الحوار المتمدن - موبايل


المصالحة الفلسطينية على أُسس منهارة

هاشم عبد الرحمن تكروري

2020 / 11 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


في يناير 2006م فازت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية التي أجريت للمرة الثانية في الأراضي الفلسطينية بعد تأسيس السلطة الفلسطينية، وكان هذا الفوز مفاجئاً للسلطة الحاكمة المتمثلة في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وشركاؤها السياسيين، مما أدى إلى رد فعل سلبي تمثل في عدم تسليم زمام الامور للتنظيم الفائز في الانتخابات وتلا ذلك اجراءات تعسفية بحق الطرف الآخر من قبل السلطة الفلسطينية وإسرائيل على حد سواء، وهذا الأمر واجهته حركة حماس في قطاع غزة بعملية استيلاء على السلطة بدعوى أحقيتها المكتسبة من صندوق الاقتراع، وذلك بعد عمليات قمع من قبل الأجهزة الامنية التابعة لسلطة فتح لأفراد حركة حماس وصلت للإعدام العلني في الشوارع، وكانت هذه الاحداث شرارة الانطلاق لاقتتال داخلي بين الأخوة وأبناء الشعب الواحد بدأت في حزيران من العام 2007م، ومنذ ذلك التاريخ خاض الجانبين صراعات على فرض السلطة لصالح كل منهما في الضفة الغربية وقطاع غزة، تمثلت بالعديد من الاجراءات التي سنذكر بعضها لاحقاً. وتبع ذلك العديد من المحاولات للمصالحة بينهما امتدت على مدار سنوات طوال من القاهرة إلى مكة واستنبول وموسكو والعديد من العواصم العالمية، دون الوصول إلى شيء ملموس، حتى خرج علينا الجانبين في 2-7-2020م بمؤتمر صحفي يعلنان فيه عن مسعى جديد للمصالحة يهدف إلى إعادة اللحمة إلى الشارع الفلسطيني الذي أصابه الانقسام في مقتل اجتماعي وسياسي وثقافي، والناظر لتلك المصالحة يرى بأنها تطرح تطلعات تصيب الداني قبل القاصي بالدهشة أولاً والسخرية ثانياً وفقدان الامل ثالثاً. فالثنائي التفاوضي جبريل الرجوب عن حركة فتح وصالح العاروري عن حركة حماس يطرحان تصورات لمصالحة لا تمت للمصالحة جهراً بأي صلة، فما نراه عملية تحاصص على مؤسسات منها ما هو ميت مثل المجلس الوطني الفلسطيني والمؤسسات المنبثقة عنه وصولاً إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، ومنها ما أُصيب بالموت مثل المجلس التشريعي الفلسطيني والحكومة الفلسطينية العتيدة، والوصول إلى ذلك كله عبر قائمة انتخابية مشتركة بين تنظيمين يحملان برنامجين سياسيين متضادين تماماً وهو ما يعني عدم وجود برنامج للعمل، سوى التحاصص المقيت على مؤسسات تكاد تكون وهمية ومصدر ريع لمن يحتلون مناصبها، ومن جهة أخرى هذا يعني تغييب لكافة التنظيمات والفصائل والأحزاب الأخرى، فحركتي فتح وحماس تمثلان الغالبية الحاسمة للشارع الفلسطيني المُسَيس؛ فما بالنا بحال اشتركتا بقائمة واحدة؟!
إذن هذا هو محل الدهشة، وأما محل السخرية فيتمثل بالعديد من النقاط، نذكر بعض منها دون اجمالها؛ فالمقام لا يصلح لاستدعائها جميعاً.
فأُولا هذه النقاط المنهج السياسي المتباين بين الحركتين، فمنهج حركة فتح والأجهزة الأمنية المتساوقة معها يتمثل بالحل السلمي وحماية أمن إسرائيل والاكتفاء بدويلة مقطعة الأوصال بالضفة الغربية وقطاع غزة منزوعة السلاح والسيطرة البرية والبحرية والجوية، أي دويلة أشبه ما تكون بمجلس بلدي، ومنهج حركة حماس والتنظيمات المتساوقة معها قائم على المقاومة وعدم القبول بدولة أقل من الحدود التاريخية لفلسطين، فأنّى لهذين المنهجين باللقاء!!!
وثاني هذه النقاط البنية القانونية والقضائية التي أُسست عقب الانقسام بين جناحي الوطن، الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 2006م، والتي جرمت الطرف الآخر وأسست لحكم فئوي ومصلحي ضيق وعلى أساس منها تم حظر التنظيم الآخر في شطري الوطن ونزعت حقوق وأعطت احتكارات لفئات محدودة في تزاوج صارخ بين السلطة الحزبية وبعض رجال الأعمال.
فقد تم اصدار ما يزيد عن 120 قرار بقانون من قِبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) في الضفة الغربية منذ الانقسام 2006م، وهذه القرارات لا تصدر بالطريقة المعتادة لإصدار القوانين عن طريق عرضها على المجلس التشريعي بل بتوقيع الرئيس عليها مباشرة دون مراجعة تشريعية أو رقابية ونشرها في مجلة الوقائع الفلسطينية، ومن هذه القوانين قانون مكافحة غسيل الأموال وقانون مكافحة الإرهاب وقانون الجرائم الالكترونية والعديد غيرها والمقصود منها تجريم الطرف الآخر واكتساب صلاحيات قد تكون متعارضة مع القانون نفسه، مما أنتج سلطة متغولة أمنياً وسياسياً واقتصادياً تكتب قوانينها بنفسها وبما يناسب قياسها. وفي قطاع غزة اتبعت حركة حماس خطوات مشابهة باستصدار قوانين عن طريق المجلس التشريعي المنحل وبحضور نوابها فقط وقد استغنت عن آلية توقيع الرئيس على هذه القوانين باستحداث فكرة توكيلات كبار الأسرى والتشريع المقاوم، وقد بلغت هذه القوانين ما يزيد عن خمسين قانوناً وتعديل على قانون، وتضمنت استحداث هيئة ضريبية جديدة وتعديل قانون العقوبات وقانون الاجراءات الجزائية رقم3 لسنة 2001م، وغيرها من القوانين السيادية بواقع يشابه ما حصل بالضفة الغربية. وقد تبع هذا الأمر انفصال بالعمل الوزاري والقضائي بين الجانبين، طال مختلف نشاطات الحياة مثل: وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم ووزارة العدل، وتشكيل أجهزة أمنية تابعة شكلياً للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وادارياً لحركتي فتح وحماس، وتلا ذلك مصادرة الجمعيات والمؤسسات الخيرية والتعليمية والاجتماعية والثقافية بصورة متبادلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وقد بلغ مجموع الجمعيات والمؤسسات المغلقة ما يزيد 200 جمعية ومؤسسة، ومصادرة أموال لتلك المؤسسات والكثير من الأفراد بدعوى أنها أموال تتبع هذا التنظيم أو ذاك وبدعوى دعم الإرهاب، وكل ذلك دون بينة ودليل يؤكدان هذا التبرير، وتقف قضية الاقتتال كنتيجة مباشرة لعدم رضوخ حركة فتح لنتائج الانتخابات والتسليم ونقل السلطة للحزب الفائز بها، وقد أسفرت هذه الاشتباكات عن مقتل ما يزيد عن 490 شخص واصابة عدة ألوف بإصابات متفاوتة، ولأول مرة في الضفة والقطاع يرتفع عدد القتلى نتيجة الاقتتال الداخلي عن عدد القتلى نتيجة تواجد الاحتلال الإسرائيلي وسياسته القائمة بصورة كبيرة على الإعدام الفوري للفلسطينيين، وهذه القضايا باتت تعرف بقضايا الدم والثأر وتمخض عنها احتقان واسع في الشارع الفلسطيني وإمكانية أخذ الثأر باليد بحال حدث انفلات أمني في الأراضي الفلسطينية. ومن القضايا المؤرقة وذات الانعكاس السلبي الاعتقالات السياسية من كلا الجانبين وفي كثير من الأحيان لا تستند هذه الاعتقالات على أي أساس قانوني يعتد به، وقد تم ابتداع وسائل للإبقاء على اعتقال العديدين ودون اجراء محاكمات تحت مظلة ذمة المحافظ وذمة جهاز الامن وغيرها من المصطلحات التي تحاول أن تحل محل النصوص القانونية المفقودة بمعنى التعويض عن عدم وجود قانون يعتد به ويستند إليه بتلك الاعتقالات. ومن القضايا ذات الشأن الحرمان من العمل في المؤسسات الحكومية والأهلية تحت ذريعة السلامة الأمنية والانتماء لفصيل معارض للسلطة القائمة، مما نتج عنه حرمان آلاف الشباب من فرص العمل واعالة أسرهم وتفشي الفقر والبطالة بصورة كبيرة بينهم وهذا يمثل حرمان من أبسط حقوق الإنسان بالعمل والحياة الكريمة. نكتفي بذكر هذه النقاط للتدليل على الواقع المخيم على عملية المصالحة المفترضة، وبناء عليه نطرح مجموعة من التوصيات للخروج من هذا الواقع المؤلم والوصول إلى مصالحة تعيد اللحمة الاجتماعية والأهلية للمجتمع الفلسطيني الذي ما زال يرزح تحت نير الاحتلال.
أولاً: تشكيل لجنة مصالحة وطنية يتم اختيار أعضاؤها من كافة أطياف المجتمع الفلسطيني، وأن يكون هؤلاء الأعضاء من المعروفين بنزاهتهم وكفاءتهم وقدرتهم على العمل الوطني العام، وتعمل هذه الهيئة بمراجعة كافة القضايا التي نتجت عن الانقسام الداخلي ووضع حلول ملزمة للجميع على أسس ومنهجية واضحة ومتفق عليها.
ثانياً: تجميد كافة القوانين التي نتجت عن مرحلة الانقسام وإلغاء ما لا يصلح منها، وتعويض المتضررين من تطبيق هذه القوانين والقرارات بقانون من كافة أبناء الشعب الفلسطيني.
ثالثاً: تعويض أهالي القتلى والجرحى تعويضات مناسبة والتكفل بأسرهم مادياً واجتماعياً وبما يكفل لهم حياة كريمة.
رابعاً: إعادة المؤسسات والهيئات والجمعيات التي تم مصادرتها إلى الهيئات الطبيعية والمعنوية التي كانت تشرف عليها قبل عملية الانقسام، مع مراعاة اعادتها بالصورة التي كانت عليها، مع التعويض الكامل عن أي أضرار لحقت بها نتيجة عمليات المصادرة والاغلاق.
خامساً: إعادة الأموال العينية والنقدية للأشخاص الذي تم مصادرة أموالهم وأملاكهم دون وجه حق، مع التكفل بالتعويض الإضافي الناتج عن احتجاز هذه الأصول النقدية والعينية طوال فترة الانقسام.
سادساً: توحيد النظم التشريعية بشقي الوطن وعدم التشريع خارج المؤسسات المنصوص عليها بالقانون الأساسي الفلسطيني.
سابعاً: توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينية بشقي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة وبما يكفل خدمتها للوطن، وحل ما لا يلزم منها، وإعادة صياغة العقيدة الأمنية لتلك الأجهزة بما يتناسب مع مصلحة الشعب الفلسطيني، بعيداً عن أي أجندة خارجية.
ثامناً: رفع الحصار الجائر عن قطاع غزة دون شرط أو قيد، وعدم المساومة على إبقاء الحصار لأهداف سياسية وأمنية.
تاسعاً: إعادة كافة المفصولين من عملهم إلى وظائفهم مع تعويض هؤلاء الموظفين عن الضرر الذي لحق فيهم، وإلغاء سياسة التمييز الوظيفي على أساس الانتماء الحزبي، وتعويض المتضررين من تطبيق هذه السياسة.
عاشراً: تشكيل حكومة وطنية تعمل على اجراء انتخابات لكافة مؤسسات الشعب الفلسطيني وبما يكفل الأسس الديمقراطية بالعمل الانتخابي.
وبناء على تنفيذ هذه التوصيات يمكن القول بأننا متوجهون نحو مصالحة حقيقية تضمن عودة اللحمة للشارع الفلسطيني، ليتسنّى له التفرغ للقضايا المصيرية التي تواجهه مثل صفقة القرن وغيرها من القضايا المصيرية. وبدون ذلك ستصبح هذه النقاط التي طرحنا بعض منها أًسس لانهيار المصالحة وليس لإتمامها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إليزابيث الثانية ومملكتها ودعتا الأمير فيليب في جنازة مهيبة


.. سكنفل: أخشى أن يتحول الصيام في رمضان من دون صلاة الى ريجيم !


.. بلا غرامات أو إغلاق.. هكذا حاربت اليابان فايروس كورونا




.. سماء بكين تتلون بالبرتقالي


.. إعلان أمريكي لافت بخصوص أجسام مجهولة