الحوار المتمدن - موبايل


إعدام العراق العظيم نووياً

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

(Mousab Kassem Azzawi)

2020 / 11 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


قلما تجد في تلافيف الإعلام العربي أو العالمي المتسيد أي دراسة تتناول التأثير على المستوى الخلوي في جسم الإنسان جرّاء ما تعرّض له العراقيون من مئات آلاف أطنان اليورانيوم المنضّب الذي ألقي على العراق في حربي الخليج الأولى والثانية، وهو ما كان سكبه في أرض العراق الجريح الخيار الأجدى اقتصادياً للحكومة الأمريكية بدل أن تتكلف باهظاً لدفن نفاياتها النووية في أراضيها وهو ما يتطلب إجراءات أمان وسلامة مكلفة مادياً وتقنياً. وهو كذلك أوفر من الدفع إلى بعض الفاسدين في دول العالم الثالث لدفن تلك النفايات في أراضيها، فكان بذلك إلقاؤها على أرض العراق وشعبه هو الخيار الأجدى اقتصادياً لتصريف النفايات النووية الأمريكية، والذي أخذت فصوله تتكامل تباعاً ابتداءً من حرب الخليج الأولى مروراً إلى الأطنان المتكاثرة من اليورانيوم المنضّب والتي أسقطت في حرب الخليج الثانية، وصولاً إلى مأساة موقع التويثة النووي الكابوسية وكنهها المرعب حاضراً ومستقبلاً.

إنّ الصمت العالمي غير المسبوق على مثل تلك الكارثة الإنسانية والبيئية في العراق، والتي لم تنل إلاّ أجزاء مجهرية من الاهتمام الذي لا تزال تلاقيه الآثار الكارثية للقنبلتين النوويتين الأمريكيتين على هيروشيما وناغازاكي حين كانت الحرب العالمية الثانية تضع آخر أوزارها؛ هو نتيجة مباشرة للتعتيم الإعلامي القسري الذي تمارسه الإدارة الأمريكية على الوسائل الإعلامية والذي ظهر بجلاء منقطع النظير خلال فترة الحرب البائسة لاحتلال العراق، وما تلاها من تهشيم للبنى التحتية والحضارية في العراق العظيم.

وبالتأكيد لا يمكن لنا أن نتناسى عقم وسائلنا الإعلامية العربية الرسمي وشبه الرسمية وعدم مبادرتنا نحن المهتمين العرب لتوحيد جهودنا وتنظيمها لإيصال صوتنا إلى الرأي العام العالمي ومن ضمنه الأنجلو-أمريكي الغارق في جهله وعدم معرفته بما تقوم به حقيقة باسمه وبشرعية منه إدارة تستجهل شعوبها وتستمرئ الكذب المنمّق عليها.

وإنّ ما زاد الجرح عمقاً في نفوسنا مرتبط بما نسمعه ونقرؤه عبر وسائل الإعلام العالمية والوكالة الدولية للطاقة الذرية عن المأساة المرعبة بيئياً وإنسانياً والتي حدثت في موقع التويثة النووي العراقي والذي تركته قوات الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، والمواقع النووية الستّة الأخرى العراقية، وما يقارب من 500 طن من اليورانيوم الطبيعي والفاعل شعاعياً، وكميات هائلة من اليورانيوم المستنفد في تلك المواقع عرضة لدخول الناس البسطاء الذين أخذوا تلك البراميل الحاوية على تلك المواد الإشعاعية بعد إفراغها منها لاستخدامها في أغراضهم المنزلية، تحت نظر ومرأى الجنود الأمريكان الذين لم يحركوا ساكناً لمنع تلك الكارثة.

ووفقاً لسلطات قوات الاحتلال الأمريكي فإنّها سمحت للخبراء الدوليين بالقدوم لتقييم مدى الضياع في المواد النووية العراقية، ودون السماح لهم بأي تقييم لمدى التلوث البيئي وأعراض الأمراض الناجمة عن التعرض المرعب للإشعاع عند أولئك القاطنين في المناطق المجاورة حيث سكبت المواد النووية، وبشرط أن يكون تحرك الخبراء الدوليين تحت رقابة مباشرة وبعد سماح سلطات الاحتلال الأمريكي بذلك.

وإنّ السؤال الذي يطرح نفسه وبشكل سافر وأمام أقل العقول قدرة على التحليل والتبصر، هو السؤال الموجه للإدارة الأمريكية، والتي كانت تخشى من وصول تلك المواد المشعة لأيدي من تسميهم (الإرهابيين) والذين يسعون للحصول على هذه المواد المشعة لأجل صناعة (القنبلة القذرة) كما يسميها الأمريكان والتي لا تعتمد على الأثر التدميري الانفجاري للقنبلة وإنّما على نشر المادة المشعة بطرق تفجيرية بسيطة وتقليدية وبحيث يكون التلوث الإشعاعي عند المتعرضين له هو الأثر التدميري لهذه القنبلة. فإذا كانت الحالة كذلك فلماذا تركت تلك المواقع عرضة للنهب والسلب العشوائي والمنظّم دون أي تأمين أو حماية لها، فهل السلطات الأمريكية مطمئنة وغير قلقة من أولئك (الإرهابيين)، أم أنّهم حلفاؤها وصنيعوها ولذلك هم لن يقربوا تلك المواد المشعة إلاّ حين تأمرهم بذلك ويكون ذلك مفيداّ لها، وإلى تلك اللحظة فإنّ تلك القنبلة القذرة العملاقة هي من نصيب الشعب العراقي المظلوم ومستقبله الصحي الموؤود.

وللتوضيح بشكل أكثر علمية، يجب الإشارة إلى الخطر المخاتل لمثل ذلك التسرب الإشعاعي وبتلك الكميات الهائلة للمواد الإشعاعية في مناطق مجاورة لنهر دجلة، حيث أنّ ذلك لوحده كان كفيلاً بنشر التأثير الإشعاعي لكافة مناطق العراق الواقعة على ضفتي نهر دجلة جنوب بغداد متضمناً كل السلسلة النباتية والحيوانية الموجودة في تلك المنطقة، و صولاً إلى مياه شط العرب والخليج العربي و كل الدول المتشاطئة عليه؛ هذا عدا التأثير الكابوسي لتلك المواد المشعة عندما تتعرض لحرارة وعوامل الوسط الخارجي فتتبخر الأوساط المائية التي تحتوي المواد المشعة وبحيث تعود تلك المواد إلى أصلها كأملاح صلبة هشّة يمكن أن تطير وبسهولة متناهية عبر العواصف الغبارية المعهودة في وادي الرافدين و بادية الشام المعروفة بالعجاج، لتصير عواصف قاتلة من أرض جهنّم تنال من كل أرض العراق شمالها وجنوبها، بكل طوائفه وإثنياته، وكل الدول المجاورة والواقعة على خط فعالية الرياح في بادية الشام وصحراء الرافدين، والتي لا يمكن التكهن بالتأثير الكارثي الذي يمكن أن ينجم عنها على الإنسان والزرع والضرع.

إنّ قتامة المشهد المأساوي الذي نحن صميمه ينسحب على كل العلماء الأمريكيين الذين يرفضون الإجرام باسم الشعب الأمريكي، ابتداءً من البروفيسور "دراكوفيتش" مكتشف مرض حرب الخليج الذي فصل من عمله في وحدة العلاج الذرّي في مستشفى المحاربين القدماء في البنتاغون الأمريكي والذي يعيش منفياً الآن في كندا، ومهدداً في حياته إن استمرّ بالحديث عن الكوارث التي يحدثها اليورانيوم المنضب على صحة الجنود الأمريكان وعلى من يتعرض له خلال قيامه بتحميل قذائف اليورانيوم المنضب قبل إلقائها على أرض العراق الجريح. والحالة نفسها تتكرر في وضع الدكتور "برويز" مساعد البروفيسور "دراكوفيتش" والأستاذة الأكاديمية "باتريشا هورن" الذين فصلا من عملهما ويعيشان منفيين نتيجة حديثهما عن الآثار الكارثية لاستخدام اليورانيوم المنضّب في الحرب على العراق وأفغانستان والبوسنة والهرسك، والتي قد تكون استخدمت أيضاً في فلسطين وفي سورية.


وهي صرخة استغاثة نطلقها قبيل الغرق ننادي بها كل العلماء والقادرين والمهتمين لبدء حركة إعلامية عربية عالمية منظمة تعلم الرأي العالمي بهذه المأساة التي لن يتوقف أحفادنا عن لعننا حين يولدون مشوهين ومصابين بكافة أشكال الأورام والسرطانات التي يعرفها العلم الطبي حالياً، أو التي لم يكتشفها الأطباء لحد الآن، ولكن سوف تعرف لاحقاً حينما تظهر عليهم وهم يحملون خبث أورامهم شارات تلعن كل الذين صمتوا حين كانوا قادرين على الفعل والكلام وتركوا سيف الإعدام النووي السرمدي ليسبق العذل وحيوات أجيالنا القادمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بودكاست بعد أمس - ميسي وبرشلونة.. -زواج كاثوليكي-؟


.. نشرة الصباح | إيران.. إقرار رسمي بضعف أجهزة المخابرات واخترا


.. نازحون من مخيم اليرموك في دمشق يأملون بعودة قريبة إلى منازله




.. شاهد.. احتجاج بطريقة مبتكرة.. دمى باندا بدلا من الزبائن في م


.. أكبر حلبة تزلج في الهواء الطلق بموسكو