الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اميركا الامبريالية اليهودية تنحدر نحو هاوية الانسحاب من العالم

جورج حداد

2020 / 11 / 24
العولمة وتطورات العالم المعاصر


خلال مرحلة الحرب الباردة والمزاحمة الشديدة بين المعسكرين السابقين: الشرقي والغربي، كانت اميركا تبالغ في التشدق بالدفاع عن الحرية والدمقراطية وحقوق الانسان والامم، وما اشبه من "عدة شغل" البروباغندا الاميركية المؤسسة على الخداع والتضليل والديماغوجية.
وفي اعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة السوفياتية السابقين، في مطلع تسعينات القرن الماضي، طرحت القيادة الاميركية شعار اقامة "النظام العالمي الجديد" بقيادة اميركا، التي اعتبرت نفسها انها اصبحت القطب العالمي الاوحد الذي ينبغي ان يخضع له الجميع، والذي يمكن له ان يتصرف بمصير العالم جملة، وبمصير كل دولة وشعب على حدة.
وكان جميع "حلفاء" وعملاء اميركا في جميع انحاء العالم يعتقدون ان اميركا ستضطلع بنجاح بدور زعيم العالم، الذي سيقيم "السلام الاميركي" (paxa Americana) ويثبّت التوازن والاستقرار والامن في العالم، ويضمن ولو الحد الادنى من الحقوق المشروعة لمختلف البلدان والشعوب والاقوام. وحتى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت قد حصلت على صفة "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني المظلوم، وقعت في "فخ اوسلو"، وسلمت زمام الامور لاميركا، التي اصبحت الوسيط العالمي الاوحد في المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية العقيمة التي كانت وبالا على الشعب الفلسطيني وقضيته وارضه ووحدته الوطنية.
ولكن اميركا خيبت آمال جميع مناصريها و"اصدقائها" وفشلت فشلا ذريعا في ان تكون زعيم العالم، وظهرت على حقيقتها العارية بأنها أسوأ دولة استعمارية في التاريخ البشري، التي ابادت 112 مليونا من سكان "اميركا" الاصليين، وقتلت واستعبدت عشرات ملايين الافارقة، وليست اكثر من بلطجي وقاطع طريق ولص سفاك يريد ان يغزو ويستعمر وينهب العالم ويستعبد ويجوّع ويبيد شعوبه، تماما كما استعمر "المكتشفون الاستعماريون" الاوائل ــ اليهود والبيض العنصريون ـ ما سمي اميركا، وابادوا سكانها الاصليين واستولوا على ارضهم ونهبوا خيراتها ولا يزالون. ولم توفر العدوانية الاميركية حتى "اصدقاءها" بالذات، الذين اصبحوا عرضة للابتزاز والضغط والطعن في الظهر.
وفي نزعتها الجامحة نحو استعمار و"تجديد" استعمار العالم، اصطدمت اميركا بمقاومة ثابتة وفعالة من قبل روسيا (باسلحتها المتفوقة وبشعبها الشرقي العظيم ـ العدو التاريخي للعدوانية الغربية) والصين (بقوتها الاقتصادية التي لا تزاحم) وايران (باندفاعتها الثورية الصادقة). وقد تشكلت من هذه الدول الشرقية العظيمة نواة "المحور الشرقي الجديد" الذي وقف كالطود في وجه نزعة الهيمنة الامبريالية الاميركية ـ اليهودية على العالم.
وفي المواجهة المصيرية مع "المحور الشرقي الجديد" خسرت اميركا عدة معارك جيوستراتيجية كبرى اهمها:
ـ1ـ معركة سباق التسلح مع روسيا. فبالرغم من ان الميزانية الحربية الاميركية هي اضخم بأكثر من عشرة اضعاف الميزانية الحربية الروسية، فإن روسيا استطاعت ان تخترع وتصنّع وتضع في الخدمة اسلحة متطورة جديدة لا تمتلك اميركا مثيلا لها. وفي رأي غالبية الخبراء، بمن فيهم الناتويون والاميركيون انفسهم، فإن اميركا اصبحت متخلفة عن روسيا ـ في التكنولوجيا العسكرية ـ اكثر من 50 سنة خاضعة للزيادة.
ـ2ـ عملت اميركا اقصى ما تستطيع من العقوبات والضغوط ضد روسيا، من جهة، وضد جميع الدول الاوروبية التي يمكن ان تتعامل مع روسيا، من جهة اخرى، من اجل منع روسيا من مد الانابيب وامداد اوروبا بالغاز الطبيعي الروسي، وبالتالي ربط اقتصاد الدول الاوروبية بمصادر الطافة الروسية. ولكن اميركا فشلت في هذا المسعى التخريبي لانها لم تستطع ان تقدم بديلا اقتصاديا للغاز الروسي. واذا ما حدثت اي مواجهة دولية كبرى لا سمح الله، فمن المحتمل ـ تبعا للظروف المحددة ـ ان يصاب الاقتصاد الاوروبي بالشلل، وان تنقطع الكهرباء وتغرق اوروبا في الظلام، بسبب انقطاع الغاز الروسي كنتيجة حتمية للعمليات الحربية.
ـ3ـ حاولت اميركا باستماتة منع الصين من التقدم لاحتلال المركز الاول في التجارة العالمية والدورة الاقتصادية العالمية. وقد فشلت تماما في هذه المعركة وهي بدأت تدفع غاليا ثمن الحرب التجارية والمواجهة الاقتصادية مع العملاق الصيني.
ـ4ـ منذ حرب النظام البائد لصدام حسين (بالنيابة عن اميركا واسرائيل وشيوخ النفط العرب) ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، وحتى الان، عملت اميركا المستحيل كي تقضي من الخارج على النظام الثوري الايراني، وكي تفجره بثورة "ملونة" من الداخل. ولكنها حصدت الفشل الذريع والخزي والعار. وايران اليوم هي اقوى بعشرات المرات، عسكريا واقتصاديا وسياسيا، مما كانت عليه في 1980، وهي تضطلع الان بالدور التاريخي الكبير بوصفها القاعدة المركزية للمحور الاقليمي الجبار لمقاومة الامبريالية والصهيونية والرجعية العميلة العربية والاسلامية.
ومن مجموع هذه الهزائم الكبرى تشكل الفشل الاول، الاساسي، للجيوستراتيجية العالمية لاميركا.
وطبعا لم يكن من المتوقع من الامبريالية الاميركية ـ اليهودية ان تتراجع بسهولة. ولكن ـ ومهما كان من عدوانيتها ومن قوتها العسكرية والاقتصادية (هي وجميع حلفائها وعملائها) ـ فانها لم تجد لديها القوة والجرأة لشن الحرب المباشرة ضد "المحور الشرقي الجديد" مجتمعا، او ضد احدى دوله على انفراد.
وللتأكيد على مكانتها والتمسك بمواقعها استعاضت الامبريالية الاميركية ـ اليهودية عن الحرب المباشرة ضد احدى دول "المحور الشرقي الجديد"، بشن حرب عالمية "التفافية"، تمثلت في اشعال سلسلة متتابعة من الازمات و"الثورات الملونة" والحصارات والحروب الاقليمية، نذكر منها:
ــ "الثورة الشيشانية" والعمليات الارهابية الاسلاموية الفظيعة ضد المدنيين، داخل الاراضي الروسية.
ــ تحريك الاسلامويين العملاء من الاويغور في الصين.
ــ "الثورة الملونة" والحرب الاقليمية المعادية لروسيا في كل من جورجيا واوكرانيا.
ــ الحروب الاميركية ـ الاطلسية ضد افغانستان، العراق وليبيا.
ــ الحرب الوحشية الاسرائيلية ضد لبنان في 2006.
ــ ركوب موجة "الربيع العربي" المشؤوم واعلان دولة داعش في سوريا والعراق، بدعم كلي اميركي ـ تركي ـ سعودي ـ اسرائيلي.
ــ الحرب الاميركية ـ الخليجية البربرية ضد الشعب اليمني المظلوم.
ــ الحصار المفروض على الشعب الفينزويلي البطل، ومحاولة اشعال الحرب الاهلية في فينزويلا والحرب بين فينزويلا وكولومبيا من اجل اسقاط الحكم الشرعي المعادي للامبريالية الاميركية في فينزويلا.
وغير ذلك من سياسة التخريب والعدوان الاميركية في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية.
وقد كلفت هذه الازمات المفتعلة والثورات الملونة والحروب الاقليمية الوف مليارات الدولارات، والوف الجنود والضباط الاميركيين القتلى والجرحى. ولكنها فشلت فشلا ذريعا، واضعفت المواقع الدولية لاميركا بدلا من ان تقويها.
وهذا هو الفشل الجيوستراتيجي العالمي الكبير، الثاني، لاميركا، في العقود الماضية.
وقد وجدت الطغمة المالية الامبريالية الاميركية ـ اليهودية ان تكلفة السياسة الخارجية التي تنتهجها اصبحت اكثر بكثير من الارباح والفوائد التي كانت تأمل ان تحصل عليها.
وامام هذا الفشل التاريخي للسياسة الخارجية للدولة الاميركية، اضطرت الطغمة الامبريالية الاميركية ـ اليهودية للاتجاه نحو تطبيق سياسة "الانسحاب من العالم" تحت الشعار الديماغوجي "اميركا اولا". والان تتنازع مختلف كتل الطغمة الامبريالية الاميركية ـ اليهودية فيما بينها ليس على مبدأ الانسحاب من العالم، بل على طرق واولويات هذا الانسحاب. ويتخذ الانسحاب الاميركي من العالم اشكالا عديدة ابرزها حتى الان:
ـ1ـ تقليص الوجود العسكري في مختلف المناطق التي تعرضت للعدوان.
ـ2ـ تقليص او الغاء التزامات اميركا في المنظمات الدولية كالاونسكو والاونروا وغيرهما، وحتى التهديد بتقليص التزاماتها نحو الامم المتحدة.
ـ3ـ الانسحاب من الاتفاقات الدولية بالغة الاهمية بالنسبة للعالم اجمع، مثل "الاتفاق النووي" مع ايران، واتفاقات نزع الاسلحة والحد من التسلح مع روسيا.
ولكن اخطر واهم شكل من اشكال الانسحاب الاميركي من العالم هو سياسة العقوبات الاقتصادية والحرب التجارية التي تشنها اميركا على روسيا والصين وايران، وحتى على دول الاتحاد الاوروبي وكندا، كما على مختلف الاطراف الاخرى التي ترى فيها كلها "اعداء لاميركا".
ولا شك ان هذه السياسة تسبب الاضرار والصعوبات والمضايقات للدول والاطراف التي توجه ضدها. الا انها ـ وعلى طريقة "طابخ السم آكله" ـ تسبب الاضرار لاميركا اكثر بكثير مما تسببه للاطراف الاخرى. ذلك ان هذه السياسة تؤدي الى تقليص المشاركة الاميركية في العلاقات المالية والتجارية والدورة الاقتصادية العالمية، وتدفع جميع الاطراف المعرضة للعقوبات الاميركية الى شق الطريق لعلاقات مالية وتجارية واقتصادية عالمية، بمعزل عن المشاركة الاميركية.
وهذا ما سيعزل اميركا تدريجيا عن العالم ويدفعها للاختناق ثم الانفجار داخل حدودها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما رأي خبراء التغذية في أطعمتنا اليومية | #الصباح


.. شركات ألمانية تسعى لاستقطاب أصحاب المواهب من وادي السيليكون




.. هل المعلومات الغذائية الخاطئة تقودك للاعتماد على نمط غذائي خ


.. كيف تزيد الزراعة العمودية من كفاءة المحصول الزراعي | #الصباح




.. ct هل دخول الذكاء الاصطناعي مجال الصحة العقلية أمر غير أخلاق