الحوار المتمدن - موبايل


عن الاستفتاء والبعد الديمقراطي في الصحراء

عبد الإله بسكمار

2020 / 11 / 21
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي


آليات الممارسة الديمقراطية متعددة، وإن اتفقت في الهدف العام والجوهري وهو حكم الشعب لنفسه، عبر ممثليه في المجالس المحلية أو البرلمان، إقرارفصل حقيقي للسلط، استقلال السلطة القضائية، وضمان الحقوق والحريات، هذا الفهم السليم للديمقراطية مارسته أكثر الشعوب المتحضرة أو التي تعيش" انتقالا ديمقراطيا "بهذه الدرجة أو تلك في هذا الظرف أو ذاك .
صحيح أن الاستفتاء الشعبي هو شكل من بين أشكال متعددة لممارسة الاختيار الديمقراطي، أو حتى حق تقرير المصير، لكنه ليس المبدأ الأوحد لتحقيق ذلك، إذ نجد التمثيلية الجماعية أو البرلمانية ( عبر انتخابات نزيهة طبعا) فضلا عن آليات أخرى ( كحرية الإعلام وحق التظاهر مثلا ) لا مجال للتفصيل فيهاهنا، وذلك كنماذج للممارسة الديمقراطية، ثم أخيرا وليس آخرا آلية الحكم الذاتي، كشكل راق لتلك الممارسة، يحدد فيها المنتخبون ويسيرون شؤونهم بكل حرية ووفقا لضوابط القانون، مع بقاء العناصر الأساسية للسيادة بالنسبة للحكومة المركزية كالعملة والعلم والدفاع الوطني والأمن الداخلي والخارجي .
إن فكرة الاستفتاء في الصحراء المغربية قد أصبحت متجاوزة، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، أكثر من ذلك فالملف، إذا اعتبرناه ملفا حقيقيا، لا زال موجودا مع ذلك ضمن أروقة الأمم المتحدة، ووفقا لقرارات مجلس الأمن (لا سيما الأخيرة منها)، فقد ضربت الدول الأعضاء صفحا وبشكل تدريجي عن مسألة الاستفتاء الذي بات لا معنى له، وأصبحت تميل شيئا فشيئا نحو الطرح المغربي القاضي بحكم ذاتي موسع للأقاليم الصحراوية تحت السيادة المغربية، ووفق منطق تفاوضي كأفق وحيد لحل هذا النزاع المفتعل وحفظ ماء وجه الجميع.
صحيح أن الملك الراحل الحسن الثاني كان قد قبل مبدأ الاستفتاء، لكن المعارضة المغربية بقيادة الزعيم الوطني التقدمي عبد الرحيم بوعبيد رفض المبدأ ذاته في بيان شهير، وعوضه ضمنا بمبدإ ثان ربما أقوى من الآخروهو مبدأ السيادة الوطنية، التي لا يمكن أن تكون محل أي استفتاء، فكانت النتيجة أن بوعبيد والمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي آنذاك أديا غاليا من حرياتهم ثمن هذا الموقف التاريخي للمعارضة المغربية التي كانت تتمتع وقتذاك بمصداقية شعبية كبيرة، باعتبارها تمثل الخط الفكري والسياسي الوطني الديمقراطي.
غير أن العهد الجديد ( الملك محمد السادس) انخرط مجددا في دينامية الاستفتاء أو التحضير له على الأصح، والتي انتهت في بداية الطريق كما هو معروف وأدت إلى فشل تام لعملية الإحصاء ، نظرا لإخفاق الأطراف المعنية، خاصة المغرب والجبهة الانفصالية في تحديد وتعرف من هو المواطن الصحراوي، ولأن إحصاء 1974 الذي نظمه المستعمر الإسباني سابقا تشوبه العديد من الثغرات، وهو الذي اعتمدت عليه الجبهة الانفصالية في تحديد هوية من لهم حق التصويت، إذ المعروف أن قبائل الصحراء معظمها إن لم نقل كلها ظلت تعيش على التنقل والانتجاع والبحث عن الكلإ والمراعي، وهذا أدى إلى حذف مبدإ الحدود من مجال تحركاتها، وإلا يجب استشارة ساكنة الصحراء الكبرى ككل من السينغال وموريطانيا ومالي غربا وحتى دجيبوتي والصومال شرقا ( ؟ !! ) وتخييرها بين إقامة دول منفصلة، أو بقائها ضمن سيادة تلك الدول وعلى رأسها الجزائر نفسها والتي تتمتع بامتداد صحراوي كبير(؟؟).
إذن يبدو واضحا أن آلية الاستفتاء بالنسبة للصحراء ليست واقعية ولا منطقية، فضلا عن أنها بطابعها الرجعي في نهاية المطاف، قد تصب في اتجاه خلق دويلات قزمية مجهرية ميكروسكوبية بكل المنطقة، لا تتوفر على أي مقوم من مقومات الدولة، الشيء الذي يعتبر كارثة حقيقية جديدة، تضاف إلى كوارث التنيمة ومشاكل الديمقراطية وقضايا العدالة الاجتماعية في دول المنطقة وهي بالتالي في غنى عنها .
والحصيلة، يظل المقترح المغربي للحكم الذاتي واقعيا وعمليا وذا مصداقية، تبقى آليات تنفيذه مطروحة ومعها تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمنطقة، وعلى الأخص محاربة الفساد والريع وهي الظواهر التي تعرفها كل أنحاء البلاد وقد ساهمت بوجه من الوجوه في إدامة الصراع المجاني بين أبناء الوطن الواحد واستدامة هذا الملف المفتعل من طرف حكام قصر المرادية، الذين لم تكن تهمهم سوى مصالحهم الآنية والاستراتيجية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إثيوبيا | رئيس الوزراء يعلن السيطرة على عاصمة إقليم تيغراي


.. النيجر | ختام الدورة الـ 47 لمجلس وزراء خارجية التعاون الإسل


.. النيجر | التشادي حسين إبراهيم طه أمين عام منظمة التعاون الإس




.. العراق | مصطفى الكاظمي ينشىء لجنة خاصة بأعمال العنف


.. بعد أعمال عنف بالناصرية .. هل تعود الاحتجاجات في العراق من ج