الحوار المتمدن - موبايل


نداء إستغاثة... إنقذوا المجمع العلمي العراقي

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 11 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


المجمع العلمي العراقي أحد أهم الصروح العلمية وأقدمها في العراق , إذ تعود بداية التفكيربتأسيسه إلى مطلع القرن العشرين عند تأسيس دولة العراق الحديث , وتأسيسه الفعلى في العام 1947 من قبل علماء أجلاء عراقيين في علوم اللغة والأدب والتاريخ والتراث . رأس المجمع في بداية تأسيسه الشاعر المعروف محمد رضا الشبيبي , ومنذ تأسيه وحتى يومنا هذا تعاقب على رئاسته علماء أفذاذ في مختلف صنوف المعرفة . يعد المجمع العلمي العراقي ثالث أقدم مجمع في البلاد العربية , بعدي مجمعي دمشق والقاهرة , ولكنه كان مختلفا عنهما بكونه مجمعا علميا شاملا لجميع العلوم والمعارف , بينما إقتصر كل من مجمعي دمشق والقاهرة على علوم اللغة العربية والتراث العربي الإسلامي حتىالوقت الحاضر.
إستمر المجمع العلمي العراقي على نهجه العلمي اللغوي والتراثي , حيث أسهم بفاعلية بوضع المصطلحات العلمية العربية ونشرها على أوسع نطاق ممكن , والحفاظ على سلامة اللغة العربية , والإسهام الفاعل بحركة تعريب العلوم وترجمتها إلى اللغة العربية , والتعريف بحضارة العراق وأرثه الحضاري. شهد المجمع إنعطافة كبيرة بمسيرته وتوجهاته بعد تشريع قانون جديد له عام 1995 , لتوسيع دائرة توجهاته وإختصاصاته العلمية, مما إستوجب إعادة تشكيله عام 1996 لتمكينه من تنفيذ مهامه الجديدة , حيث أصبح المجمع العلمي بتوجهاته العلمية والتقنية , أقرب إلى مفهوم أكاديميات العلوم المتعارف عليها دوليا , فضلا عن إستمراره بالعناية بعلوم اللغات العربية والكردية والسريانية , وتسليط الضوء على التراث العربي والإسلامي وإنجازات حضارات العراق القديم.
إستطاع المجمع العلمي الحفاظ على هيبته ومكانته العلمية الرصينة في الأوساط العلمية العراقية بوصفه أعلى مرجعية علمية عراقية , وفي أوساط المجامع العلمية العربية بوصفه عضوا فاعلا ومؤسسا لأتحاد المجامع العلمية العربية الذي يتخذ من القاهرة مقرا دائما له. ولم يقحم المجمع العلمي نفسه في الشأن السياسي العراقي طيلة العهود المنصرمة , إلاّ أن ذلك لا يعني عدم تأثره بتلك السياسات التي أثرت وتؤثر على مسيرته وتوجهاته بصورة أو بأخرى , إذ لا يسمح لأي توجه مجمعي مخالفا لتلك السياسات تصريحا أو تلميحا , كما لا يسمح بعضويته لمن يشك بتوجهاته المتقاطعة مع توجهات الدولة الرسمية بأي شكل من الأشكال, وهو أمر مألوف في الدول النامية التي لا تعرف من الديمقراطية غير الأسم والشعارات .
وبرغم ظروف الحصار إستطاع المجمع العلمي تنفيذ الكثير من الأنشطة والفعاليات والبرامج العلمية الهادفة لإستشراف آفاق العلم المستقبلية الرحبة ومستجداتها وتطورها , وإمكانية توظيفها لخدمة العراق وفك بعض إختناقات الإقتصاد العراقي جراء الحصار الظالم المفروض عليه لسنوات طويلة , وتأشير بعض سياسات العلوم والتكنولوجيا الحديثة التي يمكن إعتمادها في العراق لتحقيق تنمية مستدامة, إعتمادا على القدرات الوطنية العراقية والموارد المحلية , فضلا عن توسيع أنشطته التقليدية المعتادة في مجالات وضع المصطلحات العلمية, وحوسبتها ونشرها على أوسع نطاق ممكن, لتكون في متناول أيدي المهتمين بتعريب العلوم والتكنولوجيا,بصورة لم يشهدها المجمع بهذا الشكل الواسع من قبل, وإصدار الكتب العلمية المختلفة ومجلة المجمع العلمي المحكمة ,التي مضى على إصدارها أكثر من سبعين عاما دون إنقطاع , وهي بذلك تعد أقدم مجلة عراقية منتظمة الصدور , وعقد الندوات والمؤتمرات العلمية وتنظيم المواسم الثقافية.
وبعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 , شهد المجمع العلمي العراقي , شأنه شأن المؤسسات الأخرى أعمال سلب ونهب للكثير من مقتنياته العلمية , وبخاصة بعض الكتب والمخطوطات النادرة والثمينة , إستطاع إستعادتها سريعا بفضل الله وهمة الغيارى , كما تعرض المجمع إلى حادث تفجير إرهابي عام 2006 , أدى إلى تدمير مطبعته وإلحاق اضرار وتصدع بعض مبانيه التي تم إصلاحها جميعا فيما بعد بإقل من عام.
حدد قانون المجمع الصادر عام 1995 عدد ألأعضاء العاملين في المجمع العلمي بما لا يزيد على (37) عضوا عاملا ولا يقل عن (25) عضوا بما فيهم رئيس المجمع العلمي وأمينه العام. وقد تناقص عدد أعضاء المجمع العلمي بمرور السنين بسبب من توفاهم الله أو من غادر العراق أو من فصل من المجمع جراء سياسة الإجتثاث , وبذلك فقد المجمع العلمي نصابه القانوني بحده الأدنى , الأمر الذي يعني فقدانه شرعيته القانونية التي تستلزم إكمال نصابه القانوني. ولأن المجمع العلمي مؤسسة علمية لا تدر ربحا لأحد , ولا هي مؤسسة يمكن أن تمنح شهادات علمية وهمية أو مزورة , لذا لم يكترث أو يهتم بها أحد طيلة السنوات المنصرمة, حيث أصبح المجمع على أهميته العلمية , مؤسسة هامشية لا قيمة لها .
وبعد سبات طويل وإهمال متعمد وتهميش للمجمع , يبدو أن هناك من يريد إضفاء مكانة وهيبة علمية له ولجماعته بالهيمنة على هذه المؤسسة العلمية الرفيعة , حيث وجد فيها فرصته السانحة ,بإنشغال الآخرين بمشاريع أكثر ربحا وأقل إهتماما بمؤسسة لا تغنيهم . لذا راحوا يسابقون الزمن في الوقت الضائع لإستكمال عضوية المجمع العلمي , بأشخاص قد لا يكون لمعظمهم المؤهلات العلمية المميزة التي تؤهلهم لعضوية المجمع العلمي , إذ يفترض بعضو المجمع العلمي أن يكون من الشخصيات العلمية المشهود لها بالكفاءة والخبرة والتمييز العلمي البارز في أحد حقول المعرفة والفكر , أي أن يكون من كبار رجال العلم والفكر في حقل تخصصه, وليس مجرد شخص حاصل على شهادة عليا وحسب .
والعضوية بهذه المواصفات لا تشبه تعيين عضو هيئة تدريسية بجامعة أو عميد كلية أو حتى رئيس جامعة , لما يجب أن يتصف به عضو المجمع من مؤهلات علمية عالية تجعل منه مرجعا علميا بارزا في حقل تخصصه , وزاهدا صوفيا في محراب العلم . فمن يا ترى توكل إليه مهمة إختيار أعضاء المجمع العلمي العراقي والحالة المزرية هذه التي يشهدها عراقنا الجريح , حيث يعاني شعبه الأمرين جراء الفقر والجوع والمرض والفساد المستشري في كل مكان . وهل يا ترى يمكن أن يتم إختيار أعضاء المجمع العلمي من قبل أنصاف المتعلمين في أجواء خالية من الفساد وشراء الذمم في عالم تباع وتشترى فيه الذمم وتمنح الشهادات الوهمية والمزورة في بازار يمكن الحصول فيه على كل شيئ بالمال السحت الحرام .
إبتداء نقول أن مهمة إختيار أعضاء المجمع العلمي العراقي , ليست من مهام أي وزير كائنا من يكون , ذلك أن المجمع العلمي العراقي هيئة علمية مستقلة يرأسها عالم بدرجة وزير , ويتمتع المجمع بإستقلال مالي وإداري , ويرتبط بمجلس الوزراء , فعليه لا يحق لأي وزير التدخل بشؤونه وطلب ترشيح أعضاء للمجمع , إلاّ إذا طلب إليه ذلك . وعادة ما يتم إختيار أعضاء المجمع الجدد من قبل الهيئة العامة للمجمع التي تضم رئيس المجمع وأمينه العام وأعضائه العاملين بإجتماع يخصص لهذه الغرض ,بعد إستعراض سير المرشحين العلمية والتصويت على كل مرشح بحسب بنود قانون المجمع ,والمصادقة عليها من قبل رئاسة الجمهورية التي تصدر بدورها المرسوم الجمهوري المتضمن تعيين العضو لضمان حصانته وحقوقه القانونية . ونظرا لإفتقاد المجمع العلمي بوضعه الحاله النصاب القانوني لعقد أية جلسة للمجمع , فأنه يتعذر عليه حاليا عقد أية جلسة لإختيار أعضاء أعضاء جدد للمجمع أو سواها .
ولغرض إبعاد المجمع العلمي عن المناكفات والصراعات السياسية وتداعيات المحاصصة الطائفية والأثنية المقيتة والتي لا علاقة لها بالشأن العلمي إطلاقا لا من بعيد أو من قريب. لذا نقترح قيام ديوان الرئاسة أو مجلس الوزراء, تشكيل لجنة من العلماء العراقيين المغتربين المشهود لهم بالنزاهة , الذين لا يحق لهم أساسا الحصول على عضوية المجمع العلمي ,التي تشترط أن يكون عضو المجمع العلمي من العلماء العراقيين العاملين في العراق حصرا, وذلك لدراسة طلبات المرشحين لعضوية المجمع , والتوصية بترشيح المؤهلين منهم ضمن العدد المقرر قانونا , مع مراعاة شمول التخصصات العلمية المختلفة . وبعد إالمصادقة على هذه الترشيحات يترك للمجمع العلمي إختيار رئيسه وأمينه العام ورؤساء الدوائر العلمية طبقا لقانون المجمع , كما يمكن للمجمع فيما بعد إختيار أعضاء شرف من العراقيين المغتربين أو من سواهم ممن يرى أن هناك فائدة للمجمع من إنضمامهم , أو تقديرا لمكانتهم العلمية المميزة. وبذلك نكون قد أنقذنا المجمع من الإنحدار في مزالق الفساد الذي بخلافه سيهوي بآخر معقل من معاقل العلم في العراق التي لم تطله بعد معاول الفساد لا سامح الله .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جهود مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي وضبط حدود تشاد مع الج


.. أبرز الحركات المعارضة المسلحة التشادية


.. كوريا الجنوبية تفرج عن 30 مليون دولار من الأموال الإيرانية ا




.. مقتل ديبي.. وتردداته على مكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي |


.. توتر واشتباكات بين الأكراد والجيش السوري في القامشلي.. وصراع