الحوار المتمدن - موبايل


الولاية السابعة .. أو .. فيدرالية فرنسا ... أي دور لها في الثورة ؟

الطيب آيت حمودة

2020 / 11 / 21
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


عندما حط الإستدمار الفرنسي رحاله في وطننا ، لم تكن ساكنته تدرك بعد معاني ( الشعب) و(الوطنية ) ، فقد كان السكان يعيشون عزلة جهوية ، و نظام إقطاعي ، وعروشية ، أوكنفدراليات تجمع عدة قبائل ، وهذا ما يفسر انقسام الشعب في المقاومة ضد الإحتلال ، فكل عرش أو جهة تقاوم بنفسها ، فعامل و(حدة الوطن) لم يتوضح بعد في أذهان المقاومين ، فقد نجح الإستعمار السابق واللاحق محاربة أي اتحاد يظهر في الأفق ، وهو ما مارسته السياسة العثمانية التركية في الجزائربنجاح قبل وصول الفرنسيين .

°° في الربع الثاني من القرن العشرين ، وبسبب التجنيد الإجباري وعامل الهجرة نحو فرنسا حدث تلاقح فكري بين المهاجرين المغاربة ومستقبليهم الفرنسيين ، فتعرف المهاجرون على مفاهيم جديدة لم يكونوا يدركونها كالقيم العالمية وحقوق الإنسان ومصطلح الشعب والوطن ببعده الشمولي الواسع وتعرفوا على قوانين الجمهورية الفرنسية والعلمانية ووظفوها واستغلوها في تأسيس جمعيات ونقابات و أماكن العبادة كمكافأة لهم في المجهود الحربي مع فرنسا، وبه تم تسهيل إنشاء أول مجمع ديني للمغاربة في أرقى أحياء العاصمة هو ( مسجد باريس) عام 1925 ,
لا شك وأن أكبر الأمثلة عن ذلك ما قام به الأمير خالد حفيد الأمير خريج ثانوية لويس الكبير 1885 و طموحه لولوج كلية سنسير saint cyr من نشاط سياسي بعد الحرب الكونية الأولى بدعوته للمساواة .
°°° ويبدو أن باريس هي المحطة الأهم في ميلاد ( الوطنية الجزائرية ) متأثرين بقيم المستعمر وفلسفته وتجاربه في السياسة والحكم ، ولعل ميلاد نجم شمال افريقيا في 1926 ببعده الوطني و خطه الواضح الصريح في الدعوة للإستقلال ، هو منتوج فرنسي وبلغته وثقافته وفوق أرض فرنسا نفسها .

°° استطاعت الحركة الوطنية أن تنقل الفعل من السياسة إلى السلاح ، أو الإدماج بينهما بفعل تراكمات نضالية مريرة ، أهمها محطة الثامن ماي 1945 التي علمتنا أن [الإستعمار لا يفهم إلا لغة القوة] ، وأن[ ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بمثلها] ، لهذا تأسست تنظيم سري لإعداد العدة للحرب المسلحة يسمى المنظمة السرية LOS الجناح الذي استطاع تفجير الثورة في غرة نوفمبر 1954 .
°° أزمة كبيرة عرفتها الحركة الوطنية بانشقاق حزب الشعب إلى [مصاليين ] و [ مركزيين ] ، مع ظهور شباب وُلدوا و تربُّوا في أحضان الحركة الإستقلالية وهم الذين خططوا للثورة وفجروها مؤسسين تنظيما يسمي [ جبهة التحرير الوطني ,] وهم بذلك سحبوا البساط من تحت أقدام زعيمهم مصالي الحاج الذي له قاعدة نضالية واسعة داخل وخارج الوطن ، فكان التحدي الأكبر للجبهة هو كيفية إزاحة الوعاء الشعبي للمصالية وتحويله للجبهة .

فدرالية فرنسا على جبهتين
ضد فرنسا و ضد المصاليين والخونة .

°° ما يهمني هنا هو كيف انتقل وهج الثورة لفرنسا ؟والصراع المرير الذي غذته السياسة الإستعمارية بين الإخوة الأعداء المصاليين والجبهة ؟ ، وكيف استطاعت الجبهة بعد سنوات من ترجيح الكفة لصالحها وفق تنظيم محكم قاده [عمر بوداود ] بفريقه فيما يعرف بفدرالية فرنسا .

°°بدأت التوعية بين المهاجرين بطيئة نوعا ما في بداية الثورة فقد كان من الصعب اجتثاث فكر المصالية بين المناضلين الذين لم يفهموا من هُم مفجروا الثورة ؟ ، فهم لم يُدركوا الإختلاف الجوهري بين المفجرين للثورة والزعيم مصالي الحاج ، لهذا كان تحولهم للثورة بطيئا ومكلفا ، خاصة بعد الإعلان عن ميلاد M.N.A كمنافس عتيد لجبهة التحرير بعد شهرين من اندلاع الثورة ، وهي قد نظمت آخر استعراض احتجاجي لها ضد انتخابات المجلس الوطني الفرنسي في 9 مارس 1956.
كوادر جديدة لفدرالية فرنسا أعلنت عليها قيادة الثورة CCE بتأثير ايجابي من عبان رمضان ، أثمرت بتعيين خمسة من الكوادر المؤهلة لتسيير الفدرالية وهم : [عمر بوداوود ، قدور لعدياني، سعيد بوعزيز ، عبد الكريم سويسي ، وعلي هارون ]، الذين كلفوا بفتح جبهة كفاح ثوري داخل فرنسا سريعا ، فقد اجتمع الفريق حسب شهادة أحد الفاعلين علي هارون بضواحي فرانكفورت الألمانية وانتهت أشغاله بتاريخ 25/07/1958 فقد تقررنقل الثورة بعنف إلى البلد المستعمر ، بتأسيس ولاية سابعة للثورة في داخل فرنسا ذاتها لتحقيق أهداف استراتيجية كتدويل القضية الجزائرية ، وإشعار الشعب الفرنسي بما يقاسيه الشعب الجزائري من الحرب الإستعمارية ، قسمت البلاد الفرنسية إلى [ ست ولايات ] ينشط فيها المناضلون وفق رزنامة محددة لجمع الإشتراكات لدعم المجهود الحربي ، وهو ما وفر عائدات مهمة للثورة أغنتها عن انتظار مساعدة الدول الشقيقة والصديقة بالرغم من العراقيل التي خلقها المصاليون في رفض المساهمة في تقديم الإشتراكات ، وهو ما يتسبب كثيرا في صدامات جسدية مدمية في غالب الأحيان .

°°° فقد استنسخت فيدرالية فرنسا بقيادة ( عمر بوداود ) التنظيم السري لوص o .s في تنفيذ العمليات طيلة الخمس سنوات التي سبقت الإستقلال ، فتم تنظيم خلايا صغيرة سبق لها وأن تدربت سريا بين حدود المغرب والجزائر ، ولم تكن الجبهة ذات نية بإلحاق الضرر بالشعب الفرنسي ، وإنما لإشعار الفرنسيين بما يعانيه الجزائريون جراء هذه الحرب ، فقد كان من نية الفدرالية التخطيط لحرق بعض غابات فرنسا لإشعار الفرنسيين بما يعانيه الجزائريون من حرق غاباتهم بقنابل النابالم ، فقد اثمر تفجير الوضع الأمني بفرنسا ب 56 عملية تخريب ، و242هجوم بالسلاح ، منها حرق مخازن الوقود بمرسيليا ، تخريب خط السكك الحديدية بين باريس ، ولوهافر ، انفجار قنبلة داخل سيارة الجنود ، ومحاولة تفجير هوائيات برج ايفل الشهير ، وحاولة إغتيال (جاك سوستيل) وزير الإعلام قرب محطة ETOILE ، وقتل الخائن [على شكال] بسلاح محمد بن صدوق في ملعب كلومب بحضور الرئيس الفرنسي روني كوتي 26 ماي 1957 ، ، هذا التصعيد الأمني أجبر فرنسا على الإحتفاظ بقسم من جيشها (80 ألف جندي ) بدل إرساله للجزائر ، وهو ما خفف وطأ التأثير السلبي على المقاومة في الداخل ، كما أن هذه العلميات - التي تحاشت الإضرار بالمدنيين العزل- لها وزنها القيمي على الصعيد الدبلوماسي والإعلامي وتدويل القضية بإشعار السلطة الفرنسية بأن الثورة باستطاعتها إحداث أضرار جسيمة بالوضع العا م الفرنسي .
°°° هذه العمليات خلقت [ بسيكوز سلبي ] و وضع أمني مضطرب عمق هوة الإختلاف بين المهاجرين الجزائريين والفرنسيين ، وأحدث إجماعا فرنسيا على مقاومة الظاهرة بتكثيف وسائل الرقابة والتوقيف والتضييق ضد المهاجرين الجزائريين .

°°°فرنسيون لكنهم مناضلون في الجبهة ؟! :

°°° هناك من الفرنسيين من تعاطف مع الثورة و المهاجرين من تيارات مؤنسنة ، إما أنها ذات إنتماء حزبي شيوعي ، أو رجال دين مسيحيين ، أو أشخاص مثقفين وفنانين ، فتلك القلة المميزة أعلنت ولاءها للثورة وانخرطت في خدمتها , هذه الفئة من المجتمع الفرنسي هي التي تعرف في أدبيات الثورة عند الفرنسيين ب [ حاملو الحقائب LES PORTEURS DE VALISES، وفق تنظيم سري تجسد في شبكة جونسون réseau Jeanson التي تكفلت بمهام استيراد الأسلحة من الدول الشرقية وألمانيا الفدرالية وتمريرها عبر الحدود ، ونقل الأموال ، وتسهيل عمليات نقل المناضلين وإيوائهم في مناطق خفية و تزوير وثائق الإقامة وجوازات السفر ، ففدرالية جبهة التحرير بفرنسا لها أذرع نافذة داخل الشرطة والبنوك و أجهزة الدولة ، مع وجود محامين أكفاء للدفاع قانونيا على المناضلين القبوض عليهم أمثال ( جاك فيرجيس ، رولان دومأ ، جيزيل حليمي ) وقد استفادت الجبهة من تجارب المصري من أصل يهودي (هنر كوريل Henri Curiel)) في تحويل الأموال دون مخاطر نقلها في حقائب خارج فرنسا ، وقد سعت الفدرالية إلى إغراق السوق الفرنسية بالعملة المزورة .
°° الرد الفرنسي كان قويا بواسطة مصالحها للمخابرات DSTو الشرطة وتشريع قوانين ضبطية لكبح أعمال الجبهة بفيدراليتها ، فقد تمت مداهمات وتوقيفات في المناظق المؤهولة بالمغتربين ، وتم تفكيك الكثير من التنظيمات و سجن أعضائها ، فقد وصل بهم الأمر إلى تكوين منظمة سرية OAS تنتهج أساليب غير قانونية لمحارية ومقاومة o .S التابعة لجبهة التحرير ، وهو ما انتج اكتضاض السجون الفرنسية بمناضلي الجبهة .
°°°النضال لم يتوقف ولو داخل السجون !
.
لم يتوقف النضال حتى داخل السجون ، فقد استمرت المقاومة بتكوين تنظيم متواز لنظام السجون ، عبر الإحتجاجات و الإعتصامات ورفع وتيرة حقوق المسجونين، و الإمتناع عن الأكل ، وأهم المطالب التي تحققت نسبيا حق التعليم والزيارة ، وهو ما أثرى الرصيد المعرفي والسياسي للمساجين . كما وقعت محاولة هروب عبر الأسوار والأسلاك ، وحفر نفق يمتد من الزنزانة إلى خارج السجن لهروب المساجين في سجن فرين ، وهو ما أدى إلى قرار تحريك المساجين ونقلهم دوريا إلى سجون أخرى ، وهو ما فعلوه تطبيقيا مع الزعماء التاريخين الخمسة نقلهم من مكان لآخر ، فكل ما يجري في السجون يخضع لإرادة الجبهة ، فالمساجين يخضعون حرفيا لإملاءاتها في كل ما يتعلق بالإكل و العبادة و حتى أداء النشيد الوطني مدويا في ساحات السجن وقاعاته أو تسريب الأسلحة البيضاء أو النارية مفككة إليهم ، وهو ما جعل حافظ الأختام (ادمون ميشلي) يصرح بأن [ قوانين الجبهة مطبقة في سجوننا ؟ !] .
رد الفعل الفرنسي كان سريا و عنيفا ودمويا عبر تخطيط واستراتيجية لا غتيالات مناضلي الجبهة والمتعاونين معها عبر وسائل تؤديها منظمة اليد الحمراء MAIN ROUGEمثل اغتيال المحامي [ولد عودية ] بأمر مباشر من الوزير الأول الفرنسي . وتكوين فرق من الحركى لضرب الثورة في المناطق الساخنة في الدائرتين 13 و 18 حيث كثافة المهاجرين ، فقد كانت أقبية شارع (لا قوت دور LA GOUTE D °OR
مراكز لاستنطاق المناضلين بالقوة الجهنمية ، مصحوبة بفرض حجر التجوال لخنق الثورة ، وردت الجبهة برد عنيف على هؤلاء الحركى ، ودعت إلى مظاهرات سلمية يشارك فيها كل الجزائريين المهاجرين .

°°°مظاهرات باريس 17 أكتوبر 61 .

°بدأ من 1960 تحولت شوارع باريس إلى صدامات بين كومندوس جبهة التحرير و قوات الأمن الفرنسية ، تُوجت بصدام مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس التي قادها (موريس بابون) بدموية ، فقد سجلت وسائل الإعلام تجاوزات مدمية ضد المهاجرين العزل ، فقد سجلت الإحصائيات الرسمية 11538موقوف بعضُهم طُرد نحو الجزائر ، 200 شهيد في باريس وحدها كثيرهم رمي في نهر السين رحمهم الله ، في وقت كانت المفاوضات جارية بين الحكومة المؤقتة و الحكومة الفرنسية والتي تُوجت بوقف القتال 19 مارس 1962 .

كلمة الختم :

مفصول القول أن فيدرالية فرنسا منذ نشأتها لعبت دورا ايجابيا وحاسما في مسار الثورة ، فهي التي كانت تمول المجهود الثوري عبر اشتراكات المهاجرين في شراء السلاح والمؤن التي كانت توجه لثوار الداخل عبر الحدود ، فكانت قاعدة خلفية للمقاومة وسرعان ما حولتها الظروف خاصة بعد وصول ديغول للسلطة وتطبيق خطط ( موريس /شال) إلى تحول الفيدرالية إلى قوة ضاربة في تنظيمها وضربها لفرنسا في عمقها الإستراتيجي ، فأصبحت فرنسا نفسها ساحة للمواجهات بين كوماندوس الثورة وقوات الأمن ، هذه الحالة هي التي أقنعت فرنسا بضرورة التخلي عن الجزائر لأبنائها عبر مفاوضات ايفيان وتقرير المصير المتوج بالإستقلال في 5 جويلية 1962 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إثيوبيا | رئيس الوزراء يعلن السيطرة على عاصمة إقليم تيغراي


.. النيجر | ختام الدورة الـ 47 لمجلس وزراء خارجية التعاون الإسل


.. النيجر | التشادي حسين إبراهيم طه أمين عام منظمة التعاون الإس




.. العراق | مصطفى الكاظمي ينشىء لجنة خاصة بأعمال العنف


.. بعد أعمال عنف بالناصرية .. هل تعود الاحتجاجات في العراق من ج