الحوار المتمدن - موبايل


أنا الإنسان، أنا الوطن: خَلْقُ حياة

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2020 / 11 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


في المبتدأ، وُجد الإنسان في الحياة عارياً، جاهلاً، لا ينطق، تماماً مثل سائر الحيوانات والكائنات الحية من حوله. لماذا أتي إلى الحياة، ومن أتى به، ولأي غاية أو هدف؟ لم يسأل، وما كان يستطيع. كل همه حينذاك أن يعيش، أن يبقى في الحياة، أن ينجو من المخاطر، أن يسد جوعه ويروي عطشه ويطفئ رغبته الجنسية. ما كان يشغله أي شيء آخر على الإطلاق. فبعدما وجد نفسه في معترك الحياة، دون أن يختار ولسبب لا يعلمه، تمسك بها بكل ما أوتي من حيلة وبأس، ولم يشغله سوى أن يبقى حياً في حياة لم يختارها، ولم يسأل نفسه حتى كيف نشأت أو لماذا.
حتى تمسكه بالبقاء كان رغماً عنه ولم يكن اختياراً. لقد نشأت الحياة مسلحة بحزمة من الغرائز الطبيعية الكفيلة بحفظ الحياة من التوقف والزوال. قلبه ينبض ورئته تتنفس وأعضائه الداخلية تؤدي وظائفها الحيوية من تلقاء نفسها دون استشارته؛ الجوع يضطره إلى أن يسده بالطعام، والظمأ بالماء العذب، والشهوة بالجنس...الخ. هكذا لا تزال تفعل كل الحيوانات حولنا حتى اليوم؛ ولم يكن الإنسان الأول متمايزاً في شيء. كأن الحياة أهم وأثمن من أن تؤتمن عليها الكائنات الحية كافة- ومن ضمنها الإنسان- ومن ثم نشأت مزودة بأسلحتها الخاصة- الغرائز الطبيعية- لكي تحصن وتحمي تحفظ نفسها من الانقراض.

ثم في زمن ما بعيد، بعيد جداً عن زمننا الحاضر، وبسبب حادث أو ظرف ما، تطورت لدى الإنسان دون سواه من الكائنات الحية ملكة "العقل". منذ ذلك الزمن، قبل نحو 100 ألف عام، بدأت حياة الإنسان تتميز وتتفرد عن بقية المخلوقات كافة، وخطى الإنسان خطواته الأولى نحو الحضارة كما نعيشها في زمننا المعاصر؛ تعلم الكلام والزراعة والاستقرار، اكتشف واستغل النار، صنع الأدوات، أعاد اكتشاف نفسه والكون كله، ليعيد إنتاج نفسه وبيئته المحيطة في صور حضارية مصنّعة شديدة الاختلاف والتباين عن صورها الطبيعية الخام. وكما تعلم الكلام والزراعة والاستقرار واستخدام النار وصناعة الأدوات، ابتكر كذلك مؤسسات وشخوص اعتبارية غير طبيعية- غير موجودة في الطبيعة كهبة طبيعية خام- مثل الأسرة والجماعة والقبيلة والعشيرة والمجتمع والدين والدولة والأمة....والوطن.
في الأصل، الانسان مخلوق طبيعي، هبة من الطبيعة مثله مثل أي حيوان أو نبات أو جماد آخر، لا يملك من أمر قدومه إلى الحياة أو مغادرته لها شيئاً. على النقيض، الشخوص والمؤسسات الاجتماعية الاعتبارية، مثل الشركة والأسرة والمجتمع والرئيس والدين والوطن...الخ هي مخلوقات ومنشآت ومؤسسات بشرية، صنعها الإنسان لتلبية أغراض ومقاصد وأهداف وغايات إنسانية. وكما خلقها، يستطيع في أي وقت أن يحلها أو يصفيها أو يعدلها أو يغيرها أو يستبدلها بأخرى، مثلما قد فعلت وتفعل كافة التجمعات البشرية عبر التاريخ مع شركاتها ومؤسساتها وأديانها ومعتقداتها ولغاتها وثقافاتها وأنظمتها السياسية والاجتماعية وعاداتها وتقاليدها وخلافه.

الإنسان ووطنه يشكلان موضوع هذا الكتاب. في البداية، وجد الإنسان الذي فيما بعد أنشأ وطنه لغاياته ومقاصده الشخصية. الإنسان هو ذلك الكائن الطبيعي المزود بغرائز طبيعية تحفظ له وجوده، والوطن هو في الأساس قطعة من الأرض أو منطقة نفوذ يشبع من عناصرها الأنسان متطلبات غرائزه ويحفظ بها مقومات بقاءه. في النهاية، الإنسان كائن أرضي لابد أن يعيش على الأرض (في وطن)، وليس كائناً فضائياً. لكن، من خلال عيش الإنسان في أرضه ومنطقة نفوذه (وطنه) ينشأ بينه وبينها نوع من الألفة والتوحد والتعلق الوجداني، ليصبح الوطن جزء لا يتجزأ من شخصية الإنسان المادية والمعنوية، يظهر في ملامحه الجسدية وكلامه وتفكيره وهيئته العامة. في الحقيقة، الإنسان يصنع وطنه بيديه، وبالضرورة يحمل المنتج النهائي جانباً من شخصية الصانع، ليصبح الإنسان ووطنه شيئاً واحداً ونفس الشيء، قدر لا انفصال ولا انفكاك عنه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. روسيا : 12.500 جندي يشاركون في ذكرى الانتصار على النازية


.. تحرك أفريقي أمريكي لحل أزمة سد النهضة


.. أرقام من الحرب الوطنية العظمى




.. أحداث القدس تستنفر العرب.. نتنياهو في أزمة؟


.. اليونان تعيد فتح شواطئها أمام المصطافين