الحوار المتمدن - موبايل


عراق بلا -وطنيه- والاستعمار الافنائي ب؟/10

عبدالامير الركابي

2020 / 11 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


عراق بلا"وطنيه"والاستعمارالافنائي ب؟/ 10
عبدالاميرالركابي
ينقسم تاريخ حضور العراق الحديث الى طورين: الأول تشكلي صاعد يخرج على قدرة من " يحتلونه" على احتوائه، متحرر منها واقعا، ويتجاوز مايملكونه من طاقه على الاخضاع، وآخر يبدا مع حضور الغرب المباشر عام 1914،تتبدل فيه التوازنات وتصير القوة الغالبة المستعمرة ذات قدرات الغائية هائلة، تنحو بدأب منحى الازالة الوجودية كخيار بديل عن هيمنه غير ممكنه ولا متاحة، الأول مسرحه ارض السواد، باعتبارها بؤرة ومنطلق التشكل الازدواجي الرافديني التاريخي تكرارا، وهو تحريري عملي تنقصه الرؤية "الوطنيه" المطابقة من نوعه، مايجعله حدثيا بلانطق، الغلبة فيه للعراق الذي كان سائرا نحو الاكتمال تشكلا بنيويا وكينونة لاستكمال حضوره الكياني الازدواجي، بنقل العمليه التشكلية الحديثه الى الأعلى، نحو "عراق الجزيره" بعد "عراق السواد"(1).
وقد وجد نموذج الغرب الحديث باعتباره معادل الغاء أصلا لنوع القوة التي كانت وقتها في وضع " احتلال" متعذر للعراق، فقد زالت الدولة العثمانيه ضمن سياقات صعود الغرب الحديث الآلي الراسمالي، بما يكرس ظهور قوة هيمنه وغلبة استعمارية منطوية على خاصيات الغاء اشكال النظم والعلاقات الاجتماعية للبلدان خارجها، من تلك التي لم تعرف الثورة "البرجوازية الالية"، الامر الذي طبع الظاهرة المذكرة بالتناقض، بين كونها قوة "تقدميه" على المستوى التاريخي المجتمعي التحولي من جهة، واتسامها من جهة أخرى بالاكراهية والتسلطية، ونزعة الجشع والسعي لاستغلال الاخر واخضاعه.
والاهم من بين علل الظاهرة الغربية الحداثية الاستعمارية، كونها تقوم على تعميم نموذجي لنمطها المجتمعي، ارتكازا لما تهيأ لها تحقيقة من منجز ضخم ونوعي على المستوى التاريخي بحيث صارت تريد صياغة العالم والمجتمعات على صورتها ومثالها، جاعلة من المعمورة برمتها " طبقية" بنية، ومحكوما لقوانين وحركة التاريخ الاوربية، فتجاوزت عند هذا الحد نقطة أساسية تكوينيه مجتمعية، سعت باستمرار وبكل جهدها الى مخالفتها قصورا، وكمظهر عدم ادراك وتبسيط أولي للحقيقة المجتمعية، وعلاقتها الانماطية بالبيئة، معتبرة الالة أداة ووسيلة سحرية، قادرة على إعادة صياغة المجتمعات اكراها، الامر الذي ظل يلد جملة من الاغاليط والاوهام، واشكال الحكم والنظر، قائمه على تصادم ضمني بين الحقيقة المجتمعية الأساس الملغاة من المشهد، وتلك التي وجدت اليوم ومؤخرا لكي تسبغ عليها مفهومها المطابق لكينونتها الخاصة.
ويفتح هذا الباب بالذات مجال نقاش يشمل كل موقع ومكان الظاهرة الغربية الحديثة، والسردية المتصلة بها، والحقائق الرئيسية المتعلقة بمكانها الفعلي بالارتكاز الى واقع كون المجتمعات متشكله من أنماط، لم يتوصل العقل البشري بعد الى ادراك حقيقتها، ولا الغائية المنطوية عليها، باعتبار الفارق الموضوعي الناشيءمع نشوء الظاهرة المجتمعية، والذي يضع العقل في حالة ادنى، تمنعه من ادراك منطوياتها، ولان الغرب الحديث و"علم اجتماعة" لم يتمكن من الذهاب بما يعرف بالبحث الاجتماعي خطوات ضرورية لاحقة على التاسيسات الابتدائية التي وضعها في هذا المجال، فلقد فاته ان يدرك كون المجتمعات على كوكب الأرض، قد تشكلت بناء لخارطة تفاعليه بين أنماط قامت البيئة برسم ملامحها الرئيسية ، هي نمط ازدواج مجتمعي، واخراحادي دولة، وثالث احادي لادولة، مع نمط مختلط، وتشكلات اقليميه رفيعة الفعالية، منها احتشادية الأنماط الشرق متوسطية، ومقابلها الانشطارية الطبقية الاوربية، اعلى اشكال أحادية الدولة ديناميه/ وان الخارطة المذكوره هي سيرورة تحول ذاهبه الى انتهاء وزوال الظاهرة المجتمعية.
ومادام الامر كذلك ومن باب الملازمة البديهية، فان العالم يستمر واقعا تحت طائلة القصور العقلي الذي يتفاقم ابان صعود الغرب وظاهرته، حين تصير أسباب تكريس المنظور الأوربي المجتمعي مدعمة بالاسباب التي تعزز حضورها، وتمنحه صفة الحقيقة، او مايعرف ب "العلم"، بينما يكون قد الغي من الاحتساب واقع الصراع الناشب بين النمطية البيئية المجتمعية وحضورها، وطريقة تعاملها مع الالة وصولا لتطويعها بحسب، واستنادا لكينونتها، مقابل اليات حضور النموذج الغربي، ونوع افتكاراته ونموذجه، وبينما تنشب من وقتها ومع الاله والراسمالية المصنعية معركة تطبع العالم، وتكون محور وجوده وانشغاله اللحظوي بين المجتمعية البيئية، والمجتمعية الالية، يغلب على المشهد واعقاله، هيمنة مفهوم الغرب الحديث عن العالم، وطبيعة المتغرات الحاصلة بفعل صعودة وثورته الحديثة الانقلابيه.
بالمقابل تظل الرؤية المضادة والمعاكسة التي تستوعب الحدث الأوربي، وتعين موضعه ضمن التفاعليه التاريخيه التصيرية، غائبة خارج الادراك العقلي، مايكرس بقوة توهمات الطبقية الالية، ويمنع رؤية موقعها ضمن الاليات التحولية، ومن زاوية النظر التحولية، حيث تقع باعتبارها العتبة الأخيرة الأحادية باعلى وارقى تجلياتها، قبل التحول وانتقال المجتمعات الى ماهي مصممة لادائه. ذلك مع الاخذ بالاعتبار جملة التعقيدات المتعاظمة الواقعه على العقل في حينه بسبب الظاهرة الغربية وتناقضاتها، ومنظورها الغالب المعمم، وخضوعها في الواقع لاعتبارات وآليه غير معبر عنها، هذا غير خضوعها اللحظي الآني لمتغيرات أساسية، لاتوضع تحت مجهر التحليلات، ولا الرؤية التي تظل مستلبة تحت طائلة المنظور الغربي الأساس.
من ذلك كمثال، انتهاء الطور المصنعي الراسمالي مع انبثاق التكنولوجيا، وانتقال مركز الراسمالية الفعال خارج موضعه الكلاسيكي الأوربي، وقبل ذلك انشطار الغرب الى معسكرين يعكسان اختلاف اشكال تجلي الانتقال الى الالة بناء على الحقيقة المجتمعية، وتبايناتها، واختلاف انعكاساتها البنيوية، بغض النظر عما يحيط بكل تلك التمظهرات من منظورات مناسبة، ونابعه بالاصل من المفهوم الغربي الأساس، مثل القول ب "الاشتراكية" مقابل الراسمالية، او اسباغ صفة "الراسمالية" بالمطلق على الكيانيه المفقسة خارج رحم التاريخ، والتي انتزعت المحورية في القرن العشرين من اوربا الكلاسيكيه، بصفتها بنية مجتمعية مختلفة، ماتزال غير واعية لذاتها ولحقيقة تكوينها، وينيتها التي لم تكتمل بعد.
كل هذا من الأسباب والاحتدامات المتسارعة والعنيفة قياسا بمجريات التاريخ الأسبق، لم تكن من دون انعكاس عام ومباشر على موضع التحولية التاريخيه الازدواجي كما الشرق متوسطي، ماكان من شانه توليد حالة من الحاحية "وعي الذات" تحت اشتراطات الفناء، وفي حين يكون الغرب بحضوره واشتراطات هيمنته، موغلا في إعادة صياغة ارض الرافدين وفقا للنموذج الغربي، مع مايعنيه ذلك من محق لخاصيات هذه البلاد وكينونتها المجتمعية التاريخيه، بصفتها موضعا تحوليا ازدواجيا مجتمعيا امبراطوريا، يصير محكوما بالفبركة والاكراهية المفهومية للارتهان والخضوع لنموذج الغرب، واشكال تعريفه للمجتمعات والكيانات والدول وبناها، من جهة باعتبارها حتما وقسرا مجتمعات تشكليه تماثلية، ومن ثم "طبقية"، مجبرة على ان تلبس ثوب "الدولة الوطنيه" في كيان موحد احادي، أي التحول القسري الى كيانيه وبنية مجتمع دولة احادي، الامر الذي يمكن تخيله عند التطبيق في مصر كمثال، بينما يصير من قبيل الإلغاء والافناء البنيوي الوجودي في مجتمع ازدواجي.
ويجد الغرب مع حضوره أسبابا تساعده في تكريس منهجه، وعمله الدؤوب، لا الاستعماري المعتاد، بل الافنائي، متأت من افتقار ارض الرافدين للرؤية المعبرة عن الذات التاريخيه، الامر الذي كان ملازما لتاريخ هذا الموضع موضوعيا ابان طور القصور العقلي إزاء الظاهرة المجتمعية، عدا ماكان قد ولده صعود الغرب وظاهرته الطاغية من تبلور ونمو اشكال من الرؤية "الوطنية الزائفة"، المستندة أصلا الى المنظور المفبرك الغربي لعراق مختلق، لاوجود له الا في الاعتبارات الامحائية الاستعماريه، ومع اختلاف المواقع فان جميع قوى الحداثة، واولها"الحزبيه الايديلوجية" الثلاثينيه المسماة وطنيه، قد وجدت وعملت بالدرجة الأساس على تكريس نهج الإلغاء والمحق البنيوي الناجم عن العجز، بتبنيها المقدمات والتخريجات المعتمدة من الغرب الاستشراقي الاستعماري في النظر الى الكيانية والمجتمعية العراقية الحديثة، بغض النظر عن منطقها الشكلي، وتحديدا ما تعتبره وقد تؤمن به توهما، من منطلقات معارضة للغرب بوجهه الاستعماري ارتكازا للغرب نفسه ومفاهيمه.
يعني هذا ان العراق كان عليه في العصر الحديث لاسباب خصوصية وتشكلية حديثة، ان يواجه ثقل عملية افناء براني، لا فقط وليست من النوع لاستعماري المتعارف عليه، مرتكزه الى تشكل وحضور قوى افناء ذاتي، برر تولدها وساعد عليه، العجز العقلي المفهومي التاريخي، باسم الوطنيه الايديلوجيه، مع تعدد مستوياتها ومراتبها، سواء داخل الدولة المركبه من خارج النصاب الاجتماعي، وخارج سيرورة التشكل التاريخي، أوالتي تقف ضده باسم " الوطنيه"شكلا، وهو مايفترض وضعه في الاعتبار عند النظر في اشتراطات وممكنات نمو الوطنيه التحولية الازدواجية، في اللحظة نفسها وبالتلازم مع تحول الغرب وظاهرته ليصير خاضعا للمحاكمه كظاهرة ووجود، بما هو كلحظة وضرورة تاريخيه مؤقتة في المسار التاريخي التصيّري، المفضي الى التحول التاريخي، أي باعتباره العتبة الأخيرة الأحادية الأعلى قبل انتهاء زمنها، وعبور العقل حاجز العجز والقصور عن الإحاطة بالظاهرة المجتمعية، وكينونتها الابتدائية اصلا، وبالذات مضمرها القابع بين تضاعيفها من تحولية انتقال الى مابعد مجتمعية.
ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يقسم الجغرافيون العراق الى عراقين، اعلى الى مافوق وغرب بغداد يطلقون عليه " عراق الجزيرة" واخر الى الجنوب هو "عراق السواد"، راجع عبدالعزيز الدوري" الاقتصاد العراقي في القرن الرابع الهجري" مطابع المعارف /بغداد ط 1 / والكتاب معاد إصداره بطبعات اخرى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السودان يستبعد -الخيار العسكري- في الخلاف مع إثيوبيا بشأن سد


.. ميساء بن ميم.. طفلة تونسية تحدت فقدان بصرها حتى أصبحت ا?يقون


.. مصر .. السيسي: روابط تاريخية تجمع بين مصر وتونس




.. طهران تبدأ باستخدام أجهزة طرد مركزي حديثة | #رادار


.. استمرار الاستعدادات ببريطانيا لتشييع جنازة الأمير فيليب | #ر