الحوار المتمدن - موبايل


مرادونا وإيفا بيرون، أو no cry for me Argentina. مرة أخرى !

ميمون الواليدي

2020 / 11 / 26
عالم الرياضة


دييغو مرادونا وإيفا بيرون،
أو no cry for me Argentina مرة أخرى !
عاشت الأرجنتين أمس ليلة لم تعش مثلها منذ 26 من يوليوز عام 1952، منذ وفاة ماريا إيفا دوراتي المعروفة بإيفا بيرون أو إفيتا. أمس وعند قرابة منتصف النهار بتوقيت بيونس أيرس أعلن عن وفاة دييغو أرماندو مرادونا! هذه المرة، لم تكن الفاجعة أرجنتينية خالصة، بل أصابت العالم أجمع، وكأن سنة 2020 أبت إلا أن تنغص "الفرحة بقرب توفر لقاحات لفيروس كوفيد 19"!
"لا أصدق ما يقال، هل يعقل أن يرحل من يملك يد الله؟"، هكذا رد شيخ أرجنتيني على صحفية سألته عن شعوره فور سماعه بالخبر. بعد حوالي شهر من احتفاله بعيد ميلاده الستين، استسلم "تشي غيفارا كرة القدم" لقوانين الطبيعة، ونام نومته الأبدية، وهو الذي أفلت من قبضة الموت في عديد المرات. فور انتشار الخبر في وسائل الإعلام كانتشار النار في الهشيم، بدأت ردود الفعل تتهاطل مدرارا بشكل مثير. بدأ النعي رسميا من القصر الجمهوري، حيث أعلن الرئيس فرنانديز الحداد الوطني لثلاثة أيام ووضع القصر الرئاسي في العاصمة رهن إشارة العائلة الصغيرة للملك رقم عشرة. نائبة الرئيس والرئيسة السابقة، كريستينا فرنانديز دي كريشنر علقت "لقد غادرنا الجسد، لكن مرادونا حي في كل واحد منا". تعازي من كل صوب وحدب، من الأمين العام للأمم المتحدة، من رؤساء كوبا وفينزويلا وبوليفيا وغيرها، من الفيفا العدو الأول لمرادونا ومن الويفا وباقي الاتحادات القارية، من أندية العالم ومن الرياضيين لاعبين لكرة القدم وغيرها. عمدة مدينة نابولي، المدينة التي حولها مرادونا من وكر للفقر والعنف إلى منارة للأحلام، أعلن بعد سويعات أن ملعب سان باولو المحلي سيحمل إسم دييغو مرادونا.
مرادونا الذي كتب عنه إدواردو غاليانو أكثر من مرة، ونظم فيه محمود درويش شعرا، لم يكن ليرحل في صمت، فكما يقول الأرجنتينيون "مرادونا هو مرادونا"، ومرادونا هو الضجيج والصخب.
البيبي دي أورو، أو "الفتي الذهبي" خرج من الأحياء الفقيرة لبيونس أيرس، شأنه في ذلك شأن إيفا بيرون التي غادرت القرية لتعيش في غيتوهات العاصمة وهي في سن الخامسة عشر من عمرها. كان على كل واحد منهما أن يكافح على طريقته ليكسب لقمة العيش في بلاد أنهكتها الانقلابات العسكرية والقمع والشركات الإمبريالية التي كانت تنهب كل شيء. فبينما قصدت إيفيتا الصغيرة الحانات والملاهي للغناء، وجد دييغو ضالته في قدمه اليسرى التي كان بإمكانها مداعبة كل شيء من أكبر الكرات حجما حتى أصغرها، ومن علب المصبرات إلى الكؤوس، ومن فاكهة التفاح الكروية الشكل إلى فاكهة الموز الهلالية! شاءت الظروف أن يحقق كلاهما الكثير، فوصلت إيفا إلى المسرح والإذاعة وصارت نجمة فيما عبر دييغو بابة أرخنتينيوس جينيورس إلى بوكا جينييورس ومنها إلى نادي برشلونة العريق. بعد هذا المسار، لم ينسى أي منهما أصوله، بل إن شخصية كل واحد منهما كانت محكومة بالواقع الموضوعي الذي نشأت فيه. أسست إيفا نقابة المسرحيين وانضمت لأكبر اتحاد عمالي في الأرجنتين، وتمرد دييغو على "برجوازية كطالونيا" واختلق المشاكل في كل مرة، وحول ليلة نهائي كأس إسبانيا ضد نادي بلباو إلى معركة للركل والرفس أمام أنظار خوان كارلوس!
في الأربعينيات قادت إيفا التي حملت إسم بيرون بعد زواجها من الجنرال الذي أصبح الرئيس بفضل شهرتها وقيادتها للحملة الانتخابية، قادت حملة لمواجهة الفقر والأمية واضطهاد النساء، فتمكنت بدعم نقابة العمال وحزب العدالة الذي تزعمته من فرض حق النساء في التصويت في الانتخابات، ومن خلال مؤسسة إيفا بيرون بنت المستشفيات والمدارس ووفرت المنح الدراسية لأبناء القرى والأحياء الفقيرة. دخلت إيفا بيرون قلب كل أرجنتيني رغم أنها عاشت في صلب حياة سياسية متقلبة انتهت بالانقلاب على زوجها.
دييغو مرادونا، غادر برشلونة إلى نابولي، نادي عاصمة الجنوب الإيطالي الفقير، وعاصمة المافيا والرصاص الذي يلعلع بون توقف. هناك وجد الفتى العجيب ضالته، حيث كان بإمكانه المراوغة كما شاء، ومحاولة التسجيل باليد، والرد على الضرب بالضرب، والصراخ في وجه الحكام بدون خجل، والسهر ليلا دون الخوف من العواقب. أفلت من عقال برشلونة حيث النادي "المنضبط والملتزم والنبيل" ليعانق نابولي حيث نادي العصابات والعمال والفقراء والفوضويين. هكذا كان مرادونا.
ماتت إيفا بيرون في سن الثالثة والثلاثين نتيجة إصابتها بالسرطان، بكتها الأرجنتين كلها، حتى المعاضون لزوجها وسياستها بكوا، ونعتها النقابات العمالية والأحزاب اليسارية والإعلام والجمعيات. وضع جثمانها في القاعة الرئيسية لمقر النقابة العامة للشغل، وبعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالجنرال خوان بيرون، قام الانقلابيون مدعومين من اليمين بسرقتها رفاتها واخفائه لمدة ستة عشر عاما. عند وصول الرئيسة السابقة كريستينا فرنانديز إلى الرئاسة قالت "أنا هنا بفضل تضحيات فتاة في الخامسة عشر من عمرها"!
مرادونا، ناهض أموال الفيفا وفسادها، ناهض الشركات المسيطرة على الكرة حين قال لرئيس الفيفا وعدوه بلا منازع "جواو هافلانش": "نحن من يلعب بأقدامنا وليس انت ومالكوا الشركات". عشق تشي غيفارا وفيديل كاسترو وتشافيز، وحين مرض وأصيب بالسمنة استقبلته مستشفيات هفانا بالأحضان. دعم اليسار الإصلاحي في أمريكا اللاتينية من الأوروغواي وبوليفيا إلى تشيلي وألفارو كوريا بالإكوادور. ستبقى كلمات من وشم على جسده صورتي تشي وكاسترو خالدة: "لقد كنت في زيارة للفاتيكان ورأيت السقف مطليا بالذهب، ثم سمعت البابا يتحدث عن الفقراء، اللعنة، بيعوا السقف!". ومن الغريب أن البابا فرانسيس كان من أوائل المعزين أمس، هكذا هم العظماء، حتى خصومهم يحترمونهم!
مرادونا، يعشقه الإنجليز رغم هدفه الشهير باليد، ورغم تصريحه أن هزمهم كان انتقاما معنويا لهزيمة الجيش الأرجنتيني في حرب المالوين. مرادونا يحترمه البرازيليون الخصوم لأنه يذكرهم بالدكتور الشيوعي سقراطيس. مرادونا أضحك الأرجنتينيين وأبكاهم حين خيمت ظلمة القمع والدكتاتورية على البلاد. مرادونا عشقته نساء مايو اللواتي اعتصمن لسنوات في العاصمة للكشف عن مصير المعتقلين والمختطفين.
لا شك أن جنازة الرجل ستكون مهيبة رغم الظروف التي فرضها كورونا، ولا شك أن العالم سيعيش تحت الصدمة لبعض الوقت، ولا شك أن المستضعفين سيفقدون صوتا عظيما مهما اختلفوا معه، فيكفي أن أمريكا تعاديه، لتكون له شرعية لا تنازع. وكما قال مظفر النواب "هذا دم لا يحتاج لمعجم طبقي ليفهمه". مرة أخرى سيغني العالم مع الأرجنتين أغنية مادونا من فيلم إيفيتا : no cry for me Argentina.
سنة 1986، كنت في السادسة من عمري، لم أشاهد سحره مباشرة، لكن أصداء الصراخ في المقاهي مازال يتردد في أذني. وسنة 1990 بإيطاليا، عشت أول تجربة عشق ستستمر إلى اليوم، فارقني النوم يومها بسبب ضربة الجزاء اللعينة ضد ألمانيا في النهائي. لكن تلك البطولة حولتني إلى مهووس بالأرجنتين، أحفظ تاريخها عن ظهر قلب، وجغرافيتها مطبوعة في ذاكرتي الصورية. قبل أي مباراة أتخيل جبال الأنديز وسهول بطاغونيا ونهر لابلاتا وأوشوايا وأرض الثلج والنار، أتخيل نفسي أحيانا على صهوة جواد إلى جانب رعاة الغاوتشو خلف قطعان الأبقار، وأحيانا أخرى أرقص التانغو في حانات البوكا أو أصرخ كالمجنون في مدرجات علبة الشكولاتة! كأس العالم بأيطاليا جعلتني أمضي الليلة ساهرا أتابع تجمعات الارجنتينيين في كل المدن إكراما لدييغو، وبسبب هذه الكأس أنهيت هذا المقال على الساعة الرابعة والنصف وأنا أنصت لزخات المطر تصطدم بزجاج نافذتي، هكذا أثر دييغو في حياتي!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ريال مدريد وصراع الليغا.. أسبوع حاسم لأسلحة زيدان الأخيرة |


.. الآلاف يودعون موسم الشتاء بالتزلج على الثلج في ملابس السباحة


.. بايرن ميونخ.. مهندس السداسية يبصم على النهاية | #الرياضة




.. كين يتجاوز صلاح ويهدد تاريخ أغويرو وشيرر | #الرياضة


.. أخبار الرياضة في دقيقتين