الحوار المتمدن - موبايل


سلطة الفصاحة والنحو: إضافات وتوضيحات على المقالة السابقة

عبدالجبار الرفاعي

2020 / 11 / 21
الادب والفن


لم أنكر ضرورةَ وجود قواعد للعربية، واحدةٌ من البداهات المعروفة أن كلَّ لغة تُنطق وتُكتب بقواعد لاسيما العربية، ولا يصح إهمالُ تلك القواعد كليًا في التحدث والكتابة.
المقالة السابقة ترى أن قواعدَ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة يستقيها الإنسانُ من بيئته اللغوية، ويتيسر له تعلّمُها وإتقانُها. قواعد العربية كثيرة دقيقة تفصيلية متشعبة، متعارضة أحيانًا، تتنوع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل، ومن تأخر عنهم. هذه القواعد صعبةُ الإتقان لمن يتخصّص بها، إذ يلبث التلميذُ سنوات عديدة في دراستها، غير انه ربما لا يتقنها، فكيف بغير المتخصّص الذي لا يتسع عمرُه لإنفاق سنوات في تعلّمها، وهم أكثرُ الناطقين بالعربية من أبنائها.
في العربية نحن نتحدث بلغة هي اللهجة السائدة في مجتمعنا، ومع الناطقين باللهجات العربية الأخرى نتحدث بلغة، ونفكر بلغة، ونكتب بلغة. أعرف الفارسية، ولم أجد فيها مسافةً شاسعة بين لغة الكتابة والمحادثة كما العربية، حتى ان مجموعة مؤلفات علي شريعتي مثلًا أغلبها محاضرات شفاهية، تم نشرها بعد تحريرها. وهكذا أكثر المؤلفين المعروفين بالفارسية اليوم. تلك مشكلة يعيشها الناطقون بالعربية، تدعونا لتيسير قواعد النطق بهها، وإثراء معجمها، وتضييق الفجوة بين الشفاهي والمكتوب. أدعو لتيسير القواعد، وليس الاستغناء عنها كلّها، أعني تيسيرَها بالشكل الذي يجعل تلقي أبنائها لقواعدها من عوائلهم وبيئاتهم عفويًا تلقائيًا،كما يتلقون كلمات ومعجم النطق بها. أدعو لتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدّ من مصطلحات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا. وهذا ما نراه في قواعد ومعجم اللغات الحية، مثل: الانجليزية، والفرنسية، والأسبانية، والفارسية، وغيرها.
هذا ليس رأيي فقط،كي يقال إنه نشاز، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة المتقدمين، فمثلًا ينصح الجاحظ ت 255 هـ المعلم بقوله: ""وأما النحو، فلا تُشغِل قلبَه منه إلا بِقَدْر ما يؤدِّيه إلى السلامة من فاحش اللَّحْن، ومن مقدار جهل العوامِّ في كتاب إن كتبه، وشِعْر إن أنشدَه، وشيء إن وصَفَه، وما زاد على ذلك فهو مشغلةٌ عمَّا هو أَولى به، ومذهل عمَّا هو أراد عليه منه، ومن روايات المثل والمشاهدة، والخبر الصادق، والتعبير البارع...".
وجاء رجل إلى ابن خالويه ت 370 هـ قائلًا: "أريد أن أتعلَّم من العربية ما أُقيم به لساني، فأجابه ابن خالويه على البديهة: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، وما تعلَّمْتُ ما أُقيمُ به لساني".
وكان ابن مضاء القرطبي ت 592 هـ ألف كتابًا بعنوان: "الرد على النحاة" دعا فيه إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بدافع تيسير تعليمه.
واشتهر هذا الرأيُ عن جماعة من علماء اللغة في العصر الحديث، منهم الأب أنستاس ماري الكرملي ت 1947 م، الذي ألف في هذا الموضوع: "أغلاط اللغويين الأقدمين"، صدر ببغداد سنة 1932م، وكتاب: "نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها"، صدر في القاهرة سنة 1938م.
ويشرح الشيخ أمين الخولي "صعوباتنا اللغوية اليوم" في كتابه: "مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، الصادر في القاهرة سنة 1961م، فيقول: "ان ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء: الأول: فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا، ويسرفوا في الافتراض والتعليل. والثاني: اسراف في القواعد، نشأ عنه اسراف في الاصطلاحات. والثالث: إمعان في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب... إننا نعيش بلغة غير معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغة معربة، وافرة الحظ من الاعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم لغة أجنبية وصعبة، إذ أننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر مثقفونا بهذه العامية، ثم هاهي العامية تتابع زحفها الجرئ على مجال تلك الفصحى... إن هذه الفصحى الواسعة المعربة، مع ثقل اعرابها علينا، لا يسهل ضبطه بقاعدة، بل يسوده الاستثناء، فتتعدد قواعده وتتضارب... إن هذه الفصحى، فيما وراء اعرابها المضطرب، وسعتها، وانتشار قواعدها، باختلاف الكلمات، تعود فلا تستقر على حكم وقاعدة في الكلمة الواحدة، أو التعبير الواحد، فيجوز فيه النصب والجر، أو يجوز فيه الرفع والنصب والجر جميعا، وهكذا يتمادى الاضطراب، ويزداد التزعزع في الكلمات المختلفة، ثم في الكلمة، أو التعبير الواحد بنفسه، وهذا هو اضطراب القواعد".
هناك مجموعة علماء لغة ونحو آخرون كتبوا نقدًا لقواعد النحو والاعراب، ودعوا إلى تيسيره، مثل: ابراهيم مصطفى الذي ألف "إحياء النحو"، صدر سنة ١٩٣٧، ويلتقي في كتابه هذا مع ابن مضاء القرطبي بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، فيقول: "وتخليص النحو من هذه النظرية وسلطانها هو عندي خير كثير وغاية تُقصد، ومطلب يسعى إليه، ورشاد يسير بالنحو في طريقه الصحيحة، بعدما انحرف عنها آمادا، وكاد يصد الناس عن معرفة العربية وذوق ما فيها من قوة على الأداء ومزية في التصوير".
وقد ألف شاكر الجودي كتاب: "تشذيب منهج النحو"، سنة 1949، وأحمد عبدالستار الجواري: "نحو التسير"، سنة 1962م، ومهدي المخزومي: "في النحو العربي: نقد وتوجيه"، سنة 1964م. كما صدرت لعلماء لغة ونحو غيرهم عدة مؤلفات مماثلة تدعو للتيسير، غير أن دعوتهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلطهما الشديد، مثلما أُجهضت كلُّ دعوات الإصلاح في بلادنا. حضرتُ مناقشةَ دكتوراه قبل عشر سنوات في تخصّص اللغة العربية، كان المناقشون خمسةَ أساتذة يحملون لقبَ أستاذ دكتور باللغة العربية، جلست نصف ساعة فخرجت لكثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم. عندما خرجت رأيت أحدَ المؤلفين المحققين المعروفين غادر القاعة قبلي، كان متذمرًا جدًا لفرط انزعاجه من أحد المناقشين الذي ماتت حروفُ الجرّ في حديثه وتعطلت وظيفتُها على لسانه.
هذا برأيي لا يعود فقط إلى: تقصير المعلمين في تعليم اللغة ونحوها، أو إهمال وعدم جدّية المتعلمين، أو ضعف وإخفاق المقرّرات الدراسية، بل يعود أيضًا إلى مشاكل بنيوية عميقة في تكوين وتدوين النحو، ومعاجم اللغة، وتسلط الفصحى والنحو، وشحة المراجعات النقدية للتراث المعجمي والنحوي للعربية، وعدم الانفتاح على المكاسب العلمية الحديثة في اللغة، ورؤية الآفاق المضيئة للألسنيات ومناهجها وأدواتها ومعطياتها الفائقة الأهمية، المتفاعلة بعمق مع الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم.
اعترف بعجزي عن إتقان النحو، ‏مع أني درسته عدةَ سنوات، فمضافًا إلى دراستي للنحو في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، درست في الحوزة هذه الكتب: قطر الندى وبل الصدى، وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وشيئًا من شرح ابن الناظم لألفية ابن مالك، الذي تتلمذت فيه على يد العلامة اللغوي المرحوم رؤوف جمال الدين في الحوزة. سرق من عمري تَعَلّمُ الصرف والنحو والإعراب والبلاغة عدة سنوات، تَعَلَّمته على يد شيوخ متمرّسين في تدريسه، ثم دَرَّستُه لمجموعة من التلامذة في مرحلة مبكرة من حياتي، لكني أخفقتُ في إتْقَانِه بدقة، والتخلصِ نهائيًا من أية أخطاء نحوية في الحديث والكتابة، ومازلت حتى اليوم أعود لمحرّر ٍكي يدقّقَ ما لا أتنبه إليه من أخطاء. وطالما تورطتُ في جدال، غالبًا ما يكون عقيمًا، لأن مَنْ يحرّر نصوصي يرفضُ بشدة استعمالَي الجديد للكلمات، الذي لم يتداوله البدوي قبلَ تدوين المعاجم، وكأن اللغةَ وُلدت على لسان العربي الأول مكتملةً مقفلةً، أو مصابةً بعقم أبدي، وكأن توليدَ الاستعمال الجديد للكلمة خطيئة.
أحترم وأقدّر جهودَ الميسرين وعقلانيتَهم النقدية، إلا أني لا أرى كلَّ رؤية جديدة صحيحة، ولا كلَّ رؤية قديمة خطأ، المهم أن تكون الرؤيةُ علمية متحررةً من وصاية الماضي والحاضر. الرؤية العلمية لابد ان تتأسّس على فهمٍ دقيق وتمحيص للتراث، واستيعابٍ نقدي للمعارف الحديثة، ونقدٍ موضوعي للواقع.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تعليم الجمع للاطفال


.. تعليق الناقد السينمائي عمرو وهبة على نجمات الإغراء في مصر من


.. بيت القصيد | الفنانة المغربية جليلة التلمسي | 2020-11-28




.. أجراس المشرق | الترجمة السريانية للكتاب المقدس | 2020-11-28


.. ابدأ حلمك.. مشروع يحقق أحلام الموهوبين في الفن والمسرح | #من