الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-مجلس الشرق الأوسط- على غرار -مجلس أوربا-..؟ كيف يكون..؟

محمد عبد الشفيع عيسى

2020 / 11 / 17
العولمة وتطورات العالم المعاصر


كتب أحد الأساتذة مقالاً على صفحات "الشروق" القاهرية يوم 16 يوليو 2020 معلقاً على الحوار الذى نظمته وأدارته "الشروق"، والذى جوهره غير المعلن "أزمة فراغ القوة فى النظام العربى"، وأهم عنوان له قضية القيادة فى هذا النظام. وقد انتهى فى خاتمة مقاله إلى إبداء التخوف من أن يتعدّد الحالمون والواهمون..فيقسمون الفراغ ( = العربى) ويوزعون أنفسهم عليه ويمكثون فيه قرناً آخر.. ثم طرح السؤال المحورى محاولاً الإجابة عليه كما يأتى : (هل نلحق بركب أهل الحلم العربي.. و نقيم نظاماً إقليمياً قومياً يسدّ جميع بؤر الفراغ ؟ أم نلحق بركب المجددين و الواقعيين فنطرح في مجلس الأمن فكرة مشروع قرار بإقامة "مجلس الشرق الأوسط" أسوة.. ب "مجلس أوروبا" يسدّ الفراغ الإقليمي ويقيم سلماً متوسط الأمد مزوداً بمشروع اقتصادى يعيد بناء الشرق الأوسط على أسس علمية وأساليب التكنولوجيا الراقية، و محتفظا لكل دولة بسيادتها على إقليمها ..إلخ) .
وقد سارعت بالبحث قى موسوعة "ويكيبيديا" عن "مجلس أوروبا"، برغم عيوبها التى باتت معروفة، فوجدت ما يلى : (مجلس أوروبا هو منظمة دولية يتجسد هدفها المعلن فى دعم حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون فى أوروبا. تأسس المجلس فى عام 1949 ويضم 47 دولة مع تعداد سكانى يبلغ حوالى 820 مليون نسمة ويعمل بميزانية سنوية تبلغ حوالى 500 مليون يورو. يختلف المجلس عن الاتحاد الأوروبى المؤلف من 28 دولة ... وتُعدّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الهيئة الأكثر شهرة فى مجلس أوروبا، والتى تطبق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ..إلخ..إلخ).
ولقد مرّ الأستاذ (مرور الكرام) على الخيار الأول القاضى بالعمل على إقامة (نظام إقليمي قومي يسد جميع بؤر الفراغ). ثم أنه تأنّى وفصّل نسبياً فى الخيار الثانى القاضى بإقامة ما يشبه (مجلس أوروبا) باسم (مجلس الشرق الأوسط)، وكأنّى به يزكيّه، وهذا ما يجعلنى أفترض تبنّى هذا المقترح من جانبه، و أجادله بشأنه باعتباره ممثلاَ لافتراضاته أو ميوله الخاصة بالذات.
هذا إذن هو مجلس أوروبا، الذى يستوحي منه الأستاذ فكرته بشأن (مجلس الشرق الأوسط) .. و أرانى وقد برزت أمامى عدة اعتراضات على الفكرة، يمكن أن أسوقها على النحو المرقّم التالى :
أولا: إن كان "مجلس الشـرق الأوسط" المفترض سوف يكون شبيهاً بمجلس أوروبا فإن ديْدَنه سيكون الذّوْد عن حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون؛ وما نحسب أن المشكلات الجوهرية للوطن العربى يمكن أن تُختَزل فى هذه القضايا الثلاثة رغم أهميتها البالغة . وإنما التطور الاقتصادى – الاجتماعى – السياسى – الثقافى هو الهدف المنشود (وإن شئت فقل : التنمية الشاملة) بما تتضمنه هذه التنمية الشاملة من دلالات متعلقة بتلك القضايا الجوهرية.
ثانيا: إن كان ينبغى البحث عن إطار أفضل وأشمل من مجلس الشرق الأوسـط (محدود الغرض كما اتضح) فليكن ذلك بالعمل الجاد من أجل إصلاح "منظومة العمل العربى المشترك" ، المتمركز حول "جامعة الدول العربية" التى أنشئت فى توقيت مقارب لمجلس أوروبا (بروتوكول الأسكندرية عام 1944، وميثاق الجامعة فى عام 1945). ولكن "الإصلاح" – كما تُبيّن التجربة الممتدة – أصبح فيما ويبدو (بضاعة كاسدة) إن صحّ التعبير، عبر الدورات المتلاحقة لمحاولات الإصلاح التى يمكن تتبعها بيسر شديد عبر مظانّ (الأرشيف).
ثالثا: إن القياس على "مجلـس أوروبا"، وعلى ما هو أقوى وأعمق وأكثر إحكاماً، وهــو (الاتحاد الأوروبى) يبدو هو أيضا غير ذى موضوع . فلقد أثبتت الخبرة المباشرة بدورها أن هذا الاتحاد يصارع قوة الاندثار فى مواجهة قوة الحياة، وأنه يعانى من مشكلات جوهرية لا سبيل إلى حلّها فى ظل البنية الهيكلية التى تبنّاها الاتحاد وسار على نهجها. وبرغم أن "الاتحاد الأوروبى" قد اتخذه الباحثون و (السالِكون) نموذجاً ينبغى أن يُحتذى لإقامة التكتلات الإقليمية، فإنه بات يمثل في الواقع العملي نموذجاً يحْسُن تفادي سلبياته العديدة، أكثر منه نموذج إيجابى يحسن احتذاؤه .
رابعا : لا بل أن الاتحاد الأوروبى قد حاول أنصاره الالتفاف حول عثراتــه المتمثلة فى غياب المشروع الاقتصادى الحقيقى، فتم التفكير منذ "اتفاقية ماستريخت" عام 1992 في إقامة الاتحاد النقدي وتبنّي عملة موحدة، وهي التي تم تداولها اعتبارا من عام 2002 ، وقامت ما تسمّى "منطقة اليورو" لتضم 19 دولة من بين أعضاء الاتحاد الأوربي الثمانية والعشرين، لتمثل إطاراً تنظيمياً للاتحاد النقدى – المالى ، كحلقة مفترضة أكثر تطوراً على طريق المشروع الأوروبى العتيد .
ولكن ها هى منطقة اليورو ( ومعها الاتحاد الأوربي ككل) أخذت تعانى من أعراض المرض العضال، وخاصة منذ الأزمة المالية العالمية 2008/2009 على وقع تزايد فجوة الدخل والرفاهة وتعاظم "اللامساواة" بين الدول الأعضاء وفي داخل الدول أنفسها. وتدل المؤشرات المتاحة على انخفاض متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الاتحاد الأوربي عما كان عليه الحال عام 2008 ، بالإضافة إلى تزايد معدلات البطالة، بينما لم يرتفع متوسط نصيب الفرد في منطقة اليورو عام 2015 عما كان عليه الحال عام 2007(بالمعيار الحقيقي-مع احتساب معدل التضخم).
ذلك ما يُستدَلّ عليه من كتاب "جوزيف ستيجلتز"، حائز جائزة نوبل في علم الاقتصاد، في مؤلّفه: " اليورو: كيف تهدد العملة الموحدة مستقبل أوربا" ، الذي قام بترجمته على جزءين الأستاذ مجدي صبحي، وصدر في سلسلة "عالم المعرفة" في سبتمبر و أكتوبر 2019.. وهكذا ربما أمكن القول بأن تجربة "منطقة اليورو" أصبحت عنواناً للفشل الكبير أكثر من أن تكون مثالاً للنجاح المبهر. وإن ما جرى في أوربا والاتحاد الأوربي ومنطقة اليورو على وقع الجائحة الوبائية الراهنة (كوفيد 19) يشير إلى ذلك بوضوح شديد، مع العجز البيّن عن القيام بهبّة النجدة للبلاد المنكوبة. و يتجلّى العجز في التباين الراهن حول مقترح "صندوق الإنعاش الأوربي" لمواجهة (كورونا) من حيث موارده ونسب المساهمة فيها ومعايير المساعدة للدول الأكثر تضررا وخاصة في جنوب أوربا (أسبانيا وإيطاليا واليونان)، على وقع الخلاف بين ألمانيا وفرنسا، برغم ترددهما الشديد، من جهة، وبين دول الشمال الأوربي (هولندا واسكندنافيا)، من جهة أخرى، كما تبدّى في مداولات القمة الأوربية التي انعقدت في بروكسل في 18-7-2020.
وقد بدا لى أننا إن أردنا رسم معالم طريق للتكامل الاقتصادى العربى المنشود فى مقبل الأيام ، فإنه يجمل بنا أن نبحث عن جوانب النقص فى تجربة منطقة "اليورو" و "الاتحاد الأوربي" لنتفاداها من خلال نهج قويم .
خامسا: ننتقل إلى التفاصيل المستبطَنة فى الخيار الذى ربما تحدث به الأستاذ الكاتب في "الشروق"، من حيث التالى :
1- الذهاب إلى مجلس الأمن من أجل طرح فكرة مشروع قرار بإقامة "مجلس الشرق الأوسط". ولا نعلم إلى أيّ سند من "ميثاق الأمم المتحدة" وفى أية مادة من مواده، استقى الأستاذ جميل مطر الفكرة المفترضة السابقة، إلا إذا كان يقصد ما ورد في "الفصل الثامن" بشأن "المنظمات الإقليمية"، وهو ما لا يتوافق مع مقترح "مجلس الشرق الأوسط" المشار إليه. . و إننا لا نجد من النصوص ولا من السوابق الدولية ما يدعم الفكرة المذكورة.
2- ... (يسدّ الفراغ الإقليمى ويقيم سلماً متوسط الأمد) .. و من أين لنا أن نجد من بين جواهر الأحلام (الرومانتيكية) إن صح التعبير، ما يدعم إمكانية قيام مثل ذلك الشكل التنظيمى الذى يمكن له أن ينهض بهذه المهام الجسام، فى خضم المعترك الدولى الراهن، معترك (نظام اللانظام)، وخاصة فى ضوء الفترة الانتقالية الراهنة، مع تحديات الوباء الكونيّ القائم. يتجلّى في هذه الفترة بالذات، الضعف النسبي الذي يلفّ الجميع، من الدول الكبرى والكبيرة: الولايات المتحدة والصين وروسيا وألمانيا وفرنسا، بل و اليابان، مع الدول متوسطة القوة الاقتصادية مثل كوريا الجنوبية والبرازيل، وكذا التكتلات الدولية على المستوى الإقليمي أو متعدد الأقاليم وأهمها الاتحاد الأوروبى و (حلف الأطلنطي)، و "الآسيان" و "الجامعة العربية" وميركوزور" وغيرها ... وحيث ينفذ البعض، كما يبدو من حالة "الشرق الأوسط" الراهنة، من ثغرات الضعف والفوضى، ليحاول التمدّد على أكثر من جبهة كما يبدو فى غفلة من الجميع (النموذج التركى الأخير)، أو ليحافظ على آخر مواقع لنفوذه أمام هجوم ساحق من الأطراف المعادية له ( إيران).
3- يذهــب الأستاذ شوطا آخر، فيرى إمكان أن يكون المجلـس الأوروبى مزوّدا بمشروع اقتصادى يعيد بناء الشرق الأوسط على أسس علمية وأسـاليب التكنولوجيا الراقية .. فهل هذا (مشروع مارشال) جديد مصمم لنا نحن العرب بالذات ؟ فمن يرعاه ومن يموّله، ومن يسهر على استنباته ثم تطويره عبر الزمن ؟
يبدو لى أن الأستاذ الكاتب في "الشروق" ربما يراهن على أمر آخر، مُضْمَر وغير مصرح به فى المقال، وهو إمكان تحقيق توافق دولى بشأن تحويل (الشرق الأوسط) إلى منطقة محايدة سياسياً، ومحيّدة عن النزاعات الدولية وخاصة في جانبها العسكري، مع تزويدها بالقدرات المالية والتكنولوجية الضرورية للانعتاق من ربقة الفقر و للانتقال من عالم العُسر إلى عالم اليُسر، دون منغصات من المجتمع الدولى بأكمله. وكأنه نوع من "الحياد القانوني" على الطريقة السويسرية، المؤطّر دوليا بمقتضى اتفاقيّتيْ لاهاي لعام 1907. فإن كان ما يبدو لى صحيحاً، ولست متأكدا منه على كل حال، فهل يسمح لى الأستاذ أن أسأله عن مبررات هذا الأمل المضمر دون تصريح ..؟
و لْنسمح لأنفسنا أخيراً بالتساؤل عما يعنيه مصطلح "الشرق الأوسط" ذاك، الغامض والرجراج، فى نهاية الأمر. أخشى ما نخشاه أن يؤدي الاستغراق في ذلك الخضم إلى إمكان بعث فكرة –أو مشروع- "منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" MENA بين العرب وإسرائيل، و الذى روجت له الدول الغربية والولايات المتحدة فى مقدمتها ، أثناء وبعد ما أُطلٍق عليه "مؤتمر مدريد للسلام" عام 1990، ثم من خلال عقد سلسلة من المؤتمرات الاقتصادية الإقليمية، للدعوة إلى سلام مصحوب بالرخاء، كما قيل آنئذ، وذلك في الدار البيضاء عام 1994 وفي العاصمة الأردنية عمّان 1995 وفي القاهرة 1996 والدوحة 1997؛ و لا هي أقامت سلاماً و لا دشّنت رخاءً مزعوماً. و ماذا يعنى مصطلح "الشرق الأوسط" ذاك فى الظلام اللجىّ الراهن: هل يضمّ، كما هو مفترض ، كلا من تركيا وإيران (ودع عنك إسرائيل)؟
.... و هنا يدرك شهر زاد الصباح ، فتسكت، و لو إلى حين، عن الكلام المباح ..!
فما البديل..؟
غير أن هذا حديث آخر..!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تسرب غاز نورد ستريم: لماذا شبهة التخريب ولمن توجه أصابع الات


.. مصر.. ممرض يتحرش بفتاة داخل إحدى المستشفيات بعد إجرائها عملي


.. أفغانستان تتهم أمريكا بانتهاك أجوائها بعد تحليق طائراتها في




.. مسؤولون أوروبيون: تسرّب غاز نورد ستريم مفتعل والمتسبب سيدفع


.. شاهد| اشتباكات مسلحة بين قوات الاحتلال وفلسطينيين في مخيم جن