الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التراشق بالمواعظ!

محمد عبد المجيد
صحفي/كاتب

(Mohammad Abdelmaguid)

2020 / 11 / 17
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان


لا يلتقي مسلمان في العصر الحديث، خاصة في مصر، إلا ويتراشقان بالحِكَم والآيات القرآنية والأحاديث والمواعظ والنصائح والتوجيهات المعجونة في مخبز مقدس يخلط الحقيقي، كالقرآن الكريم، مع المغشوش، كأحاديث أباطرة المنابر والفيديو تيوب، فيختلط الحبل بالنابل، والغث بالسمين، ويتراجع السلوك القويم إلى الخلف؛ فينزوي في ركن قصي لا يمارسه إلا حفنة قليلة في كل مجتمع.
لو قُدّر لك وصعدت إلى السماوات السبع لترصد ما فيها مما قذفته أفواه أهل الأرض لسقطت مغشيا عليك من هول ما ترى!
مليارات من الأدعية الأرضية إلى السماء، أكثرها غضب ولعنات وطلبات إلى رب العزة أن ينتقم، ويُهلك، ويحرق، ويزلزل، ويشل أيدي المخالفين لنا.
ومليارات من الأدعية التي تخجل الملائكة لحملها فهي طلبات مغموسة في طين الأرض يريد أصحابها رفعها إلى السماء.
سبعة أعشار فاتحي حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي يكدسونها بالمواعظ والمقدسات والحكم المنقولة ولو أن المسلمين عملوا بواحد في المئة من مواعظهم المُتراشق بها في كل مكان، ومحفل، ولقاء، واجتماع، وحوار، ونقاش لأزحنا الملائكة عن مكانها ليجلس بنو آدم من المسلمين الدعائيين!
تريد أن تناقشني في الأدب والعلوم والفضاء والبحار والصيد والتصحر والإدارة والحُكم والميزانية والانتخابات والعطلات و.. مئات وآلاف غيرها من هموم حياتنا اليومية؛ آتيك بحلول لها، مقدسة وسامية، عرفها أسلافنا منذ ألف وأربعمئة عام قبل الشرعة العالمية لحقوق الإنسان!
لا نقاش ولا حوارات عقلانية ولا لجوء لمنطق أو تفاصيل موضوعية أو معلومات موثقة، لكن حكمة وبيت شعر وآية قرآنية ودعاء شعراوي وتفسير زغلولي علمي وفتوى هربت من مستشفى أمراض نفسية ثم اتهام أنك لم تفهم جوهر دينك كما فهمه منبريو القرن الواحد والعشرين نقلا عن قرون ماضوية !
تلك هي معضلة المسلمين في هذا العصر، والغريب أن المتراشقين بالمواعظ ليسوا فقط من الجهلة وأنصاف الأميين؛ إنما هم أطباء ومهندسون وأكاديميون يقرأون لغتهم كأنهم رؤساء البرلمان المصري.
ويخرج الدين العظيم من الحياة اليومية ليجلس مكانه شبيه مُزيف فيجعله في متناول أيدي الجهلة والصارخين والمهددين بنار جهنم والضارعين إلى الله أن يترك الكون ويتوجه للانتقام من المخالفين.
المعضلة التي سُدّت في وجهها كل الأبواب؛ أن الجاهل عدو الكتاب والثقافة والعلم هو المنتصر في النهاية فيأتيك بموعظة وحكمة وأحاديث عنعنية تجعلك تغلق معمل الاكتشافات والبحوث وتعترف صامتا بمنطقه اللا منطقي!
الآن يمكننا أن نغلق الصيدليات ونلجأ لباعة الأعشاب، ونحرق كل علوم العصر الحديث فالبخاري بعد الله مباشرة قبل أن يتصارع المسلمون فيمن أحق أن نتبع: صحيح البخاري أم القرآن المجيد!
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 17 نوفمبر 2020








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماذا نعرف عن جهاز -شرطة الأخلاق- الإيراني؟ • فرانس 24


.. تقاير إعلامية تقول إن واشنطن عدلت سرا صواريخ -هيمارس- التي ق




.. ليبيا.. المشري: نتفق مع البرلمان على ضرورة بحث إجراءات توحيد


.. هلال العبيدي: عدم استقرار البيئة الأمنية يدفع الدول والحكوما




.. شبكات| بوتين يقود سيارة مرسيدس عبر جسر القرم بعد إصلاحه