدقائه الطواغيت المتدينين ، نتنياهو وبوتين وأردوغان ، والمبشر كوششنر وزوجته إفانكا!!!

أهم المراجع
The Obama Doctrine -Jeffrey Goldberg - The Atlantic - April 2016
عقيدة أوباما - جيفرى غولدبرج - مجلة أتلانتك - عدد أبريل 2016








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. معن الجبوري: الحراك السياسي قبل الانتخابات يؤشر إلى العمليات


.. الصوت المعجزة.. في ذكرى وفاة الشيخ محمد رفعت


.. شاهد: مأرب اليمنية تتحضر لاستقبال عيد الفطر على وقع التصعيد




.. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان الإسرائيليين والف


.. ولي العهد السعودي يستقبل أمير قطر بجدة في ثاني زيارة له إلى