الحوار المتمدن - موبايل


مؤمن سمير: المرض جعل وعى قصائدى أكثر قسوة .حوار:السيد العديسى .مجلة - الإذاعة والتليفزيون-المصرية عدد يوم – 2020/8/8

مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري

(Moemen Samir)

2020 / 11 / 17
مقابلات و حوارات


مؤمن سمير أحد الشعراء المهمين، الذين ينتمون إلى جيل التسعينيات، مع التحفظ الدائم على فكرة الأجيال، واستطاع أن يضع بصمة مهمة ويلفت الانتباه منذ أصدر أول دواوينه "كونشرتو العتمة"، مرورا بدواوينه الأخرى "هواء جاف يجرح الملامح" و"تأطير الهذيان" و"تفكيك السعادة"، وغيرها من الدواوين، إذ يعد مؤمن من الشعراء غزيرى الإنتاج، دون أن تكون هذه الغزارة على حساب الجودة.. عن مشروعه الشعرى ورؤيته لمشهد قصيدة النثر وما أحدثته من تحولات كان لنا معه هذا الحوار.

هل تستطيع أن تحدثنا عن نصك الشعرى؟

بداية لا أستطيع أن أفصل نصى الشعرى عن شخصى وتجربتى، عن سيرة أناى وتحولاتها ومدى قدرتها على الانتماء ليقين تلو الآخر، ثم هدم نفس اليقين للنظر إليه بلا رعشة أو تفكيكه بِنِيَّةِ كشفه وهتك أستاره.. كان هذا لأنى بدأت مبكراً جداً فى النظر للشعر على أنه صديقٌ أو قريبٌ أو صنوٌ للذات.. لهذا كان عليه أن يحمل على عاتقه تأطير بهجاتها القليلة والشحيحة ويحاول أن يخلدها ولو اضطر حتى لأن يشكك فى حدوثها كما يحاول أن يبدل الانكسارات والخوف والدهشة التى تنقلب ألماً إلى فن، إلى سفن ومراكب وسماوات وحبيبات يمسكن بالورد فى يد وفى الأخرى سكينا.. لكل هذا كان شعرى مثلما كنتُ.

كيف ترى الآن تحولك من قصيدة التفعيلة إلى قصيدة النثر؟

كنتُ شكاكاً تجاه قصائدى التفعيلية، ولا أجدنى فيها إلا بمقدار القرب أو البعد عن الاستلاب الكامل تجاه هذا الأب، أو هذا الرائد، ثم صار نصى شجاعاً، مثلما كنتُ فى لحظات نادرة وقليلة فى حياتى، وحمل معى أجندات وكشاكيل وأوراقا لا حصر لها إلى الموقد.. ليلة كاملة وأنا أراقب حروفى وهى تذوب للأبد.. كنتُ مرتبكاً فعلاً، لكن نصى الماكر كان يدرك ما يريد: أن يكون بلا ذاكرة، فيكتسب دافعاً يجعلهُ يدلف إلى يقينه الجديد، بإحساس المغامر الذى لا حل أمامه إلا اقتحام هذه الأرض البكر التى تظهر أضواؤها أمامه ولو على بُعْد.. كنتُ أكتب قصائد أعبر بها عن أشيائى الصغيرة وأصدقائى والسيارات والعساكر وجسدى المقموع، وكنت لا أمسكُ لهذه الكتابة تصنيفاً.. حتى دخلت الجامعة واندمجت مع الصخب الذى كان بعيداً جداً عن حياتى حتى ذلك الحين، والتهمت الأجيال كلها بلهاث من ينقذ رقبته من الذبح، لأصدر بعد تخرجى بشهور ديوانى الأول "كونشرتو العتمة"، وبعده يستمر نصى لسنوات فى معترك التفاصيل واليومى والبسيط والعابر والهامشى، وتوسيع البعد السيرى، ومخاصمة القضايا الكبرى والأيديولوجيات إلخ، والانتماء بشدة لهموم الجيل ومعركته فى إثبات الوجود والتأسيس لمشروعه الجمالى، ورد السهام والحراب التى تحاصره، ولكن مع وعى مبكر وصارم بضرورة الوصول لخصوصية فنية تظل تنشغل دائماً على أن تنجو من فخ أن يكتب الجميع نصاً واحداً بوصفة مصرية واحدة.

كيف أثرت تجربتك الطويلة مع المرض فى مشروعك الشعرى؟

جاءت المرحلة الثانية فى عمر نصى عندما تعرضت لمحنة المرض الغامض، الذى ألقى بى سنواتٍ فى المستشفيات والاكتفاء بالألم رفيقاً مرعباً يقودك للاقتناع بأن الموت بكل غموضه هو الحل الزاهى لهذه الصرخات التى كانت تخرج من روحى، وجرنى هذا لسؤال الموت والاشتباك معه عن قرب شديد، ليس مع ذكريات الجيران الذين كانوا يغادرون السرير المجاور ليختفوا، ولكن معك أنت يا من صرت ترى وتلمس وتشم فى الموت أبعاداً جديدة، وصارت بينكم حوارات ومساجلات، أسفرت عن تحول الكتابة بعد أن تعافيت إلى كتابة العائش مع الجانب السفلى المظلم فى هذا العالم، حيث صار وعى القصائد أكثر حدة وقسوة، ولغتها أكثر مجازاً، وأقرب لبناء صورٍ تكافئ الكوابيس والشياطين والدماء.. ثم مرت السنوات وصار نصى يشبه حالة شخص فى منتصف الأربعينيات، يشتبك مع العالم الافتراضى مثلما ينتمى للعالم الواقعى، له قدمٌ حذرة وترتعش كعادتها، وعينٌ تبحث فى السماء القريبة عن كونٍ دائب التحول والظهور فى كافة الأنماط والتصورات والأشكال.. شاعر لا ينتمى لأية حسابات خارج التجربة، اللهم سوى مصلحة النص وحيويته، فقط لا غير.

ما رؤيتك للمشهد المصرى الحالى فى قصيدة النثر؟

المشهد الحالى فى قصيدة النثر يثبت بجلاء مدى توافق هذه القصيدة مع واقع الإنسان وذهنيته الجديدة وتحولاته الفلسفية.. ذلك النص المفتوح على الاحتمالات،عدو الانغلاق الأبدى، حبيب وقريب قيم التعدد والتجاور.. هو الرداء الذى يغير كل لحظة لوناً ليتزين بألوانه شاعرٌ هنا أو هناك.. فنانٌ حرٌ يجرب ويلعب ويبنى وينقض بلا قَدَاسات اشتبكت فى ثياب أسلافه العظام.. التنوع إذن هو سمة نص هذا العصر، حيث هناك تجارب لشباب صغير رائعة بشكل حقيقى وناضجة بما يكفى، وهناك تجارب لأسماء راسخة تخلت عن أى تكلس قد وَسَمَ مرحلة سابقة فى عمر تجربتها، وصارت نصوصها متوهجةً وأكثر قرباً وحيوية.. الجميع يبنى نصه وملامحه أو يعيد عجنها ونحتها وقراءتها من جديد ببساطة وانسيابية.

ما أسباب هذا التحول؟

من أهم أسبابه: التفاعل الذى صار موجوداً بين تجارب وأسماء كانت بعيدة بسبب الجغرافيا أو بسبب آفة تبنى أسماء بعينها لأغراض صحفية غالباً وغض الطرف عن آخرين.. الآن لا حَجْر ولا حظر، وكل من كان بعيداً هو الآن جزء من مشهد واسع ومترامى الأطراف، الجميع فيه يقترف ولا يخجل من التعلم المستمر، والمشهد المصرى بالذات فى أقصى حالات الحيوية، كل الأجيال تشارك فى صنعه، ومنهم الأجيال الأحدث التى لم يتم تصنيفها تحت اللافتات الكبرى لقصيدة النثر فى ربع القرن الفائت الأخير وأعنى الأجيال الثلاثة الكبيرة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات.

ما المكتسبات التى حصلت عليها قصيدة النثر؟

نجحت قصيدة النثر فى هز كل ما كان يُظَن أنه لا يتزحزح من مواقعه التى اكتسبها عبر سنوات لا حصر لها، لكن تغيير تقاليد الإنسان من الشفاهية المرتبطة بالذاكرة وقوتها، وبالإيقاع الذى يكون أسهل بالطبع فى الحفظ والتداول، إلى الكتابية وما يرتبط بها من وعى أكثر تعقيداً وأقل يقيناً وأكثر قرباً من بلاد السؤال منه إلى ملكوت الإجابة ـ سَهَّل نزول الأصنام من عليائها، فبات الشاعر أكثر نسبية وأقل إطلاقية، وأبعد عن الميتافيزيقا التى كانت تعصر الرعود والعواصف والرياح، لينزل الوحى على الشاعر الملهم الرائى.. الشعراء الآن باتوا قادرين على النظر بعين أكثر اتساعاً على العالم الذى هو ليس الأبيض والأسود، وصاروا أكثر جرأة فى مساءلة الأنساق اللغوية والجمالية وكذلك الفلسفية والدينية.. باتوا يوسعون يومياً وفى كل لحظة من دوائر اهتمامات نصهم ومرجعياته ومنطلقاته ومداخله وأسئلته وهمومه، فبات العالم كله يصلح موضوعاً للشعرية، وظهر أن التعالى الذى كان يسم أى قيمة مهما كانت، عن المساءلة والنظر وإعادة النظر، محض وَهْم.

وما الذى تغير فى الشعراء أنفسهم مع قصيدة النثر؟

صاروا أكثر جسارة فى فك شفرات الظواهر، واقتراح صياغات شعرية تصلح للتحاور مع الكائنات أو المعطيات الرمزية المحيطة بهم، سواء كانت معاشة أو باطنية، بنفس شرعية اختيار السيرة الذاتية التى تختلف فى شكلها ومضمونها، وبالتالى صياغاتها، عن كل تجربة بشرية أخرى..صار الشاعر أكثر تورطاً فى العالم الذى هو معقد بما يكفى، لهذا كان عليه أن يخدش بشكل دائم فى جلد الأشياء ليساهم فى تغيير العالم، ذلك الذى يحدث كل لحظة.

ما التحديات التى تواجه هذه القصيدة بالذات؟

التحديات التى تواجه هذه القصيدة فهى التحديات التى تجابه كل فن بل كل ما هو موجود حالياً بصيغة ما، حيث اتفقنا جميعاً على مبدأ عدم الثبات والصيرورة الدائمة، إذن سؤال موقع الفنون فى هذا العالم الأكثر اتجاهاً نحو الآلية، سيعد على الدوام سؤالاً محيراً ومربكاً لكن المتفق عليه أن هذه القصيدة تكسب كل يوم أرضاً جديدة ومنحازين وممارسين جددا.. هذه القصيدة التى عاشت فى الهامش صارت بلا مواربة هى المتن الشعرى الحالى رغم وجود كل الأشكال والاقتراحات الشعرية الأخرى وظهور بعض محاولات التطوير من داخل هذه الأشكال القديمة، هذا النص الذى كان رجيما ثم صار مهيمناً.. وبالطبع مخاوف الاستنساخ الشعرى مشروعة وتحدث فى كل عصر شعرى لكن الفرز هنا ليس للزمن بشكل مطلق كما كان الأمر قديماً بل هو فرز ملموس عن طريق مواقع التواصل التى وإن كانت تحمل خطر التجييش لغير الأصيل إلا أنها ترفع الأصيل وتوصله وتجعله مؤثراً بنفس الدرجة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس حكومة الهند: ملتزمون بالتوجه للطاقة النظيفة


.. رئيس حكومة بريطانيا: نرحب بعودة واشنطن لمسار مكافحة التغير ا


.. عراقي يقود حملة لتحويل ظلام ليل الموصل إلى نور




.. إسرائيل.. انفجارات في مصنع وسقوط صاروخ.. رواية إسرائيلية وأخ


.. الأمن الروسي يحتجز مواطنا تجسس لصالح أوكرانيا في سيفاستوبول