الحوار المتمدن - موبايل


الثورة المُضادة في المَجَر عام 1956- خطاباتها وأسلحتها (2)

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2020 / 12 / 1
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


اكاتب الموضوع: الشيوعي الهنغاري يانوس بيريتش*

الفصل الثالث: المرحلة الأولى من عملية Focus

أ- بدايات التدخّل
في عامي 1953 و1954، كان لدى لجنة راديو أوروبا الحُرّرة الخبرة السياسية الهائلة وملايين الدولارات والتسهيلات الفنية التي اعتُبِرَت ضروريةً لتخطيط وتنفيذ برنامج فعلي وعملي سياسي ضد الدول الاشتراكية الأوروبية كُلٌ منها على حدة. وتجدر الاشارة الى المحاولتين السابقتين التي قامت بها والتي زودتها، من بين أمورٍ أُخرى، بالخبرة المطلوبة.
سعت الدبلوماسية الأمريكية والبريطانية وكذلك المُنظمات الاستخبارية الى تحقيق استيلاء اليمين على ألبانيا. تم وضع خطة عمل لتنظيم "حركة مُقاومة" داخلية. ولهذه الغاية، تم انشاء مُنظمة تُسمى "اللجنة الألبانية الحُرّة" في ايطاليا في صيف عام 1949. تم تدريب 300 مُقاتل تحت رعايتها. تسللوا الى الجبال الألبانية في ربيع عام 1950 وكُلّفوا بمهمة اثارة الاضطرابات، وتجنيد المؤيدين والبدء في انتفاضة واسعة النطاق بناءاً على اشارة مُعينة. أثبتت هذه المحاولة فشلها. تم القبض على ما يقرب من نصف العُملاء بينما هرب الباقون الى اليونان. نحن نعلم اليوم أن أنشطة الرفيق كيم فيلبي kim philby ، ضابط المُخابرات السوفييتي، ساهمت بشكلٍ كبير في احباط هذا العمل(13).
أما العمل الآخر المُصمم لاكتساب الخبرة فقد تم تنظيمه ضد تشيكوسلوفاكيا في صيف عام 1953. كان جُهداً مُستقلاً من جانب لجنة أوروبا الحُرة. انطلقت الحملة في 11 تموز عام 1953 تحت الاسم الرمزي "عملية بروسبيرو" Operation Prospero. في سياق عملية كُبرى دامت 4 أيام، تم اسقاط حوالي 12 مليون منشور بواقع 6512 منطاد على أجزاء مُحددة مُسبقاً من البلاد في بلزين واوسترافا Plzen and Ostrava. تمت، خلال العملية، زيادة فترة البث اليومي لاذاعة صوت تشيكوسلوفاكيا الحُرة الى عشرين ساعة. تم تعريف مُحتوى الحملة بشعارها: "كُل تشيكي وسلوفاكي من أجل الحُرية. العالم الحُر كُله يقف مع التشيك والسلوفاك!". كما تم نشر هذا الشعار على ألواح الألمنيوم بمساعد المناطيد.
بعد العملية، كتب آلان ميكي Allan A. Mickie مُساعد المُدير العام لاذاعة أوروبا الحُرة آنذاك: "... أقنع التحليل الدقيق لطاقم أوروبا الحُرة أنهم كانوا رُواداً في أساليب الحرب السياسية من خلال الجمع بين صفات الراديو والكلمة المطبوعة"(14).
قامت ثلاثة مؤسسات بُمساعدة لجنة أوروبا الحُرة في تنفيذ برنامج "التحرير".
أصدرت صحافة اذاعة أوروبا الحُرة منشورات وكُتُب مُعادية للدول الاشتراكية وتحريض ونشرات من حينٍ الى آخر. تم اعداد دراسات مثل (Svobodna Europe) بمعنى (أوروبا الحُرة) و(Kedy to Skoncy?) بمعنى (كم سيستمر هذا؟) وتم عمل منشورات تحت رعايتها. بالاضافة الى ذلك، أصدرت رسالةً اخبارية بالبريد الجوي كل اسبوعين في عشر صفحات تحت اسم szabad magyarország بمعنى "هنغاريا الحُرة". تم ارسال المطبوعات واسقاطها خلف "الستار الحديدي" في الغالب عن طريق المناطيد.
صاغ الأهداف التحريضية والتخريبية لاذاعة أوروبا الحُرة رئيس المُنظمة آنذاك تشارلزجاكسون Charles D. Jackson في تصريحٍ أدلى به لمُراسل صحيفة نيويورك تايمز، جاك رايمونغ Jack Raymong في 24 تشرين الثاني عام 1951. قال جاكسون أنهم أرادوا أن يؤسسوا شُروطاً مُسبقة للاضطراب الداخلي التي يتم توجيه البث تجاهها. سيأتي وقت التفكير في تقديم مُساعدةٍ عسكرية مُحتملة لمثل هذه المشاريع اذا نجحت شعوب الدول التابعة للسوفييت، في بدء تحركاتٍ عسكرية على أراضيها يُمكننا من الاستفادة منه.
شارك حوالي الفي شخص يعملون في اذاعة أوروبا الحُرة و29 جهاز ارسال عالي الطاقة، 6 أو 7 منها تبث برامجها الى هنغاريا، شاركوا في تنفيذ البرنامج الذي صاغه تشارلز جاكسون. لقد جمعوا بانتظام بيانت حول الوضع والمشاكل المحلية للدول الاشتراكية المُنفردة. بحلول عام 1954 قاموا بجمع 42 ألف ملف يحتوي على بيانات حول المصانع والمكاتب والوضع الداخلي لجمهورية هنغاريا الشعبية والمناقشات الدائرة في البلاد. كان هُناك أيضاً "كتاب أسود" مُنفصل جمعوا فيه ما وُصِفَ بأنه معلومات تفضح القادة والمسؤولين الأفراد.
تم جمع المعلومات من قِبَل موظفي أوروبا الحُرة. لقد تواصلوا مع الناس المُسافرين من الديمقراطيات الشعبية الى الغرب، ومنهم رياضيين وسُيّاح، وبالطبع اولئك الذين انشقوا الى الغرب. استمرت الجلسات معهم لعدة أيام في بعض الأحيان. كان هؤلاء المُوظفين مُهتمين فيما يتعلق بالحياة الداخلية ومشاكل البلد المُعيّن.
قدّمت المؤسسة المُسماة "علاقات مُهاجري أوروبا الحُرة" مُساعداتٍ مالية لمنظمات المُهاجرين التي اتبعت سياسة "التحرير" الامبريالية دون تحفظ وشاركت في الأنشطة التخريبية ضد الديمقراطيات الشعبية. كانت هذه المُؤسسة التابعة للجنة أوروبا الحُرة هي التي موّلت ما يُسمى اللجان القومية بما في ذلك Magyar Nemzeti Bizottmdny (اللجنة القومية الهنغارية).
كما كانت الرابطة الدولية للفلاحين والعديد من المُنظمات الأُخرى تعمل بمساعدة لجنة أوروبا الحُرة. في نيسان عام 1951، أنشأ فيرينس ناجي Ferenc Nagy ورفاقه لجنة وسط وشرق أوروبا والتي كانت مهمتها تنسيق الدعاية التخريبية والاجراءات المُختلفة ضد الديمقراطيات الشعبية الأوروبية. بمساعدة مؤسسة فورد، نظّم زُعماء المُهاجرين الرجعيين "جمعية الأمم الأوروبية الأسيرة" Assembly of European Captive Nations، أي ما يُسمى "جمعية الأمم المُتحدة الصغيرة" في أيلول عام 1954 بهدف مُمارسة ضغط سياسي مُتزايد على الدول الاشتراكية الأوروبية.
كما كانت مُهمة مُشتركة للمنظمات المُختلفة تشكيل الرأي العام في البُلدان الرأسمالية واقناع الناس بقبول مفهوم "التحرير" والاعتقاد بامكانية انجاحه. شرع السياسيون، في كُل هذه اللجان والمُنظمات، في وضع البرامج التي سيتم تنفيذها بعد "التحرير" والكيفية، المتوافقة مع الظروف الجديدة، لتحقيق استعادة الرأسمالية.
كان هُناك أيضاً نوع آخر من التجمعات المُكونة من المُنظمات العسكرية. درّبت هذه المُنظمات أفراد عسكريين سابقين للمُشاركة في "تحرير بلدهم الأسير". بشكلٍ عام، تم انشاء مُنظمات المُهاجرين العكسريين في أوروبا وكانت نشطة، كقاعدة عامة، في مناطق قريبة من حدود الدول الاشتراكية. لقد بذلوا جهودهم لتأسيس حركات مُقاومة سرية في الدول كُلٌ منها على حدا، وحاولوا ارسال عُملائهم بانتظام الى الدول المعنية. بالاضافة الى ذلك، قاموا بدورٍ نَشِط في عمليات الاستطلاع.
تم استكمال القسم الهنغاري في اذاعة أوروبا الحُرّة بوحدة عسكرية قوية تضمنت المُنظمات التالية: القضاء الثوري، الخدمات الخاصة، مكتب المُقاتلين من أجل الحُرية، قسم الارهاب، الخ. تم تعيين مهمة خاصة الى Magyar Harcosok Bajtarsi Sztivetsege (MHBK) (الرابطة الأخوية للمقاتلين الهنغاريين). كانت تُشارك في تسليح ضُبّاط الجيش المنفيين وتنظيمهم للقيام بأنشطة تخريبية تحت قيادة الجنرال زاكو Zako من (حزب صليب السهم)، السابق.
كانت (الرابطة الأخوية للمقاتلين الهنغاريين) من أوائل المُنظمات التي تم تأسيسها بعد فترةٍ وجيزةٍ من الحرب لحشد ضُبّاط حزب صليب السهم، واولئك الموالين لنظام هورثي الملكي الفاشي الذين هربوا الى الغرب، والأعددا الكبيرة من الجنود اللذين تم نقلهم الى الغرب. عَمِلَت المُنظمة بفاعلية كبيرة بين أولئك الذين يعيشون في المُخيمات حيث كان هناك الكثير من البؤس والفقر. تعمل أقوى فروعها على أراضي ألمانيا الغربية والنمسا وفرنسا.
كانت أنشطة لجنة أوروبا الحُرّة ومؤسساتها مُوجهة ضد الديمقراطيات الشعبية الخمسة التالية: جمهورية بلغاريا الشعبية، جمهورية تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية، جمهورية هنغاريا الشعبية، جمهورية بولندا الشعبية وجمهورية رومانيا الاشتراكية. تم اطلاق حملة سياسية مُنسقة ضد اثنتين منها عام 1954: عملية فيتو Operation VETO ضد تشيكوسلوفاكيا، وعملية فوكَس Operation FOCUS ضد هنغاريا.
قد ينشأ السؤال عن سبب اختيار هذين البلدين لهجومٍ سياسيٍ مُنسّق بما أنه قد ارتُكِبت بعض الأخطاء في أوائل الخمسينيات في جميع الديمقراطيات الشعبية، كما حدثت فيها أعمال غير قانونية. رأى نُقّاد لجنة أوروبا الحُرة أنه يجب ايلاء أقصى قد من الاهتمام لتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا (بترتيب الاختيار: تشيكوسلوفاكيا تليها هنغاريا). على الرغم من أن بولندا كانت في بؤرة اهتمامهم، الا أن هذا البلد لم يكن له حدود مُشتركة مع أيٍ من البُلدان الرأسمالية تسمح بالتدخّل المُباشر في حال وجود ظرف مُناسب لذلك، وبالتالي، تم ازاحتها جانباً واعطاء الأولوية لتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا.
بدأ وضع برنامج عملية فيتو ضد تشيكوسلوفاكيا نهاية عام 1953. واستغرق اعداد خُطة العمل 5 أشهر. حاول المسؤولون عن العملية ترجمة فكرة "التحرير" الى فعل سياسي. أدرجوا 10 "مطالب للمعارضة الشعبية"، واعتباراً من 29 نيسان عام 1954 تم ارسال ما مجموعه 3 ملايين منشور على مُلصقات جدارية تحمل الرقم 10، الى تشيكوسلوفاكيا بمساعدة المناطيد.
وكانت قائمة المطالب الديماغوجية على النحو التالي:
1- يجب أن يكون انتماء النقابات العُمالية الى أعضاء النقابات.
2- أجر أعلى- كلام أقل.
3- عدم تقييد العُمّال بأماكن عملهم.
4- عدم التعدّي على وقت فراغ العُمّال.
5- انهاء القنانة.
7- الحُكم الذاتي المحلي بدلاً من البيروقراطية.
8- البضائع للشعب وليس للاتحاد السوفييتي.
9- خدمة مصالح المُستهلكين.
10- المنازل للعائلات، وليس للدولة.
اعتباراً من 1 أيار، زادت اذاعة أوروبا الحُرة بث البرامج باللغتين التشيكية والسلوفاكية. لقد روّجت المُرسلات الاذاعية المطالب العشرة وحاولت استثارة "المُقاومة الشعبية". تمت طباعة وتوزيع مليون نُسخة من كُتيب من 8 صفحات بعنوان Svobodna Europa (أوروبا الحُرة) بنفس الهدف.
في 16 أيار، جرت انتخابات اللجنة الوطنية في تشيكوسلوفاكيا. أغرقت صحافة اذاعة أوروبا الحُرة البلاد بحوالي 20 مليون "بطاقة اقتراع"، والتي كانت تُسمى "أوراق الاقتراع الخاصة بالمُقاومة الشعبية"، والتي احتوت على المطالب العشرة.
بين شهري تموز وأيلول، كانت عملية فيتو مُوجهة بشكلٍ أساسي ضد عملية تسليم المحاصيل الاجباري للدولة في اطار حملة تُسمى "حصاد الدفاع عن النفس". ولكن، تركز الاهتمام، في خريف عام 1954، اثناء انتخاب لجان الوُرش، على العُمال. حثتهم الاذاعات والنشرات على عدم انتخاب شيوعيين ليكونوا أعضاءاً في لِجان الوُرَش.
في اطار عملية فيتو، غُمِرَت تشيكوسلوفاكيا بما لا يقل عن 41 مليون منشور وأكثر من 50 طن من أنوع أُخرى من المواد المطبوعة المحمولة على المناطيد. على الرغم من أن نتائج الحملة كانت بعيدةً كُل البُعد عن أن تكون مُرضية لمُنظمي العملية، الا أنهم تملّكوا خبرة ذات قيمة لاستخدامها في الأعمال المُستقبلية.
ابتداءاً من تاريخ 8 أيلول، نشرت لجنة أوروبا الحُرة وثيقة بعنوان (هنغاريا- التعليمات رقم 15، عملية FOCUS) لخّص جوهر ومهام العملية. كان الموعد المُحدد لاطلاق العملة هو الأول من تشرين الأول.
كان برنامج العمل المُسمى "عملية FOCUS) عمليةً طويلة المدى كان الهدف منها هو التحرير في نهاية المطاف كهدف نهائي للعملية، كما وصف خبير الحرب السياسية في كتابه (راديو أوروبا الحُرة) روبرت هولت Robert T. Holt. كان البرنامج ييهدف الى تحفيز وتشجيع العدو المحلي على التنظيم ومنحهم برنامجاً واعلامهم بأن "العالم الحُر" وقبل كل شيء الولايات المُتحدة على استعداد لتقديم مُساعدة لأنشطتهم. في 8 تشرين الأول عام 1954، ذكرت المجلة اليمينة المُتطرفة (هنغاريا الجديدة) új hungária التي تصدر في ميونيخ: "الهدف الرئيسي من العمل الجديد هو تقديم المُساعدة المعنوية والنفسية لحركة المقاومة الجارية في هنغاريا... لتنسيق وتركيز أنشطتها، ولهذا سُميت بعملية التركيز FOCUS".
فيما يتعلق بالاطاحة بالديمقراطية الشعبية، رأت لجنة أوروبا الحُرة أنه "... من المُحتمل أن يحدث ذلك فقط كنتيجة لتقارب ايجابي بين الأحداث في داخل وخارج البلاد. داخلياً، يعني أن تتطور المُعارضة الجماهيرية المُنسقة وتستجمع قواها خلال فترة ما قبل التحرير. أما خارجياً، فيجب على مركز المُعارضة الشعبية في العالم الحُر أن يُوفر المُبادرة والمساعدات الملموسة وجُزئياً، الدعم الايديولوجي للمقاومة المُستمرة. بدون دعم خارجي، سينعزل مركز المُعارضة، وبدون تقبّل داخلي، ستُصبح جهود العالم الحُر بدون أي فائدة. ومع ذلك، نظراً للعلاقة المواتية بين الظروف الداخلية والخارجية، وبانتظار اللحظة المُناسبة التي يجد الاتحاد السوفييتي في سياق الأحداث الدولية أن عدم التدخل هو أقل ايلاماً من التدخل، فان المُعارضة الجماعية المُنسقة تصبح عمل جماهيري مُنسق، بدعم من مركز المُعارضة في الخارج"(15).
عَمِلَت أجهزة ومنظمات الامبريالية العالمية على تفعيل آلة جبّارة لدراسة الوضع الداخلي للبُلدان "المُستهدفة" وفي مُقدمتها هنغاريا، لمعرفة مدى امكانيات القضاء على النظام الاجتماعي الاشتراكي. وبينما تجاهلوا عن عمد النتائج التي تحققت في مسار البناء الاشتراكي، بالغوا في تضخيم المُشكلات التي كانت تتزايد بفعل التطور الحاصل، وكانوا يأملون في أن يتمكنوا من التغلغل في الثغرات الموجودة. وتجدر الاشارة في هذا الصدد الى أن التغلب على العواقب الوخيمة لأحداث نهاية عام 1956 كان راجعاً في المقام الأول الى نتائج البناء الاشتراكي نفسه الذي اختاروا تجاهله.

ب- الوضع الداخلي في هنغاريا
في هنغاريا، تم انشاء أساس متين لسُلطة الشعب بعد سحق الدولة الاقطاعية-الرأسمالية وآليات الدولة ذات الصلة، وتوزيع المُلكيات الكبيرة والمُلكيات المملوكة للكنيسة الى الفلاحين، ومُصادرة رأس المال وتأميم وسائل الانتاج. في أعقاب القضاء على سُلطة الطبقة الحاكمة السابقة، ظهر العُمّال كمصدر وحيد للسلطة. لقد صار العُمّال سادةً للبلاد، واستلم مُمثلوهم زمام شؤن البلاد بأيديهم.
عام 1949، كان 176 من أعضاء البرلمان البالغ عددهم 402 شخصاً من العُمال و115 فلاحاً و71 امرأة. بين عامي 1949 و1953 تم منح ما يقرب من 50 ألف عامل يدوي مناصب عُليا: تم تعيينهم في قيادة المشاريع والمصانع وتقلدوا مناصب قيادية في الوزرات المُختلفة وفي القوات المُسلحة، الخ.
وبلغ نصيب الصناعة من الدخل القومي حوالي 60% بحلول عام 1956. ومُقارنةً بعام 1938 تضاعف انتاج الصناعات الهندسية ثلاثة مرات. كان حوالي 33% من الأراضي الصالحة للزراعة في هنغاريا، وحوالي ثُلث الماشية وجميع الآلات الزراعية مملوكةً للقطاع الاشتراكي بحلول عام 1956.
صارت الكُتُب والمسرح والسينما في متناول الجميع. فُتِحَت أبواب المدارس على مصراعيها للعمال وأطفالهم. كان 55% من الشباب الذين يدرسون في الكُليات والجامعات في العام الدراسي 1956-1957 من خلفية عُمالية وفلاحية.
كما شهدت الشروط الاجتماعية والمعيشية للعمال تغيراتٍ كبيرة. تم انفاق ما يُعادل أكثر من 30% من اجمالي الأُجور والمُرتبّات على التأمين الاجتماعي المجاني سنوياً. غطّى التأمين الاجتماعي 60% من السكان.
أشارت النتائج المذكورة أعلاه الى الاتجاه الذي كانت هنغاريا تتطور فيه، ولكن لم يكن من المُمكن أن تسود هذه الاتجاهات بالكامل بسبب قوى الشد العكسي، الا بعد تجاوز فترة الأزمة. مع ذلك، لم ينقطع التطور حتى في أوائل الخمسينيات. احتوت السياسات التي اتبعها حزب الشعب العامل في توجيه البلاد على عددٍ مُتزايدٍ من الأخطاء التي أثرت على كُل مجال من مجالات المُجتمع. "منذ نهاية 1948، بدأت الزُمرة بقيادة راكوشي Rákosi وجيرو Gerő التي كان لها تأثير حاسم في القيادة المركزية لحزب الشعب العامل الهنغاري وفي حكومة جمهورية هنغاريا الشعبية في اانحراف عن المبادئ الأستاسية للماركسية اللينينية". تم وصف جوهر ما حدث في قرار اللجنة المركزية المؤقتة لحزب العُمّال الاشتراكي الهنغاري في السادس من كانون الأول عام 1956(16). متلفعين بهالة الاقتناع الذاتي بعصمتهم، أعاقت القيادة الدوغمائية تطوير واستخدام الطاقات الابداعية للجماهير في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية. كان اسلوب قيادة يقوم على اصدار الأوامر البيروقراطية التي خيّبت رجاء الشُرفاء من الناس. أدت الأساليب الضارة التي تم تبنّيها الى أعمال غير قانونية خطيرة في كُلٍ من أجهزة الحزب والدولة.
ان أكثرمن عانى من عواقب الأخطاء التي حصلت هم كوادر الحزب النشطة. افترض قرار اللجنة المركزية الصادر في 22 أيار عام 1951 بشأن سياسة عمل "الكادر" أن العدو الطبقي قد تسلل الى الحزب في الهيئات القيادية الى الفروع. كان من الطبيعي، انطلاقاً من هذا الافتراض أن تكون مُلاحقة العدو في صفوف الحزب هو المبدأ الموجه للعمل مع الكوادر، وقد تسبب هذا في أضرار جسيمة"(17).
وكان لتطبيق هذا "المبدأ" نتائج خطيرة للغاية. في النصف الأول من عام 1949، بدأت الاجراءات القانونية ضد لازلو رايك László Rajk ورفاق آخرين على أساس تُهَم باطلة.
أعقب قضية رايك، سيلٌ من الاعتقالات والمُحاكمات بناءاً على تُهَم باطلة. أولاً، قام راكوشي وزُمرته بتشويه العديد من الشيوعيين في قيادة القوات المُسلحة (مثل جورجي بالفي György Pálfi ولازلو سوليام László Sólyom، تَبِعَ ذلك اعتقالات ومُحاكمات لقادة سابقين من الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليساري (مثل ارباد سوكوشيتش Árpád Szakasits وجورجي ماروشان György Marosán) وقادة كانوا نشطين في الحركة الشيوعية السرية قبل عام 1945 (مثل يانوش كادار János Kádár وغولا كالاي Gyula Kállaiورفاق آخرين). تفاقمت مسؤولية زُمرة ماتياس راكوشي بسبب توجيه تُهَم لا أساس لها من الصحة ضد بعض قادة وأعضاء بعض الأحزاب الشقيقة، مما تسبب في الحاق ضرر كبير بقضية الاشتراكية على الصعيد الدولي.
بينما كان الصراع الاداري ضد العدو الطبقي مُستمراً، لم يتم تحطيم قوة وتنظيمات العدو الطبقي الحقيقية. ومع ذلك، في الوقت نفسه، كان هُناك عدد من الاجراءات المُناسبة، مثل الترحيل من المُدُن ومُعاقبة الفلاحين الأغنياء (الكولاك)، الخ.
ولكن تمت مُعاقبة عدد من الناس الذين يرغبون في التكيّف مع السُلطة الجديدة والعديد من الأبرياء. تسبب هذا في خيبة أمل مُتزايدة عند عدة فئات اجتماعية. كما أن الاجراءات غير القانونية التي تعرّض لها العاملون النزيهون في كثيرٍ من الأحيان انتهت بجعل عدد من العناصر المُعادية فعلاً أن ترقى الى مكانة الشُهداء بالنسبة الى الرأي العام الرأي العام بدلاً من فضحهم.
ان حقيقة انه في الفترة ما بين عامي 1951 و 1 أيار عام 1953، أي خلال عامين و4 أشهر، فرضت الشُرطة كمُحاكمات للجرائم الصغيرة 850 ألف عقوبة اتخذت شكل غرامات في الأغلبية الساحقة من القضايا، هو مؤشر على الأبعاد المُفرطة لـ"مُلاحقة" الأعداء واستخدام الاجراءات الادارية.
بين عام 1950 والرُبع الأول من عام 1953، أي خلال 3 سنوات و3 أشهر، نظرت المحاكم في قضايا تشمل 650 ألف شخص وأصدر 377 ألف حُكماً. ومن الأرقام المُميزة أيضاً، أنه خلال 4 سنوات بين عامي 1952 و1955 بناءاً على المعلومات المُقدمة الى المحاكم أو الشرطة- تم التحقيق مع 1136434 شخصاً. ووُجهَت التُهم وصدرت على 45% منهم، اي 516708 شخص. وفُرِضَت نسبة كبيرة من الأحكام على الفلاحين لفشلهم في الامتثال بشكلٍ مُلائم للقواعد المُتعلقة بتسليم المحاصيل الاجباري للدولة. أدت الآثار السلبية الخطيرة الى أزمة ثقة بين العُمّال الملتزمين بالقانون الذين يرغبون في تأمين ظروف المعيشة والعمل.
في المراحل الأولى من البناء الاشتراكي، أُعطِيَت الأولوية-بشكلٍ صحيح- للقضاء على تخلف الصناعة وانهاء الاعتماد المُفرِط للاقتصاد على الزراعة. هَدف الاقتصاد المُخطط مركزياً الى تحويل علاقات المُلكية وضمان نمو اقتصادي سريع. ومع ذلك، تجاهلت القيادة التي هيمنت عليها زُمرة راكوشي وجيرو ثروات هنغاريا الحقيقية حتى في مجال السياسات الاقتصادية ونصب أهدافاً مُنفصلة تماماً عن الواقع. في بلدٍ كانت الأوتاركية غير مُناسبة فيه بالمرة، كانت الأولوية المُعطاة لتطوير الصناعات الثقيلة والآلية، على غرار مُمارسة ومفهوم الاعتماد على الذات الذي كان موجوداً في الدول الاشتراكية الأُخرى، مُفرطاً للغاية عندنا لان هذه الأولية، تجاهلت قضية الموارد الطبيعية المتوفرة والحاجة الى قاعدة في التدريب الخاص والامكانات الكامنة في التعاون الاقتصادي بين الدول الاشتراكية. تحددت هذه السياسات الاقتصادية الى حدٍ كبير بالاعتبارات الدفاعية المُبررة، ولكنها تأثرت ايضاً بشكلٍ مُباشر بمفهوم حتمية حدوث الحرب في المُستقبل القريب. في السنة الأولى من فترة الخُطة الخُمسية الأولى، كانت النفقات على الأغراض العسكرية والمدنية مُتطابقة تماماً.
بالاضافة الى الافتقار الى الخبرات والصعوبات الموضوعية، أعاقت النزعة الارادوية ونفاد الصبر التنفيذ الصحيح للسياسات الاقتصادية. لقد كان هذا أيضاً مصدراً رئيسياً للخطأ الذي وضعه مُديروا الاقتصاد من افتراض أن ازدياد الادخار والاستثمار يؤدي بالضرورة الى نموٍ اقتصاديٍ سريع. تم النظر الى مُعدل النمو كدالة للاستثمار.
وقد تجلّى التطور غير المُتناسب للاقتصاد القومي بشكلٍ واضحٍ في شعار: "نحن مُنخرطون في بناء دولةٍ من الحديد والصُلب". ان التركيز المُفرط للنسبة الحاسمة من الموارد على التعدين والتنجيم جعل من المُستحيل تطوير حتى الصناعة الثقيلة بما يتماشى مع المعايير المُعاصرة المُتقدمة.
انعكست حقيقة وجود ادارة مركزية تسعى الى مزيد من التطور وفي نفس الوقت تتجاهل امكانات ثروات البلاد من خلال سلسلة من التعديلات على الخُطة. تضاعفت أهداف الخُطة الخُمسية الأولى التي بدأت عام ،1950 في المؤتمر الثاني لحزب الشعب العامل الهنغاري في شباط عام 1951. حددت الخُطة المُعدّلة أهدافاً عُليا يجب تحقيقها بحلول عام 1954 بما في ذلك زيادة الانتاج الصناعي بنسبة 200% بدلاً من 86.4% الأصلية. كان من المُقرّر أن يرتفع ناتج الصناعات الثقيلة بنسبة 280% بدلاً من 10%. وكان من المُقرر أن تكون الاستثمارات أعلى بنسبة 70% مما كانت عليه في الخُطة الأصلية. في مجالاتٍ مُعينة من الاقتصاد الوطني، كان من المُتوقّع حدوث تقدّم "سريع للغاية" في فترة الخُطة. على سبيل المثال، كان من المُقرر أن ينمو ناتج التعدين بنسبة 162% بدلاً من 15%. أثناء تنفيذ الخُطة، تم تجاهل جودة وربحية الانتاج تماماً,. لقدر تركّزت جميع التدابير واجراءات التحكم على مُجرد تحقيق أهداف الخُطة.
كان للذاتية في التطوير الاقتصادي، وغياب النِسَب ووجود تناقضات تأثيراً واضحاً وخطيراً على الزراعة. كان من المُستحيل، في ظل هذه الظروف، انجاز برنامج تعزيز التطور الزراعي واضفاء الطابع التعاوني عليها، وهما الهدفان الرئيسيان المُترابطان للسياسة الزراعية الاشتراكية. تجاوز الانتاج الزراعي بشكلٍ مُطرِد متوسط انتاج ما قبل الحرب فقط ابتداءاً من عام 1957.
في الزراعة، لجأت القيادة الى مُمارسة الادراة بالاكراه. زادت التزامات المُزارعين سنةً بعد أُخرى، وفي كثيرٍ من الأحيان خلال نفس العام. أدى نظام التسليم الاجباري للمحاصيل الى الدولة وفرض الضرائب الى جعل الفلاحين غير مُبالين بتطور الانتاج. وصلت اللامُبالاة الفلاحية الى أبعاد أنه بحلول عام 1953، تُرِكَت أكثر من 10% من أراضي هنغاريا القابلة للزراعة، أي ما يَقرُب من 2 مليون فدّان، غير مزروعة. في عام 1952، أدى تطبيق نظام التسليم الاجباري الى وضع لم يكن فيه لدى ثُلثي جميع عائلات الفلاحين ما يكفي من الحُبوب لاستهلاكهم الخاص.
في سياق العمل التعاوني الزراعي، تم انتهاك مبدأ الالتحاق الطوعي بانتظام. نشأ هذا أولاً وقبل كُل شيء من مفهوم أن التحوّل الاشتراكي للزراعة يجب أن يتحقق في غضون 3 أو 4 سنوات. كانت أجهزة الادارة المحلية تتنافس فعلياً لمعرفة من الذي يُمكنه تحقيق المهام والخُطط ذات الصلة. في هذه العملية، تم تقويض المبادئ اللينينية حول الزراعة الاشتراكية في أعيُن الفلاحين.
في أوائل الخمسينيات، هبط مُستوى معيشة العُمال والفلاحين بدلاً من أن يرتفع. كان هُناك انخفاض ليس فقط من حيث الأُجور الاسمية للفرد العامل أو المُوظف ولكن أيضاً الاجور الفعلية على الرغم من ازدياد عدد الناس المُنضمين الى القوى العاملة النشطة. كان مُستوى الأسعار في عام 1953 أعلى بمرتين مما كان عليه في عام 1949، وكانت الأجور الفعلية لكل عائل أقل بنحو 20-22% مما كانت عليه في السنة الأولى من الخُطة الخُمسية الأولى.
تفاقم التأثير المُدمّر لهذه السياسة الخاطئة من خلال حقيقة أن هذه السياسة قد تم اتباعها بالاستشهادات المُتكررة بـ"المثال السوفييتي". عندما كان يجب اتخاذ قرار جديد، كانت القيادة التي يُهيمن عليها راكوسي وجيرو تؤكد بأن هذا القرار قد تم اتخاذه على أساس التجربة السوفييتية. في المُمارسة العملية، كان يبدو هذا وكأنه يعني أن الاتحاد السوفييتي هو المسؤول عن العواقب الضارة للاجراءات غير الصحيحة.
تزامنَ هذا مع الاستهانة بالتقاليد الوطنية التقدمية، والتركيز المُفرِط على تقاليد ديمقراطية مُعينة. تم التقليل من شأن بعض الأحداث العُمّالية البارزة واعتبار ان قادتها هي عناصر مُعادية تسللت الى الحركة. كل هذا أثار سَخَطاً عميقاً وخَلَقَ ظروفاً مُلائمة لاحياء النزعة القومية. سعت قيادة الحزب التي سيطر عليها راكوسي وجيرو باستمرار الى محو ذاكرة الجمهورية العنغارية السوفييتية لعام 1919 من الوعي القومي، وهو موقف كان مُرتبطاً بشكلٍ واضحٍ بدفع الشيوعيين والوطنيين الذين كانوا نشطين في الحركة السرية قبل عام 1945 الى الخلفية وزيادة القمع الموجه ضدهم. في الوقت نفسه، بذريعة شن النضال ضد النزعة القومية، تم نبذ العادات والأشكال القديمة المُرتبطة بالتقاليد الوطنية وانتهاك الحس الوطني عند الناس.
كان الرفيق يانوش كادار مُحقاً ولديه ما يُمكن تبريره عندما قال في خطاب اذاعي ألقاه أيام النضال ضد الثورة المُضادة في 11 تشرين الثاني عام 1956: "لم يكن الاتحاد السوفييتي ولا الشعب السوفييتي بحاجة الى الاجراءات التي انتهك بموجبها راكوشي وشركاه بشكلٍ خطير المشاعر الوطنية لشعبنا من أجل التملق لهم (اي للسوفييت). لقد كان هؤلاء المُتملقون هم من يحتاجون للقيام بذلك في الوقت الذي انفصلوا فيه عن شعوبهم وأرادوا تأكيد أنفسهم من خلال تبنّي اسلوب النسخ واقامة احتكار شخصي للصداقة السوفييتية"(18).
لم تتحدث قيادة الحزب عن هذا الوضع الخطير ولم تُناقشه، مما جعل الوضع أسوأ. تم ادراج الانجازات فقط في الخُطَب. نشأت فجوة واسعة بين الأقوال والأفعال، بين السياسة المُعلنة والواقع.
لكن الحزب، كانت لديه القوة لمحاولة تحديد أخطائه والقضاء عليها. أثار القادة السوفييت قضية العواقب الضارة للأعمال غير القانونية والسياسات الاقتصادية الارادوية، وكذلك انفصال قيادة الحزب عن الجماهير. قامت اللجنة المركزية لحزب الشعب العامل الهنغاري، تحت تأثير المشورة الرفاقية التي أبداها السوفييت بمراجعة سياساته في جلسةٍ عُقِدَت في 27 و28 حُزيران عام 1953.
كانت اللجنة المركزية جادة في تحليلها للوضع الحقيقي وفي الكشف عن الأخطاء. وفي حين لخّص الاجتماع الانجازات ذات الأهمية التاريخية التي أحدث تغييرات جوهرية، أشار الى الأخطاء بصراحة شديدة. وَرَد، بالتفصيل، في القرار الذي أصدرته اللجنة المركزية عواقب "التركيز المُفرِط لقيادة الحزب عىل التصنيع، لا سيما تطوير الصناعة الثقيلة بوتيرة قسرية مع تجاهل الانتاج الزراعي. وفي الوقت نفسه، فان تطوير التعاونيات بمعدلٍ سريعٍ للغاية، ومن أجل تحقيق هذه الغاية، أدى الى استخدام القوة والضغط الاداري في بعض المواقع وكذلك أدى نظام التسليم الاجباري المُعقّد والمُتغيّر باستمرار للدولة الى جلب مشاعر انعدام الثقة عند الفلاحين". أدت هذه الأخطاء الى عواقب وخيمة حيث "كان لها تأثيرات غير مواتية على مستويات معيشة السكان بما في ذلك الطبقة العاملة. كما أنها أضعفت علاقة الحزب بالطبقة العاملة وأدت بشكلٍ عام الى تدهور علاقته بالسكان، ونتج عن ذلك صعوبات جسيمة في الاقتصاد الوطني.
أصدر القرار الذي تبنته اللجنة المركزية حُكماً صارماً على أسباب هذه الأخطاء. وذكرت أن "أحد الأسباب الأساسية للأخطاء الجسيمة في الخط السياسي للحزب والسياسة الاقتصادية والأنشطة العملية يكمن في الوضع الداخلي للحزب أو قيادته وفي الاسلوب غير الصحيح للقيادة، وسياسة الكادر الخاطئة وفي العلاقة غير الصحيحة بين قيادة الحزب والدولة وفي تخلّف العمل الايديويوجي". كما أشار القرار بحزمٍ شديد الى المصادر الرئيسية للأخطاء، وغياب القيادة الجماعية واستبدال الجماعية بالفردية". وفي هذا الصدد تم انتقاد "الرفاق راكوشي وجيرو وفلراكاش وريفاي" شخصياً لتبنيهم مُمارسة "القيادة التكتلاتية".
كان هدف ضمان تقدم بناء الاشتراكية والذي يهدف الى خدمة التطوير المُستمر لمستويات معيشة الجماهير العاملة، في بؤرة القرارات التي اتخذتها اللجنة المركزية. حدد القرار المهام المُتعلقة بتأسيس قيادة جماعية وانفاذها، وتزيز الديمقراطية داخل الحزب وفصل قيادة الحزب عن الدولة(19).
لم يتمكن اجتماع اللجنة المركزية في حُزيرات عام 1953 من الكشف حتى الآن عن الأسباب الاقتصادية وجذور أخطاء السياسة الاقتصادية، لكنه اتخذ قراراً يُفيد بتشكيل مجموعات عمل مُكونة من مُتخصصين لانجاز هذه المهمة في غضون عام. بدأت المجموعات العمل، ولكن لم يتم تحقيق أي نتائج. يُعزى هذا الفشل لأسباب سياسية، لانه بدل الكشف عن الأسباب الكامنة وخلق قاعدة لسياسة جديدة، كانت هناك فترة من التدابير العشوائية. لم تتباطئ هذه الاجراءات فحسب، بل أعاقت أحياناً تنفيذ قرارت حُزيران 1953.
حتى الخُطوة الأولى التي اتُخِذَت نحو تنفيذ سياسة صحيحة تم التعامل معها بشكلٍ خاطئ. لم تُنشَر القرارات باسم اللجنة المركزية. أصبحت تلك القرارت معروفةً لأعضاء الحزب والجمهور بشكلٍ عام عندما قدّمها امري ناجي Imre Nagy بصفته رئيس مجلس الوزراء كبرنامج لحكومته في 4 تموز. وقد أعطى ذلك للرأي العام النشط سياسياً انطباعاً بأنه ليس الحزب بل الحكومة التي يرأسها امري ناجي هي التي حددت المهام ووضعت البرنامج لتغيير الوضع الخطير. عندما دعت القيادة المركزية الى اجتماع وطني للنُشطاء في 11 تمّوز، كان المُتحدث الرئيسي راكوشي. لم يكن هناك أي عُنصر من النقد الذاتي في ذلك الاجتماع، وبدلاً من مُناقشة الأخطاء وكيفية العمل على ازالتها، تم التركيز على الكشف بما وُصِفَ بأنه "تشوهاتٍ جديدة:". أدى هذا الى حدوث ارتباك كبير ومنع هذا الحاضرين من ايجاد الخط السياسي الصحيح.
لم يكن هناك تحسّن كبير في الوضع في السنوات التي تلت ذلك، لانه بدلاً من تنفيذ أهداف سياسية مُناسبة، اندلعت صراعات بين الكُتَل داخل قيادة الحزب مما أدى الى تعطيل وحدة الحزب. كانت الزُمرة التي يتزعمها راكوشي غير قادرة على تجاوز الأخطاء، واستخدمت كُل الوسائل للحفاظ على هيمنتها. في الوقت نفسه، تطورت المجموعة التحريفية التي احتشد أعضاؤها حول امري ناجي وازدادت قوةً منذ منتصف عام 1953. تسببت انتهازيتهم اليمينية في الحاق أضرار جسيمة باعادة التنظيم الاشتراكي في الزراعة (تم حل جُزء كبير من التعاونيات الزراعية) وتم التسبب في مشاكل كبيرة في الانتاج الصناعي. بدأت انتهازية مجموعة ناجي تتغلغل في الأنشطة الثقافية والايديولوجية. كان من سمات لعبة شد الحبل بين الانتهازية اليمينية واليسارية أنه في النصف الثاني من عام 1953 خضعت الخُطة السنوية لـ225 تعديلاً. لم يكن هناك أي تغيير ايجابي على الاطلاق في الوضع طوال عام 1954، ونتيجةً لذلك، قلّ الانتاج الصناعي في هذا العام بنسبة 2.4% عن عام 1953.
وبدلاً من تصحيح الأخطاء، تم ارتكاب أخطاء جديدة أدت، الى جانب المُشكلات الناتجة عنها، الى زيادة خيبة الأمل عند الناس. وازدادت الأمور سوءاً بسبب حقيقة أن الجناحين اليميني واليساري لم ينخرطا في التكتلات الحزبية فحسب، بل كانا مُستعدين لتقديم تنازلات لامبدأية لبعضهم البعض. على سبيل المثال، بسبب الانتهازية التي ظهرت في السياسة الزراعية، تم عزل ايمري ناجي من المكتب السياسي في نهاية عام 1949، ولكن أُعيدت اليه مكانته عام 1951 بسبب دعمه المُطلَق لمُضاعفة نتائج الخُطة الخُمسية الأولى واستعداده لقبول حقيبة الوزير المُكلف بمهمة تنفيذ سياسة التسليم الاجباري للدولة. في عامي 1951-1952، وضع نظام التسليم الاجباري أعباءاً هائلة على قطاع كبير من الفلاحين. ومع ذلك، كتب ايمري ناجي عدة مقالات تدعم ضرورة نظام التسليم. في عام 1953، عندما أصبح رئيساً لمجلس الوزراء، انتحل شخصية بطل الشرعية، لكنه كان على استعداد لقبول جيرو كوزير للداخلية في حكومته، وهو الشخص المسؤول الى حدٍ كبير عن العديد من الأخطاء. في الوقت نفسه، أصبح ميهيلي فاركاش Mihály Farkas، الذي ارتكب جرائم خطيرة في انتهاك الشرعية، أحد أهم الشخصيات التي يعتمد عليها ايمري ناجي موثوقيةً. أُعيد انتخابه سكرتيراً للجنة المركزية للحزب بدعم من ناجي، وأصبح فاركاس أحد أكثر المُمثلين نشاطاً لسياسة "المسار الجديد" التي تم تبنيها في جلسة اللجنة المركزية في 27-28 حُزيران عام 1953.
لقد تسامج أعضاء الكُتلة اليسارية بقيادة راكوشي لفترةٍ طويلة مع الأخطاء الانتهازية التي ارتكبها ايمري ناجي والتي تضمنت وقف بعض التعاونيات الزراعية. وبدلاً من الصراع الايديولوجي القائد على المبادئ، انتهى المؤتمر الثالث لحزب الشعب العامل الهنغاري الذي عُقِدَ في الفترة من 24-30 أيار 1954 بحل وسط انتهازي آخر. لكن حالة التوازن هذه لم تدم طويلاً. قامت المجموعة التحريفية اليمينية في خريف عام 1954 بشن هجوم في اجتماع للجنة المركزية. في مقال بعد الاجتماع، دعا ايمري ناجي الى مُراجعة "كاملة" ليساسة الحزب. وفي المؤتمر الأول للجبهة الشعبية الوطنية 23-24 تشرين الأول علاام 1954 برز كمُتحدث مُتحمس للوحدة القومية بدون مُحتوىً طبقي. تحدّث عن كيف أن قلوب 9 ملايين ونصف هنغاري تتماسك معاً.
كان اعلان برنامج وحدة قومية بدون محتوىً طبقي خلال المراحل الأولى من بناء الاشتراكية، في فترة، كان لا يزال فيها هناك تأثير للطبقات الحاكمة التي تمت الاطاحة بها ويجب القضاء على تأثيرها تماماً، أمراً غير ناضج، وحتى مُضلل تماماً.

جـ- العدو الخارجي يشن الهجوم
أدرك خُبراء اذاعة أوروبا الحُرة هذه الفرصة. في صيف وخريف عام 1954 توصلوا الى استنتاج مفاده أن لديهم فُرصاً أفضل في هنغاريا أكثر من تشيكوسولوفاكيا. انطلقت عملية FOCUS من فكرة وجود ثلاثة اختلافات رئيسية بين الوضعين في تشيكوسلوفاكيا وهنغاريا فيما يتعلق بتنفيذ البرنامج. أولاً، ذهب "المسار الجديد" في هنغاريا أبعد مما هو عليه في تشيكوسلوفاكيا، وكان برنامج اللامركزية في الاقتصاد والادراة المحلية قيد التنفيذ بالفعل. (عندما تولى رئيس الوزراء ايمري ناجي منصبه، اعترف بأن النظام يواجه أزمة حادة...واختار منح تنازلات للشعب"(20)). ثانياً، انتشرت المُعارضة في جميع أنحاء هنغاريا، وكانت أكبر في المناطق الريفية منها في المناطق الصناعية. أخيراً، كشف الحزب الهنغاري وآلته عن علامات توترات داخلية أكبر مما كانت عليه تشيكوسلوفاكيا(21).
كما أدرك الغرب مسألة اضطراب وحدة القيادة. لقد عرفوا أن هنالك انعدام استقرار في الأمور السياسية وكانوا على دراية بالأنشطة المُتزايدة للعناصر المُعادية المحلية. على الرغم من ذلك، فقد أدركوا حقيقة أن التغيرات الأساسية التي حدثت في بُنية المجتمع الهنغاري وتحوله الاشتراكي تمتعت بدعم الجماهير، ولهذا السبب، تم رسم برنامج "مُعارضة" مُعادية بشكلٍ مُباشر ولكن متوارية. لقد اتخذت شكل 12 نُقطة من نقاط حركات "المُقاومة القومية". من حيث المحتوى، كانت النقاط الـ12 مُتطابقة تقريباً مع النقاط العشر التي تم وضعها لتشيكوسلوفاكيا. كان الاختلاف الوحيد بينها هو أن برنامج هنغاريا قد تمت صياغته بمزيد من الدراسة المُعمقة. فهي لم تُطالب باسقاط النظام ولكنها حددت هدفاً يتجاوز "المسار الجديد" الذي أعلنه ناجي. وطالبت، من بين أمورٍ أُخرى، باستعادة الاستقلال الذاتي والمحلي، والكف عن اضطهاد الفلاحين، وانبعاث الزراعة الرأسمالية من جديد، وتحرير نقابات العُمال، والغاء تأميم تجارة التجزئة والتحول من الصناعة الثقيلة الى الصناعة الخفيفة(22). كان هذا هو الأساس الذي تم على قاعدته اطلاق المرحلة الأولى من عملية FOCUS. كان هدفها الأساسي اعداد "التحرير" ايديولوجيا وتنظيمياً.
أطلقت صحيفة اذاعة أوروبا الحُرة يوم الجُمعة 1 تشرين الأول الساعة الخامسة مساءاً من عام 1954 مئات المناطيد باتجاه هنغاريا من مقرها بالقرب من ميونيخ. لقد أتت في موجاتٍ مُتتالية، حيث ألقى كل منطاد ما بين 300-1000 منشور.
تماشياً مع قواعد الحرب النفسية، احتوت المنشورات على كلمة واحدة فقط "لا" أو رقم "12" في البداية. نُشِرَت منشورات لاحقة تُروج لـ"حركة المقاومة القومية" ووصفت الـ12 نقطة بالتفصيل. حملت موجة أُخرى من البالونات جرائد صغيرة الحجم مثل صحيفة "هنغاريا الحُرة" المُكونة من عشر صفحات وبادجات مصنوعة من الألمنيوم.
احتجت حكومة هنغاريا الشعبية في مُذكرة مؤرخة في 15 تشرين الأول عام 1954 الى ادارة الولايات المُتحدة ضد الحملة التخريبية التي اتخذت أبعاداً غير مسبوقة وكشفت عن التدخل الواضح في شؤون هنغاريا الداخلية. ذكرت المُذكرة أن ادارة الولايات المتحدة لم تجعل الأعمال العدائية مُمكنة وحسب، بل قدّمت لها دعماً علنياً. وجاء في المُذكرة أن الهدف المُعلَن لهذه الأعمال هو أن "المنشورات المُصاغة بلهجة التحريض والافتراء ستُثير استياء الشعب الهنغاري".
الرد الذي قدمته ادارة الولايات المتحدة على المُذكرة الهنغارية مؤرخ بتاريخ 17 كانون الأول عام 1954. وقد صيخ الرد الأمريكي بطريقة أوامرية، ولخص الرد برنامجاً من 10 نقاط ينبغي على الحكومة الهنغارية أن تتبناها. كانت روح تلك النقاط مُتطابقة مع الـ12 نقطة.
احتوت المُذكرة الأمريكية على عددٍ من المطالب بما في ذلك ما يلي: يجب تفويض السُلطة الفعلية الى المجالس المحلية، ويجب انفاذ حقوق التعبير وحرية التجمع، ويجب التراجع عن تأميم خدمات الاستهلاك والسماح بممارسة الدين بحرية. تُوّجَ التدخل الصارخ في الشؤون الداخلية لهنغاريا بملاحظة ساخرة مفادها أن المنشورات المعنية تُقدّم مُقترحات عملية بسيطة، يُمكن، اذا تم تبنيها، القضاء على أوجه القصور والأخطاء الفردية.
كان الرد الأمريكي مُثيراً لمُنظمي عملية FOCUS. في 31 كانون الأول نشرت مجلة (هنغاريا الجديدة) تحت عنوان "رسالة تشجيعية" تعليقاً: "تُقدّم ادراة الولايات المتحدة دعياةً ودعماً دولياً لبرنامج يهز أُسس النظام في هنغاريا".
كما شاركت اذاعة أوروبا الحُرة في تنفيذ برنامج العمل ووضعت امكاناتها ومرافقها الفنية تحت تصرف حركة المقاومة القومية. وصارت تبث برامج مُصممة لمناشدة شرائح مُعينة من المُجتمع، وتشرح بالتفصيل ما تعنيه النقاط الـ12 للعمال والفلاحين والنساء والرجال. اهتمت بشكلٍ خاص بموضوعة "احياء روح المقاومة" في صفوف العمال. ولهذه الغاية، تم تضمين برنامج جديد في جدول البث الخاص بها، تحت اسم "مقاومة العمال".
أخذ قادة اذاعة أوروبا الحُرة في الاعتبار أن الطبقة العاملة هي القوة السياسية الأكثر أهميةً في الاشتراكية. هذا هو السبب في أنهم ناشدوا عناصر البرجوازية الصغيرة التي اندمج جُزء منها بالطبقة العاملة لبدء "اختراق الستار الحديدي من الداخل". تم تكثيف لهجة التهديد تجاه المسؤولين من أجل زيادة التوتر والاضطراب حولهم. قِيل لهم بأن "فُرَص عيشهم حتى سن الشيخوخة ليست كبيرة" اذا أرادوا أن يُغفَرَ لهم، فان عليهم السير "على الجسر الذهبي المؤدي الى الشعب" ودعم المُقاومة القومية. من ناحيةٍ أُخرى، قامت اذاعة أوروبا الحُرة بالتودد الى الشباب، ووصفتهم بأنهم شُجعان وأبطال ودعتهم الى "تعلّم كيفية التعامل مع الأسلحة النارية وقيادة الفصائل المُسلحة لان بلدهم قد يحتاج، في يومٍ من الأيام، الى هذه المهارات"(23). لم يتم تشجيع العناص المُعادية فحسب، بل أُعطِيَت لهم نصائح عَمَلية حول كيفية جعل المقاومة القومية حقيقةً واقعة.
في اطار عملية FOCUS، نشطت اذاعة أوروبا الحُرة وحركة المقاومة القومية خلال التحضير لانتخابات المجالس المحلية التي جرت في 28 تشرين الثاني عام 1954. تم تشجيع أنصارهم على التسلل الى المجالس المجلية والاستفادة من الفُرَص التي تُتيحها الادارة المحلية واللامركزية. خلال الحملة الانتخابية، تكثفت أنشطة الرجعية الداخلية. ووردت أنباء عن وجود نقوش وكتابات على جُدران المباني العامة وعربات السكك الحديدية وتوزيع منشورات مكتوبة بخط اليد بنصوص مشابهة في مُحتواها لـ12 نقطة. في اجتماعات الترشيح، خاصةً في المُقاطعات، هاجم عدد مُتزايد من الناس نظام المجالس المحلية. بالاضافة الى التعبير عن النقد المُبرر (على سبيل المثال الآراء النقدية حول تشغيل نظام التسليم الاجباري)، الا أنه تم كذلك، الهجوم على "سُلطة الفقراء"، و"انطلقت الأصوات المُعادية للتعاونيات الزراعية"(24).
بعد الانتخابات المحلية، تم توجيه منشورات مُنفصلة وبرامج اذاعية الى الأعضاء غير الشيوعيين في المجالس تُخبرهم بما يتوقعه "الشعب الهنغاري منهم". لقد سعوا الى اثارة الصراع بين أعضاء المجالس الشيوعيين وغير الحزبيين. في صيف عام 1955، تركّز الهجوم على التكتليين، وعلى راكوشي شخصياً. تم القاء مئات آلاف المنشورات على الأراضي الهنغارية بعبارة: "هل سيختفي راكوسي في النهاية؟".
كما شاركت مُنظمات المُهاجرين الرجعية في تنفيذ عملية FOCUS. ألقى قادتهم مُحاضرات لمخاطبة مؤيديهم واخبارهم أن الوقت قد حان وأنه ينبغي عليهم اتخاذ استعداداتهم الخاصة للاطاحة بسلطة العُمال في هنغاريا. بدأت(الرابطة الأخوية للمقاتلين الهنغاريين) MHBK باتخاذ اجراءات مُعينة. عقد قائدها، الجنرال زاكو، اجتماعاً في كولونيا في 1 آذار عام 1955. قرّر المشاركون تنفيذ أعمالٍ تحت اسم "الاخلاء" Evacuation بهدف جمع المُهاجرين الهغاريين الذين يعيشون في بلجيكا وهولندا وفرنسا واسبانيا والذين يُمكن حشدهم من أجل بدء الصراع الفعلي. تم تلخيص الهدف من هذه الخطوة في التعليمات التنظيمية. ان مهمة الاستعدادات التي ستتم تحت اسم "الاخلاء" هو حشد أعضاء مناسبين من (الرابطة الأخوية) وغيرهم من الهنغاريين ذوي التطلعات القومية المُستعدين للمشاركة في مُنظمة واحدة للكفاح المُسلح من أجل "تحرير" البلاد (على أساس الانضباط العسكري الطوعي).
المُهمة الأخرى لهم هي تنشيط زملائهم السابقين الذين بقوا في هنغاريا، وتشجيعهم على الانتظام ومنحهم المُساعدة. تم ارسال سُعاة مُدربين في دورات تجسس في الولايات المتحدة الى هنغاريا، لاقامة اتصال مع زملاء سابقين بمساعدة دبلوماسيين غربيين مُعتمدين لدى هنغاريا.
في مرحلة لاحقة تم تسهيل أنشطتهم التحريبية عندما تمت ازالة الحواجز التي كانت تفصل الحدود النمساوية-الهنغارية. في الرُبع الأول من عام 1956 انتُهِكَت حدود هنغاريا 191 مرة من قِبَل هؤلاء العُملاء. ارتفع العدد الى 320 مرة في الربع الثاني. كان هناك ما يصل الى 438 انتهاكاً للحدود في آب عام 1956.
وكانت مسؤولية الولايات المتحدة بالطبع أوضح من خلال مذكرة الادارة الأمريكية الى حكومة هنغاريا في تاريخ 3 شباط عام 1956 بشأن قضية الجواسيس الأمريكيين الموقوفين الذين يحملون الجنسية الهنغارية. كانت المُذكرة مكتوبة بعبارات تهديدية بشكل استثنائي وأعربت عن دعمها لهذا التجسس والتخريب. أعلنت الادارة الأمريكية بشكلٍ قاطع أنه في حالة عدم قيام الحكومة الهنغارية بالافراج عن الجواسيس المُدانين سيتم اتخاذ الاجراءات التالية: أولاً، لا يُمكن بدء مُفاوضات تهدف الى تسوية المشاكل الاقتصادية العالقة بين البلدين. ثانياً، لن تكون جوازات السفر الأمريكية صالحةً للسفر الى هنغاريا. ثالثاً، فرض قيود جديدة على تحركات البعثة الدبلوماسية الهنغارية في واشنطن. بطبيعة الحال، رفضت وزارة الخارجية الهنغارية هذه المُذكرة.

د- اعادة تنشيط العدو الداخلي
انه تأكيدٌ مُحبب لأعداء سُلطة الشعب أن الأحداث في خريف عام 1956 "قادت بشكلٍ عفوي الى ثورة" ولم تُشارك أي قوى كبيرة مُنظمة في التحضير للأحداث. قيل أن الدور الذي لعبه النشاط التنظيمي السري كان صفراً، او غير مُهم. في الحقيقة، من سمات تكثيف النشاط المُعادي في هنغاريا أن السُلطات المُختصة أجرت تحقيقاً ضد 53 من عملاء الاستخبارات في عام 1953، و162 في عام 1955، وتم في عامي 1955 و1956 اكتشاف 15 مُنظمة مُعادية كُبرى و30 مُنظمة مُعادية صغيرة وتم التعامل معها من قِبَل أجهزة أمن الدولة الهنغارية وتم القبض على 40 جاسوساً في النص الأول من عام 1956.
]ثمكن استكمال البيانات المذكورة أعلاه ببياناتٍ أُخرى: خلال السنوات الثلاث التي تلت ثورة 1956 المُضادة تم اكتشاف 26 مُنظمة مُعادية. وقد شارك العديد من أعضائها في أنشطة تخريبية سرية لمدة 8-10 سنوات وقبل ذلك كانوا أطرافاً في أنشطة تنظيمية أُخرى. وتجدر الاشارة أيضاً الى أن 10 من أصل 20 مُنظمة سرية انتهت انشطتها في عامي 1960-1961 كانت موجودةً ونشطة قبل عام 1956. وأخيراً، تُوفر مُقارنة البيانات حول المُنظمات السرية المكشوفة دليلاً على أن حوالي 250 مُنظمة صغيرة أو كبيرة شاركت في التحضير للثورة المُسلحة المُضادة وتفجيرها.
كان الأساس الاجتماعي المحلي للتدخل الامبريالي يتكون من طبقات المُستغلّين الذين حُرِموا من سُلطتهم ومُلكيتهم (الرأسماليين، مُلّاك الأراضي والكولاك) والفئات الاجتماعية التي خدمت الطبقات سالفة الذكر (ضُباط الجيش والشرطة والدَرَك من النظام السابق وجماعات أُخرى من نظام هورثي القمعي) وعناصر فاشية أُخرى راسخة. لقد كَرِهَ كل هؤلا سُلطة الشعب، ومُعظمهم لم يكونوا فقط مُتحمسين للغاية للاستفادة من أي فرصة مواتية للانقضاض على سُلطة العُمال، بل استغلوا كذلك كل فرصة للتحضير والتنظيم لانتفاضة مُسلحة، لمحاولة استعادة السُلطة السياسية.
أظهرت دراسة الخبرات المُكتسبة في مكافحة الحركات السرية المُعادية أنها تشترك في ثلاث خصائص عامة. بدأوا في عامي 1949 و1950، في أعقاب فُقدانهم للسلطة مُباشرةً، بتنظيم أنشطةٍ سرية بهدف استعادة السُلطة. انبثقت مبادئهم التكتيكية والاستراتيجية من المُنظمات الامبريالية الدولية. تطوّر تقسيم عمل مُحدد بين المُنظمات. لقد تبنوا أساليب وتكتيكات مُختلفة وعملوا في بيئاتٍ مُختلفة من أجل تحقيق أهداف مُتطابقة جوهرياً.
من بين أنشطة المُنظمات المحلية كان أهم نشاط، هو نشاط التخريب العسكري. على سبيل المثال: كان رجال الشرطة والدَرَك من نظام هورثي الفاشي هم أساس هذه المُنظمات. لكن تضمنت أوساطهم أيضاً موظفين عموميين والكولاك في النظام الهورثي. كانت المُنظمات الأكثر أهميةً هي التالية: (السيف والصليب) Kardis Kereszt، (الحَرَس الأبيض) Fehér Gárda، (شُعبة بوتوند) botond hadosztály، (مُنظمة الكاديت) Hadapródok Szervezete التي تم تأسيسها جميعها تحت تأثير (الرابطة الأخوية للمقاتلين الهنغاريين). عَمِلَت مُنظمات أُخرى مثل (الأنصار البيض) Fehér partizánok و(عهد الدم) Vérszérzódés و(حركة المُقاومة الهنغارية) ellenállási mozgalom و(حركة المقاومة القومية) Nemzeti ellenállási mozgalom كمُنظمات "مُستقلة". لقد نَشِطَت على أساس التعليمات السياسية والعسكرية العامة التي بثتها اذاعة أوروبا الحُرة ونقل ضُبّات الاتصال أهم التعليمات. دعونا نأخذ بعض الأمثلة لتوضيح مبادئها العملياتية.
أسس جوزيف فيالا József Fiala مجموعة (الأنصار البيض) عام 1950، وهو مُحقق سياسي عَمِلَ لدى نظام هورثي ورفاقه في شبكة تمتد على جزءٍ كبيرٍ من هنغاريا. كان بعض أعضاءها يحملون أسلحة، ولديهم مجموعات مؤلفة من خُبراء في الادراة المحلية، ومجموعة من النساء وما الى ذلك. كانت خُططهم تستند الى حربٍ مُستقبلية وتوقع وصول القوات المُسلحة الأمريكية الى هنغاريا. تضمنت أنشطتهم، التي تم التخطيط لها فيما يتعلق بـ"غزو هنغاريا"، اختيار المطارات وغيرها من المناطق المُناسبة لهبوط طائرات النقل والمظليين الأمريكيين والبريطانيين. تم اعداد وثائقهم الشخصية وشعارات السواعد باللغة الانجليزية استعداداً لهذه المناسبة. تم الكشف عن مُعظم الأعضاء عندما تم تفكيك التنظيم في تشرين الأول عام 1954، لكن أعاد أولئك الذين فرّوا، تنظيم أنفسهم اعتباراً من منصف عام 1955 حيث اعتمدوا على المبادئ الأساسية لـ"سياسة التحرير".(25).
كان (تنظيم الكاديت) نشطاً بين عامي 1949 وكانون الأول 1955. "بصفتي طالباً في مدرسة كاديت سابقة، اعتبرت انه من واجبي في الوضع الدولي آنذاك انشاء مُنظمة مُعادية للدولة". هذا ما صرح به جينو سوليانسكي Jenő Sulyanszky، زعيم المُنظمة في اعترافه للمحكمة. كان تنظيم الكاديت قد وضع خُطتين: الخُطة الأولى لنشوب حربٍ جديدة، والأُخرى للوضع بعد خروج القوات السوفييتية من هنغاريا. كان أعضاؤها قد خططوا لاحتلال مبنى الاذاعة الهنغارية، والاستيلاء على مخازن السلاح والافراج عن السُجناء السياسيين. وضمت المُنظمة وحدة استخبارات ومسؤولين عن التنسيب واقتناء السيارات وصُنتع الوثائق المُزورة. في عام 1955، أقام التنظيم تمريناً يهدف الى تعزيز الروح القتالية لدى أعضاءه. احتوت خُطة التمرين التي تم اعدادها مُسبقاً على تفاصيل حول الطريقة التي سيتم بها احتلال المباني العامة.
كما انخرط تنظيم الكاديت في أنشطة التجسس. قام جورجي ديشني György Desaknay، ضابط الاتصال في اذاعة أوروبا الحُرة بتقديم المعلومات التي حصل عليها الكاديتيون، وشجّع الأعضاء على وضع خُطط مُحتملة لحدوث اضطرابات في هنغاريا. رداً على ذلك، وضع سوليانسكي وأتباعه ما وصفوه بأنها خُطة سيغيد "Szeged". كان جوهرها هو تنظيم عصيان في جنوب مدينة سيغيد واطلاق التحركات المُضادة للثورة في أماكن أُخرى في هنغاريا. كان عليهم الهرب من هنغاريا والذهاب الى يوغسلافيا في حال فشلوا في الخُطة(26).
كانت (شُعبة بوتوند) مُكونة من ثلاث مُنظمات مُستقلة بقيادة كارولي غاياري Károly Gajári ولايوش بونيش Lajos Bónisوأوتمار فادي Ottmar Faddi. نسّق هؤلاء القادة الثلاث أفكارهم وأنشطة تنظيماتهم ووضعوا خُططاً لانشاء "حَرَس مدني" مؤقت بعد استلامهم السُلطة ومحكمة خاصة لمُحاكمة كبار المسؤولين في هنغاريا ومُقاضاة التقدميين. تم ارسال نسخة من برنامجهم الى (اللجنة القومية الهنغارية) العاملة في أوروبا الغربية.
أسس ستيفان سالاتشاني István Szelepcsényi، الذي حُكِمَ عليه مع 11 آخرين في نيسان عام 1950 بتُهمة ارتكاب أنشطة تنظيمية غير مشروعة، أسس مُنظمة بينما كان يقضي عقوبة السجن وهي (حركة المُقاومة الهنغارية). قامت بتدريب أعضاءها على تنظيم مجموعات سرية كُلٌ في منطقته بعد اطلاق سراحهم من السجن. نظّم أحد شركاؤه مجموعةً في باراتويوفالو Berettyóújfalu جنوب شرق هنغاريا. استمرت المجموعة في مُمارسة الأنشطة السرية بشكلٍ مُستمر لمدة عشر سنوات وظهرت في المكان المُناسب في اللحظة التي اندلع فيها القتال المُسلّح(27). على سبيل المثال، كان سالاتشاني يُقاتل في مجموعة مُعادية للثورة نَشِطة في بودابست في منطقة ماروشوتكا، وأصبح أحد قادة "الحَرَس القومي" في بلدة ناكوفاتش على بُعد حوالي 11 كيلومتراً الى الغرب من بودابست.
ان انشاء فرع بودابست والتنظيم المحلي في مُقاطعة بيكيش békés لما يُسمى (حركة المُقاومة القومية) هو مؤشرٌ على التأثير الذي تُمارسه عملية FOCUS لاذاعة أوروبا الحُرة. طوّر الفرع في العاصمة الهنغارية طريقة تسليع أعضائه ووضع "قائمة سوداء" بالأشخاص الذين سيتم اغتيالهم. فيما تمكّن فرع (المُقاومة القومية) في قرية بيكيش من السيطرة على تنظيم الدفاع المدني المحلي وبالتالي تدريب أعضائه على التعامل مع السلاح واجراء تدريبات الرماية.
كما بدأ ستيفان دوما István doma وأتباعه في تدريب أنفسهم على أساليب الصراع من أجل الاطاحة بالدولة الديمقراطية الشعبية. تخصص تخطيطهم في احتلال مكاتب البريد ومبنى الاذاعة الهنغارية. خططت مجموعتهم العاملة في مقسم الهاتف الدولي في مُقاطعة جوزيف، تحت عنوان خُطة (1(Zugló ، للسيطرة على خطوط الهاتف الدولية، ووسعوا تنظيمهم ليشمل المُقاطعات كذلك(28). من الواضح تماماً من هذه القائمة غير الكاملة من الأمثلة، أن العناصر المُعادية كانت مُصممة وتستعد للاطاحة بسُلطة العمال بالسلاح.
كان المجال الرئيسي الآخر للأنشطة غير القانونية المُضادة للثورة هو التجمعات والأنشطة التنظيمية ذات الطبيعة السياسية. أسس السياسيون البرجوازيون السابقون وأعضاء الأحزاب المسيحية والقوى البرجوازية الصغيرة مجموعاتهم في أُطرٍ فضفاضة استعداداً لتولّي السلطة. عَمِلَ بعضها ضمن أشكال تنظيمية مُنتظمة نسبياً، بينما دعا البعض الآخر أعضاؤها من حينٍ الى آخر فقط لمُناقشة الوضع أو لوضع برامج، كانت، كقاعدٍ عامة، معنية بالحفاظ على فكرة التعددية الحزبية والحياد الذي كان يُشار اليه غالباً باسم "الطريق الثالث". كانت مُعظم هذه المجموعات مُتفقة مع أنشطة المجموعة التي قادها ايمري ناجي.
كان الزعماء اليمينيون في حزب أصحاب الحيازات لصغيرة السابق، على اتصال مع بعضهم البعض بانتظام. لقد عقدوا جسات نقاشية وتبنوا أفكار البرجوازية الصغيرة حول الحياد. كما سعوا لاقامة علاقات مع ايمري ناجي. قامت احدى المجموعات من حزب أصحاب الحيازات الصغيرة برئاسة الدكتور جورجي لابكوفيتش Gyorgy Lupkovics بوضع برنامج مُنفصل تحت عنوان (آراء الناس غيرالحزبيين).
كما وجد قادة (حزب الفلاحين) السابق اليمينيين طُرُقاً ووسائل للحفاظ على علاقاتهم ونشر وجهات نظرهم. كما حدث انتعاش في أنشطة القادة اليمينيين السابقين للحزب الاشتراكي الديمقراطي. كانت احدى مجموعاتهم مشغولةً بالأنشطة التنظيمية وأسس أعضاؤها ما أطلقوا عليه (جمعية سبارتاكوس للديمقراطيين الاجتماعيين الأحرار)، وأرسلت برنامجها المُكوّن من 13 نُقطة الى مُحرري (الجريدة الأدبية).Irodalmi Újság
كما قامت العناصر النشطة في حزب الشعب الديمقراطي السابق بتشجيع فكرة الدولة "الديمقراطية البرجوازية". قامت عدة مجموعات أصغر بالاستعدادات لاتاحة الفُرصة لتأسيس أحزاب سياسية في حالة نجاح عصيان مُسلّح. احدى هذه المجموعات بقيادة غولا أولاس Gyula Olasz بالتحضيرات لتأسيس (الحزب الديمقراطي المسيحي) Keresztény demokrata part اعتباراً من عام 1953 وتم وضع برنامج الحزب ونظامه الداخلي مُسبقاً.
كان لبعض التنظيمات المُسلّحة مجموعات خاصة مُكلفة بمُهمة تنظيم الأحزاب. على سبيل المثال قرّر (الأنصار البيض) تأسيس حزب تحت اسم (حزب الحُب) Szeretet part في حالة انتصار العصيان.
جمع الايديولوجي المَدعو ستيفان بينتيك Istvin Pentek شركاؤه الفاشيين. أُطلِقَ سراحه من السجن عام 1954 وشارك، منذ ذلك الحين في الأنشطة التنظيمية بين السجناء السياسيين السابقين. هذا ما قاله أحد شُركاؤوه آرون تشوري Áron csóri في شهادته. كان الهدف السياسي للمُنظمة هو تنفيذ ما يُسمى بـ"الشيوعية الوطنية" واتحاد كونفدرالي في وادي الدانوب في مُحاولة لفصل "هنغاريا عن موسكو". كما التفّت هذه المُنظمة حول المجموعة التي يقودها ايمري ناجي(29).
ربما كان (الحزب المسيحي) الذي تأسس عام 1950 أخطر التنظيمات غير الشرعية. تمت مُحاكمة قادة الحزب بين عامي 1957 و1961 وكان مُبرراً اقرار الحُكم بالصياغة التالية: "فيما يتعلّق بأهدافه، لم يكشف هذا التنظيم عن أي اختلافات جوهرية مُقارنةً بالتنظيمات السرية الأُخرى الموجهة ضد الدولة، لكن كانت دعايته مُختلفة عن دعاية المجموعات الأُخرى. كان هذا الحزب، بذريعة مُمارسة الدين، يُريد تأليب المؤمنين من خلال مُعتقداتهم الدينية ضد دولتنا الديمقراطية الشعبية، وكسبهم الى جانب الحزب، واقناعهم بالمشاركة في الأنشطة التنظيمية غير القانونية"(30).
اعتبر الحزب المسيحي تنظيم الشباب مهمته الرئيسية. أدارت قيادة الحزب حركة غير شرعية للكنيسة. دشّن التنظيم أعماله بين عامي 1949 و1951 بمبادرة من بعض الكهنة والرُهبان الذين كانوا نشطين عملياً دون توقف حاتى عام 1959 أو 1960. من بين العديد من تنظيمات الشباب، تجب الاشارة الى (المَجمَع المَريَمي) Maria Congregatio الذي كان يتألف من راهبات سابقات في النظام السيستري الكُنسي، وكذلك الذراع الشبابي للحزب المسيحي الذي تأسس عام 1950، و(مُجتمع (Regnum Marianum وهي مجموعة كاثوليكية أُعيد تأسيسها عام 1951. قادها رُهان سابقون ذوو خبرة حركة شباب الكنيسة التي احتضنت تنظيمات تحمل أسماء مُختلفة تماماً ولكن مُتطابقة من حيث رؤاها، وغطّت أنشطتهم جميع أنحاء هنغاريا.
كان لـ(الجبهة المسيحية) Keresztény Front، التي نسقت المُمنظمات العاملة تحت ظل الكنيسة، حوالي 800 ناشط تم توزيعهم الى 12 مجموعة، لكل مجموعة أفرعها الخاصة. اعترف زعيم الجبهة جيزا هافاشي Géza havasi: كان هدف تنظيمنا قبل عام 1956 هو تدريب نُخبة من الشباب الذين، في حالة حدوث تغيير في النظام، سيكونون قادرين على لعب دور قيادي في المُجتمع المسيحي، وأن يكون لدينا قادة مُتسعدين لاستلام الحُكُم اذا سنحت فُرصة مواتية بعد الاطاحة بدكتاتورية البروليتاريا.
تم تنفيذ عمليات (المَجمَع المَريَمي) بواسطة مجلس غير شرعي مُكون من 4 أعضاء بتراتبٍ ديني. لقد كانو، في نفس الوقت، فادة أربع مناطق رئيسية: بودابست وزيكاشفاهيرفار Székesfehérvár وغيور Győr و ايغير Eger.
تألفت المجموعة الكاثوليكية (مُجتمع (Regnum Marianum من 19 مجموعة رئيسية. غطّت جميع أتحاء هنغاريا، وتم تدريب مُجنديها في دورات قيادية. على سبيل المثال، قام هذا المُجتمع بارسال حوالي 50-60 طالب من الصف الأخير من المدرسة الثانوية لحضور دورة من 6 أشهر عام 1949، وقاموا بتنظيم دورات تدريبية لقادة المُستقبل.
قامت حركة الشباب في الكنيسة بتنظيم وتعليم الشباب الذيت تراوحت أعمارهم بين 8-10 و24-25. كان أعضاؤها نشطين بشكلٍ خاص في صفوف المدارس الثانوية وتلك الخاصة بمؤسسات التعليم العالي. تم تكليف أعضاء المجموعة بمهمة نشر آرائهم في سياق المُناقشات مع زملائهم في المدرسة والتصرف بما يليق بأشخاص ينتمون الى النُخبة. كان ما مجموعه 6000-8000 شاب وشابة تحت التوجيه المُباشر للحركة.
اعترف أحد قادة Regnum Marianum لازلو ايمودي László Emődy أمام المحكمة: "كقاعدة، جلبنا الى مجموعتنا أشخاصاً نعرف أنهم مُعارضون للنظام أو أظهروا موقفاً خاملاً تجاه القضايا العامة".
اعترف المُدّعى عليه كولي Kőlley: "كان الهدف هو حشد الشباب من الطبقة الوسطى، لتشكيل نُخبة من أجل أن تكون جاهزة في حالة حدوث تغيير نهائي في النظام".
كان الهدف الأساسي لـRegnum Marianum هو "توعية الناس، بالاضافة الى تقديم تعليمات دينية لهم، بحقيقة أن ان النظام الشعبي الديمقراطي ذا طبيعة مؤقتة". وضع ايمودي قواعد المُنظمة عام 1954 وفقاً لذلك.
لم يُنظم الأشخاص والتنظيمات المذكورة أعلاه مجموعاتٍ للعصيان المُسلّح. كانوا يتوقعون أن تقوم تنظيماتٌ أُخرى بتنظيم هذا الجانب.. لكنهم لم ينفوا أن " التعليم السياسي لمجموعات الشباب كان موجهاً قبل عام 1956 لجعلم يقاومون النظام... بروح الجبهة المسيحية ومن أجل اقامة نظام اجتماعي مسيحي".
ألقوا مُحاضرات ونشروا كُتيبات في مُحاولة لنشر أفكارهم. في كُتيّب بعنوان "نداء من أجل البشر" Kiáltás ferfiak után، أعد المؤلفون الشباب للقتال والشروع بأنشطة تخريبية: "... سيأتي الوقت الذي تحصل فيه على أوامر من الله في السماء: يجب أن تُدمّر وتُخرّب!...ثورة غير دموية...". أطلقت مجلتهم الدورية غير القانونية المُسماة (بذرة الخردل) mustármag حملةً صليبيةً ضد الاتحاد السوفييتي. "نحن الأمة المُثقفة الوحيدة في حوض الكاربات Carpathian Basin التي تحترم مريم العذراء. نحن نقف على بوابة الشرق ويجب أن ينطلق انهيار روسيا البلشفية أيضاً من بلدنا".
قامت التنظيمات نفسها بطباعة بعض الكُتيبات، وتم استلام بعضها الآخر من التنظيمات الخارجية. أنتج اندريه فولدي، ايديولوجي الجبهة المسيحية، حوالي 60 نوعاً من الكُتيبات والمنشورات بين عامي 1952-1960 في أكثر من 600 نسخة وأُنفِقَ نحو 30 ألف فورينت (العملة الهنغارية) لنشرها.
حصلت التنظيمات التي يقودها رُهبان سابقون على مساعدة مالية كبيرة من خلال علاقاتهم. تلقّت (الجبهة المسيحية) 130 ألف فورينت، وحصلت Maria Congregatio على 75 ألف فورينت عام 1951، و75 ألفاً عام 1954 و30 ألفاً عام 1955 و90 ألفاً في تشرين الثاني عام 1956. وعندما تم الكشف عنها كانت Maria Congregatio تمتلك 258320 فورينت و24 فرنكاً ذهبياً و67 آلة طابعة و12 جهاز تسجيل، وأدوات وأجهزة قص وطباعة.
السؤال الذي يطرح نفسه هو ما اذا كان هناك مركز في هنغاريا قام بتنسيق عمل التنظيمات غير القانونية المُعادية للنظام المتنوعة للغاية. وتُشير الأدلة الى أن مثل هذا المركز لم يعمل داخل البلاد. لعبت لجنة راديو أوروبا الحُرة والمؤسسات التابعة لها دور "مركز المُقاومة". تم توجيه المقاومة الرجعية الداخلية من خارج هنغاريا بمساعدة الجواسيس والدبلوماسيين والوكلاء والسُعاة ومن خلال البرامج والرسائل التي بثتها أوروبا الحُرة. كان لثُلثي التنظيمات التي تم الكشف عنها ارتباطات خارجية مُباشرة.
ومع ذلك، على الرغم من موارد وقُوى العدو الداخلي التي أدرجنا جُزءاً منها في ما سبق، فقد توقفت عملية FOCUS عام 1955 وانتهت مرحلتها الأولى.
في أيلول عام 1955، اكتسب تنظيم (الصليب من أجل الحُرية)، وهي مُنظمة تم التأكيد دائماً على استقلالها، زعيماً جديداً في شخص و. ويليام، وزير التجارة الأمريكي. كان تعيينه يعني ظهور مسؤول رفيع المُستوى في ادارة الولايات المتحدة علانيةً على رأس (الحملة الصليبية). تم الترحيب بالقائد الجديد في رسالة من الرئيس ايزنهاور أكد فيها أن موقف ادارته لا يزال يتمثل في "تحرير الشعوب المُستَعبدة"، وأنها ستُقدم كُل مُساعدة للتنظيم الذي "أنشأ روح المُقاومة في البلدان ما وراء الستار الحديدي".

(يَتبَع)

13- Der- Spiegel, January 29, 1968
14- A. A. Mickie: Voices Through the Iron Curtain: The Radio Free Europe Story, New York 1963, pp. 140-141
15- R. T. Holt: op. cit., p. 157
16- Resolutions and Documents of the HSWP, 1956—1962, Kossuth Konyvkiado, Budapest 1964, p. 13
17- Ibid, 515
18- Nepszabadsag, November 12, 1956
19- The passages quoted on pp. 39-40 are from the Archives of the Institute of Party History (in the following: PI Archives) 1/6.
20- See R. T. Holt: op. cit., p. 162
21- See R. T. Holt: op. cit., p. 155
22- See R. T. Holt: op. cit., p. 158
23- T. Holt and R. W. van de Velde: Strategic Psychological Operations and American Foreign Policy. The University of Chicago Press 1960, pp. 210-211, 220-225
24- Pl Archives, pp. 216-384, 840, 842 and 845.
25- Budapest Court of Justice. B. I. 005 021/1955
26- Budapest Court of Justice. B. I. 006039/1956/11
27- Budapest Military Tribunal. B. II. Kt. 047/1959
28- Budapest Military Tribunal. B. II. Kt. 047/1959
29- Budapest Court of Justice. T. B. 9006/1959
30- Budapest Court of Justice. T. B. XVI. 9220 9228 9264/1961

ترجمة
Counter-Revolution in Hungary 1956: Words and Weapons, János Berecz, Second Edition, Akademiai Kiado, Budapest 1986








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حفل منظمة بريطانيا للحزب الشيوعي العراقي لذكرى تأسيس الحزب 8


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا


.. إيرلندا الشمالية: تجدد الصدامات بين متظاهرين والشرطة في بلفا




.. لقاءات الاشتراكي: 9: آدم هنية


.. موسى شيخو: لا تمويل دولي لسد النهضة إنما محلي من جيوب الفقرا