الحوار المتمدن - موبايل


جمهورية التأخير

زياد النجار

2020 / 11 / 21
كتابات ساخرة


استيقظ "عصام" الموظف في "البنك" الأهلي في بلدته، وكانت الساعة 9:00، استيقظ في توهان وكرهاً لليوم والحياة، وكأنه كان يتمني كمعظم الطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها أن تكون هذه غفوته الأخيرة، التي لا يفيق منها أبداً، حتي كأنه يريد أن يسب روحه لأنها عادت من السماء لتيقظه من نومه.
كان يقطن مع أمه، وقد توفي والده منذ نحو سنتين تقريباً، منذ يومها هو الذي يتكفل بمصرايفه الخاصة وامه، ولم يتزوج رغم بلوغه مرحلةً عُمرية تجاوز الثلاثين، ولكنه يملك أسبابه الخاصة بعدم الزواج، فكيف يتزوج ولا يكفيه راتبه الشهري للشهر من الاساس، وهو يتكفل بنفسه وامه فقط؟!. يومه يسير كالتالي:
1- تيقظه أمه كل يوم في السادسة والنصف؛ لكي يكون لديه متسعاً من الوقت للتبول، وارتداء ملابسه، وشرب كوب الشاي الخمسيني الذي تعده علي عجل، وأخيراً يستطيع أن يشتري شطيرتين من الفول من عم "صلاح" الذي اعتاد صوته في كل صباح، ينزل إليه علي عجل، ليجد سيارة الفول هذه مزدحمة بالجياع، فيقف خلفهم ماداً يده بالمال، ويتذكر كيف كان سعر شطيرة الفول في الماضي، ويقارنها بحالها الآن بعد تصاعد سعر الفول، وما تكاد تدوم هذه الخاطرة التي تنتابه كثيراً، حتي يكرر طلبه من العم "صلاح" بأن يُعد له شطيرتين من الفول علي عجل ويُكيسها له، ثم يأخذها، ويمضي في سبيله متوجهاً إلي مقر عمله.
2- كان يعود من العمل متلهفاً للغداء، فيجد امه تنقل الأطباق واحداً وراء الآخر بشكلٍ متتالي، وتكون قد انتهيت من النقل، تزامناً بانتهائه من تبديل ثيابه، فيلتهم بقدر ما تطلب معدته، ثم يغسل يديه، ويذهب إلي غرفته هاماً يشتهي القيلولة حتي السادسة، وفي بعض الأحيان يظل للثامنة ولكن هذا نادر الحدوث إلا إذا كان مرهقاً علي غير إرهاقه العادي اليومي.
3- بعد استيقاظه يمكث علي السرير مستلقياً بنفس الهيئة التي كان نائماً عليها، يراجع شريط حياته، أو يحاول أن يفكر في أي وسيلة تساعده في النشوة، وتحفز عنده مفرزات "الدوبامين"، أو يفكر في اي حلٍ يساعد في تحسين حياته المعيشية، ويزيدها رخاءً بدلاً من بؤسها الذي يزيد بمرور اليوم.
4- وهي دقائق قليلة حتي يتخذ قراره بالنهوض من السرير، ثم التوجه مباشراً إلي الحمام للتبول، ثم ينتقل إلي مرحلة تبديل الثياب؛ تأهباً للنزول والمكوث في "القهوة" حتي يمل، وإما ان يجالس احد معارفه في المقهي، وإما أن يسلي نفسه بتقليب المنشورات الجديدة في حسابه علي "فيسبوك" بدون تفاعل او حتي اكتراث إلا نادراً، فقط مجرد وسيلة تافهة لقضاء الوقت بدلاً من الجلوس في مطالعة حيه الفقير الذي يقطن به، ومشاهدة المنازل المتآكلة مقشرة الدهان، والشوارع ذي الرائحة الكريهة التي اعتادتها أنفه، والتي تحتوي علي برك من المياه القذرة بشكلٍ غير طبيعي، ولا الطرق المتوموجة التي شهدت حوادث خطيرة وبسيطة سابقاً.
5- وما إن يعود للبيت حتي يجد أمه مازالت متيقظة، أو دخلت في سباتها، فيدخل إلي غرفتها فيوقظها؛ ليطمئن قلبه، ويغطيها إن كانت لم تلتحف بلحافهم القديم بعد، وقد تخبره حينها وهي شادة ملامحها؛ تعبيراً عن الخنق أنها تشعر بالحر ولا تريد أن تتغطي، فصار يسألها قبل أن يشرع في إحافها في إن كانت ترغب في أن تتغطي أم لا، ثم قد يطالع التلفاز بلا اكتراثٍ قليلاً، أو يخلد للنوم أيضاً.
ولكن هذه المرة لا اعتقد ان يومه سيسير كما السابق نهائياً، فينتظر عصام اليوم يومً طويلاً شاقاً صعباً، وتافهاً، وفور استيقاظه كما ذكرت بعد عدة ثواني ما تكاد تكمل دقيقة، شعر باستغراب لأن أمه لم تيقظه اليوم كعادتها، وقرر التقاط هاتفه من "الكومدينو" القديم المتآكل المقشر بجانب السرير، وما كاد يضيئ شاشته حتي علم ان الساعة هي 10:05 فقام منتفضاً وزال اللحاف عنه سريعاً، وهرع؛ ليري والدته ويستفهم سبب عدم إيقاظها له اليوم بالذات!.
دخل غرفتها وهو منادياً عليها:
-أمي!!.
ولكنه لم يلقي رد، كما وجد الغرفة فارغة، والسرير بلحافه مهلكين، مما يعني انها كانت نائمة ونهضت، فهرع إلي المطبخ مكررا ندائه:
-أمي!!.
ولكن للألة والأسف هذه المرة أيضاً لم يتلقي أيضاً أي ردٍ يريح قلبه ويجيب عن تسائلاته، وكان يتلفت حوله حتي أدرك عقله أن المطبخ لا يحوي الأم المختفية، ولما التفت ورائه، التقطت عينه الحمام الذي كان مقابلاً لباب المطبخ، فهرع إليه وفتح بابه ونظر إلي داخله ممسكاً بيمينه "أوكرة" الباب، وسانداً يسراه علي الجدار في الجانب المقابل لـ"أوكرة" الباب الذي يمسكها بيمناه، ولكن ما رآه صعقه صعقة لم يُصعق مثلها من قبل، حتي شعر كما لو أنه كان ممسكاً بسلكاً كهربائياً "عاريا"...
(أمي...، أمي...، أمي...)، قال "عصام" هذه الكلمات في ذعرٍ، وهو رافعاً رأسها علي ذراعه، ويضرب بكفه الأيمن علي خدها الأيمن بخفةٍ، ولكن للألة والأسف ما من ردٍ، فوضع رأسها علي الأرضية في سرعةٍ خفيفة، وملامحه ترتسم عليها علامات الذعر الشديد، ثم قام هاماً، وكان الباب في منتصفه، فأزاحه بيسراه، ثم هرع إلي باب البيت، ولما وصل شد "الأوكرة" إلي إلي إحدي الجانبين، فلم يفتح الباب، فأعاد المحاولة مراراً، حتي نزعها من موضعها، فتفاجأ أن الباب موصد بالترباس، ففتحه علي عجل، وحاول فتح الباب بأصابعه في شدةٍ بسيطة، إلي أن فتحه، وصاح وقدميه لم تتخطي العتبة الأمامية للشقة:
-أغيثوني، أغيثوني...!.
فسمع صوت باباً يُفتح من الدور العلوي، فوجد أنه العم "أحمد الدسوقي"، الذي يسكن فوقه، وطل عليه من السلالم:
-ماذا هناك؟!!.
-أمي، لا ترد علي!!.
فنزل العم "دسوقي" في نشاط، فلما اقترب من "عصام" دخل "عصام" علي عجل متوجهاً إلي محل إقامة المرحاض؛ أملاً في إيجاد حلِ لهذه البلوي، ومن فرط عجله عرقله إحدي الكراسي القديمة، المُتربة، الموضوعة في المنزل، فدخل المرحاض، يلاحقه "الدسوقي"، وحمل رأس أُمه مجدداً علي ذراعه، وضرب علي خدها بكفه في خفةٍ كما السابق:
-أمي...!!.
فلما وصل "دسوقي"، مارس مع الأم نفس ما فعله الابن، وأخذ يضرب علي خدها بخفة:
-حجة، يا حجة، فيقي يا حجة...!.
ولكنه هو أيضاً لم يلقي أي رد، وعادت المياه إلي مجاريها، ولكنها كانت عكرة هذه المرة!، فقام "دسوقي"، متوجهاً نحو الباب، وعتبه، ثم وقف بجانب إحدي درجات السُلم، واضعاً يُمناه عليها:
-يا "محمد" يا "طاهر"، يا "محمد" يا "طاهر"...!
فخرج رجلٌ أصلع الرأس، تُظهر ملامحه مدي شيبه:
-نعم!، نعم...!.
-أم "عصام" ساقطة أرضاً في الحمام، ولا تريد أن تفيق!!.
فنزل "طاهر" متعجلاً درجات السُلم، فدخل "دسوقي" متوجهاً إلي المرحاض يتبعه "طاهر"، فلما دخل وجد "عصام" مازال يُحاول أن يُفيقها في ذعرٍ واضحٍ علي وجهه، فعاد "طاهر"، فإذا بـ"طاهر" يخرج من الحمام، متوجهاً في ذات الطريق الذي أتي منه، ثم مرت دقائق كان الكيل قد طفح بها بـ"عصام"، وبدأ يشعر باليأس من محاولته لإفاقة أمه، الذي ما زال يجهل هل غُشي عليها، أم توقفت عندها عضلة القلب؟!، فإذا بـ"طاهر" عائداً، ومعه عشرات من الجيران، تكوموا جميعاً في هذا الحمام اللعين!، ثم خرج أحدهم لبضه بُره، ثم عاد وفي يده كوبً من الماء:
أفسحوا لي الطريق، أفسحوا!.
وأخذ يزيح الجيران المتكومونَ حول "عصام" المسند لرأس أمه، وبعدما أزاحهم وتقدم الصفوف، قذف بالماء في وجه الأم، ولكنها للمرة التي لا اعلم رقمها لم تفق!!، فتذكر "عصام" في سرعةٍ وارتباك خطيرين شيئاً اسمه "الإسعاف"، فقال:
-ليتصل أحدكم بالإسعاف، إسعاف يا ناس...، إسعاف يا بشر...!!.
ثم عاد يصفعها بخفة يده؛ أملاً في أن تفيق، ومرت بضع دقائق، حتي سمع احدهم:
-رجل الإسعاف سيُنهي صلاته ثم سيأتي!!.
-يسلام علي التقوي، ما هذا الرجل التقي؟!!، طالما أنه يتقي الله هكذا، ألا يُمكنه أن يتقي الله في أمي هذه، ويأتي ليُسعفها؟؟!!.
ثم عاد يُكرر محاولات إفاقتها، ومرت عدة دقائق(من اثنين إلي ثلاثة تقريباً)، فسأل:
-لما لم يأتِ رجل الإسعاف إلي الآن؟!!.
-سيأتي، سيأتي..., هو قادمٌ لا محالة!.
وعاد يكرر تلك المحاولات اللعينة؛ لإفاقتها، حتي مرت عدة دقائق أُخري، فسأل:
-أرجوكم...، أتوسل إليكم...، متي سياتي رجل الإسعاف؟!.
-انتظر قليلاً، ربما مازال يتلو اذكار ما بعد الصلاة؟!!.
-ماذا، اذكار؟!!.
فتنهد وقلبه يُكاد أن ينخلع من صدره، وعاد يُكرر تلك المحاولات، وبدا واضحً أن الكيل قد طفح به، ومرت عدة تارات لعينة أُخري، فقال في صياح، يوحي بالضيق والحنق الشديدين:
-أين رجال الإسعاف الملاعيين؟!!.
-ما بك؟ّ!، اصبر قليلاً، ربما سحب مصحفً؛ ليتلو القرآن!!.
-ماذا؟!، هل حبك الوقت الآن لتلاوة القرآن؟!، وأمي تحتاج إلي من يسعفها؟!، هل أصابته التقوة والورع الآن بالذات؟!!.
-يا لك من غير مؤمنٍ بالله!!!.
فتنهد، ثم دفن "عصام" رأسه في صدر أُمه في نفاذ صبرٍ، وفقدان أمل، وأخذ يبكي بحرقة، حتي سُمع صوته من المتفرجون من حوله...
وبدأت مراسم الجنازة والعزاء، ووقف "عصام" يستقبل عزاء أمه في إرهاقٍ وكتمٍ للدموع، التي أحياناً ما عاد يستطيع كتمها فتفر منه، وتبدأ مراسم المواساة التي ملها، وصار يود لو يُحطم رأس من يفصح بها!: البقاء لله...، البقية في حياتك...، أمسك بنفسك...، ومرت أربعة أيام علي هذا النحو الذي لا يُطاق، ثم عادت الحياة لمجراها الطبيعي، ولكن هو لم يعد كما كان، فقد ظل لما يقرب من أربعة أشهر: صفوه معكر، ويمتلئ صدره ضيقً وهمً، وكان قد بدء ممارسة عمله الممل، الذي صار يُزيد همه وعبئ الحياة عليه! منذ أسبوعين من وفاة المرحومة والدته، إلي أن التقاه في يوم "أحمد عيد" زميله في العمل، وصديقه الصدوق الذي يُفشي له بأسراره، كان هذا الحدث صباحاً، فور دخول "عصام" لمبني عمله المعتاد، أوقفه هذا الرفيق:
-"عصام"، كبف حالك؟!.
فقال بعدم اكتراث، يوحي بحزنه:
-بخير، والحمد لله.
-لم نخرج معاً منذ فترةٍ طويلة، ما رأيك أن التقيك اليوم، في المقهي المعتاد؟!.
فنظر إليه في تردد ساد لبرهة، ثم قال:
-حسناً، أنا موافق.
-وهو كذلك.
-ولكن متي؟!.
-الثامنة يُناسبك؟!.
-نعم، ميعاد جيد.
-التقيك في الثامنة، وداعاً.
ومضي كلٌ منهما في حال سبيله، ومرت الدقائق والساعات، وكان قد عاد "عصام" إلي بيته، وتناول غداؤه، وأخذ قيلولته المعتادة، حتي نام لوقتٍ متأخر هذه المرة؛ فلم يعد له أمً لتوقظه!، حتي فاق علي صوت هاتفه علي المنضدة التي عليها أطباق طام غدائه، فيها بقاياه، بجانب الكنبة التي كان يتمدد عليها من بعد تناول الغداء، فالتقطه، وتظر فيه فوجد "أحمد" يرن عليه، فتذكر الميعاد المنسق بينهم، فرد عليه، ودارت بينهما محادثةً مفادها: أن "عصام" تأخر علي الموعد، وأن "أحمد" ينتظره علي المقهي، فقام هاماً، وبدل ثيابه، ونزل من منزله متوجهاً نحو المقهي، ووصل بالفعل، ووجد "أحمد جالساً، فجلس في الكرسي المقابل، وصاح:
-أحضر شاياً، يا بُني!!.
فبدء "أحمد" الحديث قائلاً:
-لماذا تأخرت؟!.
-كنت نائماً.
-أريدك اليوم أن تنسي همومك كلها، ونستعيد أيام زمان!.
-ومن ذا يستطيع أن ينسي أمه؟!.
-يجب عليك أن تنسي، فابنتظارك غدً يجب أن تقف له!!.
-أي غدٍ هذا؟!، ولم أقف له؟!، غدٌ تافهٌ لا محالة!، أمي ماتت أمامي، ولم نستطيع أن نسعفها!!، حتي رجال الإسعاف الملاعين لم يُمارسوا عملهم الطبيعي والأساسي، والله أني لأُكاد أُجزم أن لهذا الشعب تارً مع إسعافه اللعين المتأخر!!!.
-أرجوك، دعك من الماضي، ولا تُفسد وقتنا!!.
ثم مد "أحمد" يده فاتحاً بها علبة السجائر، فالتقط "عصام" واحدة، وكانت في فم "أحمد" واحدة أيضاً، ثم التقط ولاعته من علي المنضدة، وتم وضع الشاي الذي طلبه "عصام" في ذات الوقت، واشعل "أحمد" سيجارته لنفسه، ثم لـ"عصام"، وكان قد غلق النيران بيده؛ حتي لا يُخمدها الهواء، ومن ثم اشتعلت السيجارة اللعينة!...(انتهت)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تعليق الناقد السينمائي عمرو وهبة على نجمات الإغراء في مصر من


.. بيت القصيد | الفنانة المغربية جليلة التلمسي | 2020-11-28


.. أجراس المشرق | الترجمة السريانية للكتاب المقدس | 2020-11-28




.. ابدأ حلمك.. مشروع يحقق أحلام الموهوبين في الفن والمسرح | #من


.. قلوب عامرة | د. نادية عمارة توضح -ضرورة الفهم الصحيح لآيات