الحوار المتمدن - موبايل


بنية اللغة الشعرية: سبع ملاحظات على أطروحة جان كوهين..

حكمت الحاج

2020 / 11 / 15
الادب والفن


(مقالة تمهيدية)
.. إنّ عد الشعر ظاهرة قابلة للتوصيف العلمي مثل بقية الظواهر الأخرى للوجود، يثير دائما نوعا من ردود الفعل في سياق ما يمكن أن نسميه بـ "الحس العمومي" هذا الذي يحيط العمل الشعري بشكل معين من الهالات القدسية والأبعاد السحرية ويرفض أية محاولة لتفكيك البنية الداخلية للغة الشعرية لكي تكوّن عوامل تحليل مادية. ويمكن لنا إدراج كثير من ردود الفعل الخاصة بالنخبة الثقافية ضمن تيار الحس العمومي هذا، مثلا: رفض تحليل نص ما، تعليق الحكم على القيمة، الحديث عن الجوهر المحصن للشعر غير القابل للرصد والملاحظة، موضوعة الكشف والاستبطان، وما إلى ذلك من ملامح ثقافة نقدية عربية لاعلمية تلفيقية وخلطية.
لقد حان وقت إدانة وفضح نيات موقف كهذا، كما يؤكّد "جان كوهين" في مقدمة كتابه "بنية اللغة الشعرية"، (المترجم الى العربية عديد الترجمات، اعتمدنا في مقالنا هذا على الترجمة المغربية بقلم محمد العمري ومحمد الولي) ذلك أنّ الشعر وإن يكن في الجهة الأخرى المناقضة للعلم، فإنّه لا يوجد شيء ممتنع على الملاحظة المنهجية والإحصاء الكمي الرياضي.
إنّ الفارق ما بين الشعر والنثر هو فارق ذو طبيعة ألسنية مُشْكلانية. وهو ليس كامنا في الصوت ولا في المعنى، إنما هو كامن في نسق العلاقات التي تقيمها القصيدة ما بين الدال والمدلول أولا، ثم ما بين المدلولات نفسها. ثانيا. وإن هذا النوع الخاص من العلاقات أكثر ما يتميز به هو "السلب"، وإنّ الأشكال التي تكوّن خصوصية اللغة الشعرية هي طرائق في تهديم القانون اللغوي السائد وهو ما يصطلح عليه بـ "الانحراف" أو "العدول" أو "الانزياح".
يثير هذا الاصطلاح ("الانحراف" أو "العدول" أو "الانزياح") إشكالات كثيرة مثل: الدلالات الأولية للألفاظ علما بأنّ علماء اللسانيات المعاصرين لا يعيرون أهمية تذكر لهذه القضية. ذلك أنّهم يرون أنّ من المستحيل الوصول إلى الدلالات الأصلية للكلمات، وإن أية كلمة في أي وقت تمثل في حقيقتها نوعا من الانحراف بالمقارنة مع دلالتها السابقة. لذا يجب التحدث عن الانحراف عبر اصطلاح لساني آخر هو: التزامن، إنّ لغة الشعر هي مجموعة من الانحرافات التي تتكرر في اللغة، هذا قياسا إلى لغة النثر التي هي لغة الاستعمال اليومي، لكن ليس كل انحراف عن الاستعمال العادي للغة هو انحراف شعري.
يقترح "كوهين" كافتراض رياضي منهجي، وجود ثابت يجمع بين مختلف الشعراء وهو الطريقة نفسها في الانحراف عن اللغة القاعدية. وهذا الانحراف حد سواء على صعيدي اللغة كليهما: الصوتي: وزن، قافية، إيقاع، خروج على الصوت الثابت وكذلك المعنوي: فيما يخصّ المجاز بشكل خاص..."
إنّ هذا يفتح الباب لدراسة الشعر كعلم كمي إحصائي، ويصبح الفعل الشعري قابلا للقياس لدرجة أنّه سيمكن الحديث عن النسبة المئوية لشعرية قصيدة ما. ويؤكد "كوهين" أنّ الطريقة الإحصائية لن تؤدّي إلى كشف المفاتيح الشعرية وإنّما فقط تساعد على معرفة خطأ أو صواب الافتراض الرياضي المعتمد في الدراسات اللغوية البنيوية. ذلك أنّ الأسلوب أي الستايل كما يعتقد ذو بنية نوعية لا كمية. إذن، الانحراف ضروري لانوجاد أي نص شعري وإنّ أصالة أي شاعر تمتحن عبر هذا المفهوم.
ونتذكر هنا المرحلة الكلاسيكية عندما كان العكس هو السائد بمعنى أنّ الانحراف كان غير مسموح به والجرأة على اللغة وخرقها كان يقمع دوما. على أنّ "كوهين" لا ينس أن يذكرنا دائما بأنّ الانحراف عن اللغة القاعدية وكس القانون اللغوي من أجل كتابة قصيدة، هو غير كاف. الأسلوب هو خطأ ما لكن ليس كل خطأ هو أسلوب وإنّ مقتل حركة مثل السوريالية كان في إيمانها بذلك.
إذا قرأنا لـ "بول فاليري" بيته الشعري الشهير/ فوق السطح الهادئ تدرج الحمائم/ أدركنا من قرائن القصيدة أنّه يعني بالسطح، البحر، وبالحمائم، المراكب. لكن هذا المعنى (وهو انسياب المراكب فوق الماء الهادئ) ليس شعريا في حد ذاته، إذ أنّنا يمكن أن نؤديه بصياغة نثرية. لكن الشعر يبدأ في اللحظة التي نسمي فيها البحر سطحا والمراكب حمائم، عندئذ يحدث خرق في شفرة اللغة، أي انحراف عن الاستعمال المألوف. وهذا الانحراف هو الذي كانت تسميه البلاغة القديمة بـ "الاستعارة"، وهي الموضوع الحقيقي لدراسة الشعر. والاستعارة تمثل ديدن العمل الشعري، وإنّ هدف جميع البلاغات هو الانحراف باللغة عن الاستعمال العادي.
وإذا ما تتبعنا عملية خلق أية استعارة، حسب "كوهين" فسنلاحظ ما يلي:
- إحداث الكسر اللغوي، أي الانحراف. هنا سلب وتدمير للمعنى.
- بناء شكل المعنى مجدّدا وعلى نحو آخر بتدخل الاستعارة وتقليصها من كمية الانحراف الحاصلة في المرحلة الأولى (مرحلة إحداث الكسر اللغوي). وهنا إيجاب وبناء جديد للمعنى.
إنّ المعنى اللغوي ينجم عن تركيب كلمتين مختلفتين على طول محور دلالي واحد. فمثلا يعتمد كل من "أبيض" و"أسود" على محور دلالي واحد هو "اللون"، وبهذا تكون الكلمات المقابلة متشابهة من حيث أنّها ملونة ومختلفة في الوقت نفسه. ومن هنا نرى أنّ نواة الدلالة تكمن في هذه النقطة الثلاثية التي يلتقي فيها الشبيه بما يخالفه ويشبهه معا، وقارئ الاستعارة يجد نفسه أمام عناصر مختلفة، وعليه أن يقيم الوحدة الخفية ما بين هذه العناصر وهو يقرأ.
إلا أن القصيدة ليست استعارة واحدة، بل هي استعارة طويلة، أو مجموعة من الاستعارات التي تخضع لقوانين تركيبية صارمة. وتتوقف قيمة الاكتشافات داخل مجال القصيدة على مدى جوهرية العناصر المشتركة مما يمثل نوعا من "مصفيات" أو "مرشحات" البنية في الصورة الشعرية تؤدي إلى ترابطها ترابطا محكما.
والآن، إذا كانت الاستعارة انحرافا، فهل كل انحراف هو استعارة؟ والجواب على لسان "كوهين" هو بالتأكيد: كلا. وإن خطأ السوريالية، كما يقول، كان هو إيمانهم بذلك.
وإذا ما كان الانحراف هو الشرط الرئيسي لإنتاج الشعر، كما يوضح كوهين، فإنّ علم الجمال التقليدي يقف ضد الشعر. وعلى الرغم من أنّ عبقريات شعرية مثل "راسين" قد استطاعت اختراق القيود فإنّ هذا يعد استثناءا، لذا فإنّ الحاجة والضرورة تفرضان منحى جديدا من علم جمال جديد يقارب الشعر بالتغيرات الهائلة التي حصلت في مجال العلوم الإنسانية. فمثلا فيما يخصّ سوسيولوجيا التلقي واستقبال القارئ (علم التلقي) يورد "جان كوهين" طريقتين في التوصيل:
أولا: الاستهلاك، بمعنى استعمال القصيدة للتمتع والتذوق، وعد الشعر حاجة فنية قابلة للاستهلاك والإشباع.
ثانيا: المعرفة، بمعنى الفحص والتفريق والإبانة وفهم البنى الأساسية لحقيقة الشعر.
ونلاحظ هنا أنّ تذوق قصيدة ما، لا يعني العلم بها أو معرفتها. كما أنّ معرفتها لا تعني تذوقها. إن كلاً من التذوق والمعرفة عمليتان متفارقتان، ويمكن أن تكمل واحدة منهما الأخرى، لكن مع ذلك ينبغي التفريق بين وظيفة كل واحدة في أية محاولة جادة للنقد. إذ يعتقد كثير من النقاد أنّه من الأفضل التحدث عن الشعر بطريقة شعرية، ومن ذلك تبدو كتاباتهم قصائد أخرى مضافة إلى النص الأصلي، أو بتعبير آخر: إنها غنائيات ثانية على غنائيات أولى، كما نلاحظ ذلك بيسر في جل النقودات الشعرية في مجال شعرنا العربي المعاصر.
وإلى الملاحظات السبع:
----------------------------

1) على عكس الحال في المنهجية الذرية، حيث يتمّ عزل العناصر وتجميعها تراكميا، لا تعدّ العناصر أو المجموعات ذوات صفة كلية، في المنهجية البنيوية، ما لم تنتظم في "نظام" (سيستام) يكشف حدودها ووضعها الداخلي من غير أن تكون مجرد تراص عضوي خارجي لمجموعة من العناصر المستقلة.
2) من جهة أخرى، فإنّ "البنية" ليست فكرة تجريدية، ولكنها موضوع للدراسة، مستخلص من الوقائع القريبة المعقدة. وبهذا المعنى يدور الحديث عن "بنية اللغة" و"بنية الفنون" و"بنية القرابة" على أن البنية في استخدامها العلمي هي وصف للنموذج لا للواقع. يؤكّد "كلود ليفي شتراوس" أنّ البحث البنيوي يصبح عبثا إن لم يأخذ في الحسبان هذا المنهج، لأنّ دراسة حالات قليلة بتحليل عميق إنما تفضي إلى الكشف عن حركة الواقع، والمنهج الذي يعنيه "شتراوس" هنا هو امتداد البنيوية عمقا لا عرضيا. ومعنى هذا أنّ المنهجية البنيوية تعتمد "الاستنتاج" أكثر ممّا تعتمد "الاستقراء" فالمنهج البنيوي وهو يتناول الواقع إنّما يفكّكه ويحلّله ثمّ يقوم بتركيبه مرة أخرى ومن خلال هاتين اللحظتين يتكون لدينا شيء جديد وهو "قابلية الفهم".
3) تنقسم اللغة إلى "صوت" و"معنى" وهذا يعني أنّ الشعر يتعارض مع النثر في عدة مواقع ترجع إلى هذين القطبين. في الماضي كان الاحتكام يتمّ للجانب الصوتي فيما يتعلّق بتحديد الشعر أمّا الآن فإنّ هذا القياس لم يعد كافيا وفي مرات كثيرة يكون خادعا. إنّ مشكلة مثل قصيدة النثر تجر تاريخ المفهومات إلى إعادة التعريف من جديد.
4) ما هي قصيدة النثر؟ سؤال ضروري ولا شك. والجواب حسب "كوهين" إنّها تلك الكتابة الشعرية التي تستعمل جانبا واحدا من اللغة فقط وهو "المعنى" مهملة بذلك الجانب الصوتي. لذا نستطيع أن نقول عنها أنّها "القصيدة المعنوية" وفي مواجهة "قصيدة النثر" تقف "القصيدة الصوتية" وهي نثر منظوم موزون مقفى خال من أية استفادة من الجانب المعنوي للغة وبين هذين النوعين المتعارضين تماما، هناك "الشعر التام" وهو تلك الكتابة التي تستعمل قطبي اللغة، الصوتي والمعنوي، ثمّ نجد هنالك أيضا "النثر التام" الذي هو ذلك النوع من الكتابة النثرية الذي لا يحتوي على أية خصيصة شعرية إلاّ على المستوى الصوتي أو المعنوي لكن هل هذا ممكن؟ هل حقا أنّ هناك درجة صفر للكتابة؟ ثم ما هي هذه الدرجة؟ هل هي مثلا كتابة العلماء؟ إنّ لغة هؤلاء والتي تتخذ عادة كنموذج قياسي للكتابة في الدرجة الصفر ليست خالية تماما من بعض "الانحرافات" عن الاستعمال العادي للغة. إنّ تعبير" الكتابة الصفر" هو تعبير متطرف لا يمكن لأية لغة مهما كانت علمية أن تحققه كما هو مستحيل في المقابل تخليق نص شعري في درجة 100%.
5) إنّ لغة الشعر هي مجموعة من "الانحرافات" التي تتكرّر في اللغة قياسا إلى لغة النثر التي هي لغة الاستعمال اليومي لكن ليس كل انحراف عن الاستعمال العادل للغة هو انحراف شعري. يقترح المؤلف معتمدا على الإحصاء وجود ثابت يجمع بين مختلف الشعراء. هذا الثابت هو الطريقة نفسها في الانحراف عن اللغة القياسية وهذا الانحراف هو سواء على صعيدي اللغة كليهما الصوتي من حيث الوزن والقافية والإيقاع والمعنوي فيما يتعلّق بالمجاز بشكل خاص. وأوضح أنّ هذا يفتح الباب لدراسة الشعر بطريقة كمية إحصائية ويصبح الفعل الشعري قابلا للمقايسة لدرجة أنّه يمكن الكلام عن النسبة المئوية لشعرية قصيدة ما.
6) يسخر "جان كوهين" من النقد الأدبي في فرنسا ويعيب على النقاد اشتغالهم على الشعر بطريقة شعرية. وإذ يصل إلى مجال التفريق بين اللغة الشعرية واللغة النثرية فإنّه سيبحث ذلك من ناحية الشكل فقط مبتعدا بذلك أيضا عن أسس النقد التقليدي السابق الذي كان يبحث عن هذا التفريق من ناحية "الجوهر الشعري" وهنا ينبهنا الكاتب إلى ضرورة التمييز ما بين "الجوهر" و"الشكل" فالجوهر يعني تلك الحقيقة الألسنية التي تقع خارج اللغة (ما بعد اللغة) أي تلك الأشياء الخارجية التي قد تشير إليها اللغة الشعرية. أمّا الشكل فإنّه نوعان: أولا، شكل القصيدة من حيث هي كلمات، أصوات، إيقاع. ثانيا، شكل المعنى، من حيث هو بنية للمعنى وبالنسبة للنوع الأول إنّه سرعان ما يتحلّل ويضمحل بمجرد "تنثير" القصيدة (حـَلُّ عقْدها، ســردها، ترجمتها).
7) إنّ محاولة البحث عن معنى نهائي حقيقي وأخير للنص الشعري خارج اللغة أو بالتغاضي عنها إنّما هو عماء وخديعة للنفس، في الوقت الذي ينبغي فيه البحث عن المعنى وبالصفات المذكورة أعلاه في صميم اللغة نفسها كظاهرة ثنائية من "دال" و"مدلول" وإنّ الشاعر ليس شاعرا بما فكر فيه وأحسّه إنّه ليس خالقا لأفكار وإنّما هو خالق للكلمات وكل عبقريته تكمن في صياغته للألفاظ.
--------








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسامير جليدية هاربة من الأفلام!


.. «القفاص» يقتحم عالم السينما في فيلم «هوى»


.. انفصال ثنائي -دافت بانك- رواد اللمسة الفرنسية في عالم الموسي




.. المخرجة بتول عرفة تكشف الكواليس الخفية وراء جمعها بين هانى ش


.. أول ظهور للفنانة عبير بيبرس بالحجاب:-مقتلتش حد-