الحوار المتمدن - موبايل


قصيدة النثر ..شاعرية الواقع ولا معقوليته ..قراءة في أعمال الشاعر مؤمن سمير بقلم / خالد حسان

مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري

(Moemen Samir)

2020 / 11 / 17
الادب والفن


على الرغم من أن قصيدة النثر الراهنة هي قصيدة يغلب عليها الاتجاه نحو شعرية التقرير، من خلال التعبير عن هموم ذاتية ملتصقة بتفاصيل الحياة اليومية معبرة عن إنسان بسيط ، ليس إلهاً ولا نبياً ولا أي شيء ، على الرغم من أن هذه السمات هى الغالبة على القصيدة الراهنة فإن هناك أصواتاً أخرى مازالت ترفض الانصياع لليومي والمعيشي متمسكة بظلال شعريات أخرى ومن هؤلاء الشاعر "مؤمن سمير" فهو يميل من خلال إنتاجه الغزير إلى تضخيم عالمه الشعري عن طريق أسطرة الواقع ، فكائناته رغم واقعيتها تنزع نحو عالم الأسطورة في اتساعه ولا واقعيته . يقول في قصيدة بعنوان" هناء" يقول :
طول صداقتنا لم تنطق
كانت أفضل واحدة في الدنيا
تستخدم الورق المعجون
: تخلق ضفدعة
وحمامة
وطائرة
وقراطيس.
تصنع لكل كائن نقطة النظر
ومكان السر الذي منه يشف
ويحب خوفه
ويغمز بعينيه للماضي
لما عملت في مسرح العرائس
لم يهمد حديثنا الأسود عن هناء وجهها
وسعادتها الطافحة دوما ..
وموتها الذي سيكون شجرة
فينبت لجثمانها مراكب
ونلعب نحن
لنصنع ريشا وسماء
لمن تختبىء عنا
وراء الشراع .
مؤمن سمير ، يطل على الحواس ، كتاب اليوم ، القاهرة ، أخبار اليوم ،2010 ، ص 67-68.
النص هنا يتحدث عن أنثى اسمها " هناء" ، راسما لها صورة كلية تجعلها كائنا مميزا أو استثنائيا، وذلك من خلال مجموعة من السمات التي تقربها من الواقع مثل : قلة الكلام والأشكال التي تصنعها من الورق، فالصورة التي يرسمها النص هي صورة فنانة تعمل في مسرح العرائس، إلا أن تلك الصورة عن الفتاة تهتز حينما يصف النص موتها الذي سيتحول إلى شجرة ، وجثمانها الذي سينبت له مراكب .فالنص يسعى الى أسطرة الشخصية وكأن هناء هذه ليست فتاة حقيقية وإنما هي مثال للفتاة الفنانة , قليلة الكلام . فالنص هنا يمزج بين الواقعي والأسطوري .
إن شاعر قصيدة النثر الراهنة هو إنسان معجون بالواقع، مطحون داخل دوامات الحياة ، أكثر بؤساً من أي إنسان آخر لأنه أكثر إحساساً ، وكذلك أكثر وعياً . يقول "مؤمن سمير" في إحدى شهاداته الشعرية :" فأنا إن كنت ابناً لظرف تاريخي ملتبس ، فأنا بالأحرى ابن لظروف شخصية ونفسية أكثر التباساً .. لم أربي فضيلة ومتعة الخروج عليهم ، أبداً إلا على الورق.. لكنني أيضاً أرتاح لفكرة أنني لا هدف واضح لأصل إليه ولا شاطىء أود أن أبلغه.. الأمر لا يعدو كوني أعاني مشكلات في التواصل مع هذه الحياة .. مع ذاتي وأمي وأبي الميت والأسفلت والهدوء وتوحش الرأسمالية والضجيج والمحبة والله والعسكرتاريا والجغرافيا والقسوة والحيوانات الضالة وبرد الشتاء الدائم في عظمي والأنبياء ومديري في العمل والحبيبات وجسدي الضعيف والطبقات الأكثر ثراء والخوف والموت والجنس والسماء .. الخ " ...
مؤمن سمير ، يطل على الحواس ، كتاب اليوم ، القاهرة ، أخبار اليوم ،2010 ، ص104
إن خطاب قصيدة النثر الراهنة هو خطاب واقعي، عادي، حقيقي، عقلاني، لا يسعى إلى المزايدة أو المغالبة. يريد أن ينتصر لكل ما هو في متناول الأيدي . فإذا كان الخطاب الشعري السابق يحاول الارتقاء بالواقعي إلى الميتافيزيقي فإن هذا الخطاب يحاول أن يقرب الميتافيزيقي إلى الواقعي . ينخفض به ليصبح مألوفا، عاديا . هو خطاب مسكون بهاجس العادية حتى في أكثر حالاته شطحا ، يسعى دائما إلى إظهار غير العادي في صورة العادي ، لذا فإن شخصيات ذلك الخطاب مهما أمعنت في لامعقوليتها تظل عليها مسحة الواقع في ألفته وعاديته .
يتحدث "مؤمن سمير" في إحدى قصائده عن طبيب اسمه " عجيب " فيقول:
بعد سنوات
كان قد روض أربعين عفريتا
صاروا رفاقه الطيبين
يجلس معهم على المقاهي
ويأخذ رأيهم في اصطياد الضحكات
من النهر الغائب
لما فتحوا له عيادة
لم يدخلها أحد منا
والعفاريت ملت من تمثيل دور المرضى
فتقمصت دور الموت
وافقهم مثلما وافق الحوائط
ورجاهم فقط
ألا ينسوا ري الجثمان
كل عيد
كي تطلع رقصة
وتغني ، فيه،
الزهور...
تظهر العفاريت - وهي كائنات ماورائية - وكأنها أشخاص عادية . فقد أصبحوا أصدقاء الطبيب ، يجلسون معه على المقاهي ، ويأخذ رأيهم في شؤون حياته. انكسر داخل النص حاجز اللامعقول فأصبح معقولاً . إن الشخص الذي يتحدث عنه النص هو صورة لشخص عادي ، لكنه يأتي بأشياء خارقة ، يعاشر العفاريت ، ويفهم لغة الحوائط . والحقيقة إن هذه الأفعال الخارقة لا تنفي عنه عاديته بقدر ما تضيف لتلك العادية ملمحا جديدا أو مجالا أكثر اتساعا ، بمعنى آخر توسع نطاق تلك العادية من خلال توسيع نطاق الواقع الذي يتحرك من خلاله هذا الشخص ، إذ يصير كل شيء واقغيا مهما أمعن في لامعقوليته .
خطاب قصيدة النثر الراهن يضمر اللايقينية بوصفها قيمة ثقافية ، فشاعر قصيدة النثر هو إنسان يفتقر لأي يقين ، الأمر الذي جعل بعض القصائد تنطق بذلك مباشرة ودون أدنى مواربة . تقول " فاطمة ناعوت" في ديوانها فوق كف امرأة: "لا يقين هناك" و يقول "مؤمن سمير" في إحدى شهاداته :" أنا الذي لازلت أفتح حدقتى على اتساعهما بإزاء من ينام مطمئنا على يقين"
فاطمة ناعوت ، فوق كف امرأة ، الهيئة العامة للكتاب 2004 ص 80.
مؤمن سمير ، يطل على الحواس ، كتاب اليوم الصادر عن أخبار اليوم ، 2010 ، ص 105.
ويتملك الخوف والرعب والهلع معظم إنتاج "مؤمن سمير"، الذي يمعن في رسم صور شديدة القتامة لكائن وحيد يعاني الوحدة والخوف والتوجس والارتباك ، كائن لا يرى غير الدماء والأشباح والثعابين والعقارب والديدان . في قصيدة" الحوائط" في ديوانه "ممر عميان الحروب" يرى الرعب في كل شيء : الأشباح تهاجمه في الشوارع والقطط السوداء تنتظره على السلالم . في حضن البنت يجد حراشف العجز ، وفي السينما سيختاره بطل الفيلم ليشنق مكانه على الجدار ، يتوجس من الشمس التي تريد إحراقه ، ومن الجاذبية الأرضية التي ستوقعه حتماً عندما يرقص . تتجمع الطحالب التي تسقط من صنابير المياه لتصبح تمساحاً . الأطفال يدبرون في صمتهم مؤامرة له . وعندما ينام تتجمع الجثث حوله فلا يتقلب أبداً . وفي قصيدة أخرى من الديوان يقول :
الشاب المولود في 1975
ولم يشهد إلا الحروب الملونة على ال CNN
ولم يحدق في عيون أي شهيد
سوى المدلى في (الصالون )
دون اسم أو سلاح
ولم يذهب للدبابات وراء الجدار
لأنه رشيد عائلة طيبة
يصحو مذعورا كل يوم
ويقابل الأشلاء في أي مكان
وينام منذ سنوات في خوذة
جلده ليس طريا كرشفة
بل منقوشا بمراوغات الشظايا
حتى نظراته ...
ملوثة بالديدان .
إن "مؤمن سمير" هو ذلك الكائن الذي تحولت حياته إلى مجموعة من المشاهد المأساوية فامتلأ واقعه بالدماء والجثث والديدان . كل ذلك نتيجة طبيعية لغياب اليقين .
مؤمن سمير ، ممر عميان الحروب ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، أصوات أدبية 362، ص 64
يقول "مؤمن سمير" معبراً عن مدى اختلافه عن الآخرين، الذين يمتلكون يقيناً ثابتا بينما لا يمتلك هو غير اهتزازه وتأرجحه :
كل ما أريده لحظات صمتهم ...
يقينهم الذي ينضج ..
مع نغمتي
المهتزة...
مؤمن سمير ، عالق في الغمر... كالغابة كالأسلاف ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة تجليات أدبية ، عدد 17 ، ط1 ، 2013 ، ص 58.
إن مفهوم " وجهة النظر" التي يتسلح بها شاعر قصيدة النثر الراهنة مفهوم محوري داخل خطاب قصيدة النثر. وقد تعرض له عبدالعزيز موافي في كتابه " قصيدة النثر من التأسيس إلى المرجعية " وعرفه قائلا إنه " موقف شخصي من ظاهرة جزئية ، يعتمد على الرصد والحياد العاطفي " فهو موقف شخصي لأنه يعبر عن أفكار ذاتية ، ويعتمد على الرصد لأنه غير مشغول بتفسير أو تحليل الظواهر ولكنه يرصدها فقط ، كما يعتمد المفهوم على الحياد العاطفي حيث غياب الغنائية . وهذا الموقف الشخصي إزاء ظاهرة جزئية لأنه يرصد تفاصيل الواقع اليومية . إن مفهوم وجهة النظر كما عرضه موافي قد يحتاج إلى إعادة نظر. حيث إن مكونات المفهوم الأربعة وإن صدقت على أغلب القصائد فإنها لا تصدق عليها جميعها . فقد لا يبقى من ملامح المفهوم غير " الذاتية " و" الحياد العاطفي ".
يسوق "عبدالعزيز موافي " بعض الأمثلة لشرح مفهومه عن وجهة النظر منها قول "أحمد يماني" :
احتراق منزلنا
الأبواب لم تعد تقفل على شيء
السقف يغطي هواء الذكريات
والحقيقة أن المقطع السابق هو مثال جيد لشرح مفهوم " وجهة النظر " حيث تظهر العناصر الأربعة للمفهوم بكل وضوح – كما أوضح موافي – فواقعة احتراق المنزل هي ظاهرة جزئية . وقد تم النظر إليها من خلال نظرة فردية.إذ لا ظل لوجود آخرين بها . إن الشاعر لا يحاول تفسير الواقعة أو الاقتراب من نتائجها بقدر ما يكتفي برصدها ورصد نتائجها ( الأبواب لم تعد تقفل على شيء ) كما أن حالة الحياد من الوضوح بحيث لا يبدى الشاعر أي انفعال بواقعة الحريق وكأن الأمر لا يخصه.
وتزدحم دواوين الشعراء بكثير من الأمثلة التي تظهر فيها الأربعة ملامح التي ذكرها موافي لمفهوم " وجهة النظر " . يقول "مؤمن سمير" في قصيدة بعنوان " طنط سهى" : ... آخر مرة طيرت معي بالوناً ، أدخلتني في صدرها
لأنها شافت شطارتي ، والبالون كان أكبر من
كل بالونات الأولاد .
اليوم
يلعبون بواحد لامع
وجهها محفور فيه .
وكلما ينفخون ، وجهها يكبر ، يبدو أنها ستقبلني وهم لا.
يتناول الشاعر ذكرى واقعية ل" طنط سهى " التي يحمل لها مشاعر إيجابية ، وتبدو الذكرى كما لو كانت شيئا جميلاً ، يبدو الشاعر سعيداً باجتراره ، فرغم حضور الآخرين معه داخل النص غير أن وجهة نظره جاءت ذاتية، إذ يتضح تفرده عن الآخرين ، الذين كانوا يلعبون معه . ومن الواضح أيضا أن علاقته ب" طنط سهى " تتميز عن علاقتها بباقي الأطفال، إذ إنها تفعل معه ما لا تفعله مع الآخرين ، فقد احتضنته ، وعندما طيرت معه بالوناً صار البالون أكبر من كل بالونات الأولاد . إن رؤية الشاعر للموقف هي رؤية شخصية ، نابعة من مشاعر ذاتية إزاء واقعة جزئية ( ذكرى اللعب بالبالونات مع طنط سهى ) وتعتمد تلك الرؤية الذاتية أو وجهة النظر على الرصد فهو يرصد الواقعة في حياد عاطفي واضح يغيب معه الانفعال .
عبدالعزيز موافي ، السابق ، ص 162 .
مؤمن سمير ، يطل على الحواس ، كتاب اليوم ، 2010، ص 63
إن اتخاذ هؤلاء الشعراء لليومي والمعيشي مثالاً جمالياً جعلهم يستخدمون لغة تداولية أقرب إلى لغة الحياة اليومية ، في محاولة لرصد العالم كما هو في لحظته الراهنة ، إن هؤلاء الشعراء أقرب إلى الشفاهية لأنهم يعيشون في الحاضر، في اللحظة الراهنة ، وغير معنيين بالألفاظ اللغوية القديمة أو التعبيرات القديمة . لقد انحاز هؤلاء لكل ما هو يومي معيشي تداولي ، وتظهر تلك التداولية من خلال إنتاج "مؤمن سمير" الذي رغم عدم إخلاص قصيدته لليومي والمعيش، فهي تعتمد بشكل كبير على طرق تعبير تداولية ، يقول في إحدى نصوصه :
ثق أنك معنا في أفضل حال ممكن
إنك الأفضل على الإطلاق ...
عند شرائك أربعين ضحكة
معتقة أو حتى ثلاثين
تحصل على شهادة مختومة
تثبت كونك الحزين المثالي
على مستوى الجيل
وأن المستهترين داخلك
سينتهون في خلال عام واحد
عن الضجيج والشكوى
وعند شرائك حضناً
واحدا تقليدياً
تفوز بجثة زاهية
تتعلم عليها الحب...
مؤمن سمير ، ممر عميان الحروب ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، أصوات أدبية 362 ، ص 11
يعتمد المجتزأ بشكل واضح على صيغة الإعلان ، وهي طريقة تعبير شفاهي بلا شك تفضح مدى سيطرة تلك الشفاهية الثانوية على وعي الشاعر ، ولكن هل خرج الشاعر عن معطيات اليومي والمعيشي حين تحدث عن هؤلاء الذين يبيعون الضحك والأحضان والجثث ؟ الإجابة : لا ، ولكن نبرة السخرية التي جعلت الشاعر يقدم على مثل ذلك التجاوز – إن كان ثمة تجاوز – هي من صميم الإحساس بالواقع الذي بدا أكثر غرابة ولا معقولية .
هناك العديد من القصائد التي تعتبر أكثر إخلاصاً لإطلاق طاقات اللاشعور ، فرغم اعتمادها على مفردات الواقع الخارجي فإنها تميل إلى إخفاء ذلك الواقع أسفل العديد من العلاقات الغرائبية ، ينتمي لهذا النوع معظم إنتاج "مؤمن سمير" . يقول في قصيدة بعنوان " اللقطة الأخيرة " :
الأرض
في صدري
والسماء عند الأريكة
تتحدثان أخيراً...
الجموع التي كانت تنتظر
تخرج عصافيرها من الذاكرة
رجل طيب يضحك للمذبحة
ويغرق أولاده في الدم الساخن
ويطير...
إن حديث الأرض مع السماء داخل صدر الشاعر هو تعبير عن ذلك اللقاء الحميم الذي يحدث داخله بين الوعي واللا وعي ، فالأرض تشير إلى الواقع / الوعي/ الخارج ، والسماء في المقابل تشير إلى الغيب / اللاوعي / الداخل . يبدأ اللقاء / الحديث من الأرض، من الواقع ، من " الجموع التي كانت تنتظر" لا شك أن تلك الجموع تحيل إلى الواقع أو الخارج . لكن هذه الجموع عندما تخرج عصافيرها من الذاكرة نرى مشهداً غاية في الغرائبية واللا واقعية : رجل طيب يضحك للمذبحة ويغرق أولاده في الدم الساخن ويطير . لا شك أن القصيدة تنتصر هنا للطرف الآخر من الثنائية ، فرغم اعتمادها على مفردات الواقع " الرجل والأولاد والدم الساخن " إلا أن ذلك الواقع يبقى غير معقول ، فالمشهد برمته يعلو فوق المنطق بعلاقاته الغرائبية . وتنتهي القصيدة بكلمة واحدة تظهر في السطر الأخير " ويطير " لتعبر عن ذلك الوعي – وعي الشاعر – بانتصاره للاوعي للغرائبي، للغير عقلاني ، إذ لا يبقى من القصيدة في النهاية إلا رجل يطير .
مؤمن سمير ، ممر عميان الحروب ، أصوات أدبية 362 ص 69








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما