الحوار المتمدن - موبايل


المسكوت عنه ، الإدمان الأقدم في التاريخ ...

مروان صباح

2020 / 11 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


/ بطبيعة الحال ، هناك فارق عميق بين التفكير بمجموعة حقائق حاضرة وأخرى متوارية ، إذن ، هناك فكر نقدي تأسسى على التنقيب ، مهمته نبش ما هو مخفي ، وبالتالي ليس غريباً ، بعد كل هذه الحداثة التى طرأت على حياة المجتمعات في أواخر القرن التاسع عشر من القرن الماضي ومع اكتشاف البنسلين وقطع الإنسان لأول مرة المحيط الأطلسي جواً ، ايضاً مع الحريات التى شهدتها البشرية بواقع الثورة الفرنسية عام 1968م ، عهد الشارلستون ، خرجت مدرسة جديدة نقدية أخذت على عاتقها تحديث ألية النقد حسب المتغيرات الكبرى الذي يعيشها الإنسان ، لأن بصراحة ما جرى في العالم من حريات مطلقة ، كانت السبب في صنع اختلالات عميقة بالبنيوية الأخلاقية ، وهذا الناتج كان السبب بالانحدار الكارثي في مسار العقل الإشراقي ، وبالتالي قدمت المدرسة النقدية سلسلة من الانتقادات الصارمة والحلول الحاسمة وذات مغزى تخص بالطريقة التى يمكن اولاً وقف هذا الانزلاق ومن ثم ترتيب الأفكار لإعادة إحياء التنوير من أول وجديد على ماء بيضاء .

السؤال الذي أعيى من حاول إيجاد دواء له ، فهناك العديد من الأسئلة التى تثير اهتمام المراقبين ، لكن يبقى السؤال الأهم في المقام الأول ، هل يتحضر الإنسان تكوينين أو الصناعات هي التى تتحضر فيتحضر ذهنياً بها ، حقاً سؤال يحتاج الشغل عليه والمثابرة والاجتهاد لكي لا يقول قائل أن الوسواس أو الطيش أو زنق الكتابة كانت جميعها وراء ذلك ، وهذا يفسر لماذا الإنسان تطور حضارياً بالطهي من على الحطب حتى وصل إلى إستخدام فرن الغاز الذي لا يستغرق من وقته الكثير ، لكن الذي يستنزف وقته حقاً ، هي الشاشة ، وهنا يتيح لنا الواقع الانعطاف على إحدى لعنات التحضر ، تكاد لا تذكر ، بالرغم من استنزافها الواضح لوقت المجتمعات ، فالأفلام الإباحية سجلت في سجلات المراقبة النيتية لأكثر من 4 مليار شخص يقومون في كل ساعة زيارة للمواقع الجنسية ، وبهذا العدد تفوق على جميع المواقع الاجتماعية الأخرى ، بل أرباحها تضاهي الناتج الإجمالي لكثير من الدول الكبرى ، لأن باختصار يجتمع حولها مختلف الفئات العمرية ، ولهذا قاربت أعداد المواقع الجنسية حتى الآن على الشبكات الإنترنت ب30 مليون موقعاً ، وكان أول فيلم قد أشرق في تاريخ الحضارة الحديثة عام 1896م ، مدته 18 دقيقة ، المنتج مؤسسة توماس إديسون ، لتتحول هذه المهنة منصة هامة للشهرة ، بل بالفعل وقد تصدم الحقائق البعض ، العديد من المشاهير والذين يصنفون في السينما العالمية بالكبار ، كانوا قد بدأوا من شاشة الأفلام الإباحية ، مثل الممثل الشهير رامبو / روكي ، سيلفستر ستالون ، بدأ في مجال السينما من عتبات فيلم إباحي مقابل 200 دولار أمريكي ، ايضاً الصيني جاك شان ، الشهير بالملاكم السكران ، بدأ بفيلم إباحي ، وهذا ينطبق تماماً على الأسماء التالية ، ( مارلين مونرو ، ساشا غراي ، البريطانية هنري ميرين والحاصلة على جائزة أوسكار ، السياسي وحاكم لولاية كاليفورنيا سابقاً ولاعب كمال الأجسام أرنولد شوارزنغر ، بيري ريفز ، ديفيد دوشوفوني ، ايضاً مات لوبلان المعروف بإدخال جيل كامل لعالم الجنس ، الكوبية الأمريكية كاميرون دياز ، وهذا المنحى الخطير قد انعطف تحديداً في السبعينيات من القرن الماضي ، تصاعدت ذروة الأفلام الإباحية وباتت تدر أموال طائلة على المنتجين ، على الرغم من إنخفاض تكلفتها ومع حرية التعبير في الولايات المتحدة ، شكل بعض الممثلين والمنتجون إتحاد لصناعة تشريع مواد للجنس الإباحي ، أي أصبح لهذه المهنة بروتوكولات رقابية من أجل تفادي الأمراض التى أنتشرت حينها ، وكما كل شيء شهد تطوراً ، ايضاً تطورت مهنة الجنس وبدل أنها كانت مقتصرة على دور السينما ، أصبحت تُنتج على الفيديوهات والمجلات حتى أنتقلت بعد ذلك إلى عالم النت ، وبالتالي أنتقلت البشرية من مرحلة الترفيه والإثارة إلى الإدمان الجنسي المرضي حتى الهوس ، لأن عندما تصل أعداد الزوار إلى 4 مليار شخص في الساعة ، تكون الحكاية تحولت إلى نوع من أنواع الوباء .

عندما نقول أن أقدم إدمان في تاريخ البشري هو تجارة الجنس ، لم نبالغ على الإطلاق ، بالفعل أقدم مهنة في التاريخ ، وذلك بينه التراث المتنوع لحضارات الشعوب والتى احتفظت تاريخها بالرسومات ، هذه الرسوم حملت بشكل واضح انتشارها ، كمهنة أساسية في العصور القديمة ، وفي مفصل تاريخي آخر بوصفه أحد أبرز المتغيرات الكبرى ، كانت ثورة مايو 68م تحول ثقافي وإجتماعي وأخلاقي ، صحيح أن المطالب الأساسية كانت تشي فقط بالانفكاك عن الرأسمالية والتى فرّ أثنائها الجنرال ديغول من باريس إلى ألمانيا ، لكنها حملت أيضاً مسألة إجتماعية عميقة ، قد عبروا المتظاهرات عنها بشكل جلي في الولايات المتحدة وفرنسا عندما أقدموا على خلع حملات الصدر وحرقها كتعبير عن رفضهم بالتحكم بهم جنسياً أو فكرياً ، قبل هذا التاريخ كان الإنتاج الإباحي بين عام 1915م إلى عام 1970م لا يتجاوز 2000 فيلم ، لكن بعد خلع الصداري ، تحول الإنتاج إلى ثورة جنسية ولم تعد السينمات الجهة التى تستقطب الجمهور فحسب ، لأن مع إختراع الفيديو البيتي ، بدأ الإدمان الفعلي وبات لهذا المجال مفكريه وأساتذته ، أمثال هيو هيفيز مؤسس مجلة بلاي بوي play boy أو فتى اللعوب ، الصادرة من مدينة شيكاغو ، يقول مؤسسها مقولة أزعجت السلك القضائي في أمريكا ، ( الجنس هو القوة الدافعة على هذا الكوكب ، يجب أن نعتنقه ، لا أن نراه عدواً ) ، والأرجح أن مقولة هيفيز والعديد من المقالات تتشابه بالأفكار ، وأخرى تتناقض خلقت صراع حقيقي ، وبعيداً عن أي قامة أخرى متشابهة ذات تأثير خاص واستثنائي في هذا الانحراف ، توقف الإنتاج قليلاً ، فالأمور في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان تبدلت ، عندما أصدر المفتش إدوين ميسي تقريره حول انعكاسات المؤذية التى تصنعها هذه الأفلام على المجتمع ، وأكد ايضاً التقرير ، علاقة المافيات المنظمة ( الإجرامية ) في صناعتها ودعمها وتوفير البيئة التى تدافع عنها ، وهنا يحدثنا الأمريكي روكر ، كيف تمكن من خلال علاقته بأحد رجال المافيا أن يتحول من صاحب صالون حلاقة ( للنساء ) إلى أهم مخرج في عالم الأفلام البورنوية ، وهذا الرجل تحديداً كان صالون الحلاقة وراء إبداعاته ، بالفعل لقد تراكمت لديه حكايات الجنس من وراء ثرثرة سيدات نيويورك عن مغامراتهم ، التى اتاحت له تحويلها إلى أفلام ، في تلك الحقبة ، كان الناس يقفون أمام دور العرض بالطوابير ، في المقابل ، المجتمع المحافظ بات يضيق ذرعاً منها ، وصل إلى ضجر مجتمعي ، وبدأ الصراع بين من هو مرحب وممتنع ، لدرجة وصف أحد قضاة ولاية نيوريوك ( بإنها وليمة من الجيف والقذارة ) .

في واقعة فريدة ولم تكن على خاطر المخرج ، أستطاع الممثل الشهير والملقب بالعراب إقناع المخرج الإيطالي برتولوتشي بفكرته ، الرجل الذي أبدع في تجسيد شخصية فيتو كورليوني ، لقد أثار عمله إهتمام مختلف طبقات المجتمع ، من الرؤساء إلى عامة الناس ، حين حصر معظم الإبداع في شخصية كورليوني ، وبهذا العمل نال تصنيف أفضل ممثل عالمي ، لكن في صورة أخرى وبعيداً عن بدلة التوكسيدو ، كعلامة مميزة ودالة لشخصيته ، هناك علامة ثانية قلة تناولتها ، بالطبع بحكم سطوة مسلسل العراب ، هو الاغتصاب ، ففي فيلم Last Tango In Paris ( التانغو الأخير في باريس ، أقدم الممثل مارلون براند على أغتصاب الممثلة ماريا شنايدر ، مستعيناً بمادة الزبدة وبموافقة المخرج الإيطالي برتولوتشي دون تصريح وإذن من شنايدر ، وأثارت الواقعة سجالات حادة بين الصحفيين والفنانين ومن جانب آخر ، إكتظت دور السينما بالجمهور الراغب بمشاهدة مشهد الاغتصاب ، الذي يثبت بأن الأغلبية الساحقة ، يحملون ذات العوارض السيكولوجية للغاصب والمغتصب وبالتالي ذهبوا لمشاهدة المشهد الذي عجزوا عن فعله .

الظاهرة الأهم في تقديري ، لو أبتعد المرء عن ركاكة سيناريوهات الأفلام الإباحية ، سيجد أن الإنسان يهلل لإقامة علاقات جنسية في اليوم مئات المرات ، بالطبع إذا سمحت له الظروف ، فهولاء يتناقلون من فيلم قصير إلى أخر ومن إمرأة لأخرى والعكس صحيح ، من رجل لآخر ، أي أن الحقيقة الدامغة ، المدمون جنسياً على وئام وتفاهم مع المنتجين والمخرجين والممثلين للأفلام الاباحية ، لكن بالسر ، لأن كيف يمكن تفسير كل هذه الزيارات للمواقع الاباحية ، فالإحصائيات تشير في كل ثانية يكسب القائمون من هذه المنصات 3 ألف دولار أمريكي ، لكن المدهش أكثر ، في كل أربعين دقيقة يتم إنتاج فيلم بورنو جديد ، أي ببساطة وهو المسكوت عنه ، العاملون في هذه المهنة تتجاوز أعدادهم لأي مهنة آخرى ، والربح منها تتجاوز شركة غوغل وغيرها من الشركات التى تجني مليارات الدولارات سنوياً . والسلام








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كورونا يقيد حركة الأمريكيين في موسم أعيادهم


.. إثيوبيا.. هل تتجه حرب تيغراي إلى الحسم؟


.. نهائي القرن.. بعيون جماهير الأهلي والزمالك




.. قمة قطرية تركية في توقيت دولي وإقليمي حساس


.. الحصاد - اليمن بين حرب الأولويات وترمب يقول الانتخابات مزورة