الحوار المتمدن - موبايل


نهج التعليم الناجح عند الأطفال

مصعب قاسم عزاوي
طبيب و كاتب

(Mousab Kassem Azzawi)

2020 / 12 / 3
حقوق الاطفال والشبيبة


ملخص من إعداد فريق دار الأكاديمية لمحاضرة قدمها مصعب قاسم عزاوي في منتدى دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

إن تأملاً متبصراً في الطموح الأخلاقي و الإنساني بمستقبل أكثر إشراقاً لجميع أطفال المعمورة يعتبر حافزاً موضوعياً وجوهرياً لأن نتوقف قليلاً لتفحص البنية المحورية في طرائق تعليم الأطفال السائدة بحثاً عن أكثرها ملائمة وأقدرها على تقديم المعارف العلمية الملائمة لسوية عمر الطفل وقدراته، بالإضافة إلى الشرط الضروري الذي بدونه تفقد العملية التعليمية جوهرها البناء، وأعني هنا الصحة النفسية المتكاملة للطفل التي تتجلى بكونه سعيداً ومتفائلاً ومحباً وقادراً على الإبداع ضمن شرط التفاعل الفاعل مع المجتمع ليأخذ دوره البناء فيه مستقبلاً، دون إرغام الطفل على الارتكان إلى نمط عقلي و سلوكي يقبل بالواقع خانعاً للشروط السلبية الموجودة فيه غير قادر على الإبداع والتغيير من أجل خير نفسه وخير مجتمعه.

ويرتبط سلوك التعلم عند الطفل عموماً بمحورين أساسيين متكاملين، الأول هو التعلم بوصفه اكتساباً لسلوك معين ومنهجية معينة لكيفية التعامل مع المادة المعرفية التي يجب تعلمها، وحقيقة يمثل هذا الموضوع جزءاً جوهرياً من نجاح الطفل في حياته العلمية مستقبلاً إذا امتلك منهجية ملائمة لتلقي ومعاملة المعلومات، ويعتبر هذا أيضاً مفتاح التفوق الدراسي والشخصي اللاحق له. والثاني هو نهج ترسيخ المعلومة أو مجموعة المعلومات التي تم تعلمها من خلال إدماجها بالمعارف الأخرى وتنسيقها بحيث تصبح جزءاً عضوياً من معارف الطفل التي يستخدمها في تعامله مع العالم المحيط به، عبر هضمها وتمثلها معرفياً لتصبح أدواته في التفكير وإعادة إنتاج ما تعلمه بكفاءة في حياته الراهنة ومستقبلاً.

ونضيف إلى المفهومين السابقين مفهوماً مكملاً له يدعى ترسيخ التعلم ويعاكسه الخبو الذي يطال المعارف العلمية، ويعني ذلك أساساً أن المادة التي يجب أن يتعلمها الطفل يجب أن تترافق بوسائل نوعية ترسخ استخدام الطفل لتلك المعارف وتعزز من إمكانية ربطها بحياته اليومية، وإلا فإن الانطفاء والخبو سيطالها وتفقد قدرتها الفاعلة بعد فترة من الزمن. وهذا حقيقة يمثل الوجه الآخر لذلك الخلل الذي تعاني منه العملية التعليمية للأطفال في كثير من الأحيان ويتجلى بتغليب ظاهرة التلقين والحفظ الأصم والاعتماد على الذاكرة فقط، والتي لها محدودية بيولوجية معينة بعدها ستذهب المعلومات إلى هاوية النسيان، إن لم يتم ترسيخها عبر الاجتهاد لتحويل المادة العليمة لتكون جزءاً من نسيج خبرات و معارف الطفل التي يستخدمها في حياته اليومية بما يضمن دوام تعزيز تلك المعارف بشكل مستمر بحيث تصبح مستدمجة في عمق الدارات الدماغية للطفل يصعب نسيانها كما في حالة تعلم المهارات الأساسية كقيادة الدراجة الهوائية.

وبالتأكيد لا تمثل المدرسة فقط ساحة للتعلم فقط، وإنما هي أيضاً مدخل للتفاعل الاجتماعي، ومن أحد أهم مظاهره هو تعلم كيفية الأداء الاجتماعي والشخصي ابتداءً من استدماج نموذج للمثل الأعلى في المدرسة ألا وهو المعلم أو المعلمة، ويكون من خلال الآلية التي تسمى الانطباع والتي تنطوي على الآلية التي يقوم من خلالها الطفل بتبني نموذج سلوكي يقلد المعلم أو المعلمة إن كان من ناحية المفردات أو من ناحية التعامل مع الآخرين أو حتى الحديث عن الأمور العامة. وكمثال نوعي على ذلك تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يشاهدون أهلهم أو معلميهم يدخنون يكونون أكثر ميلاً للتدخين في المستقبل، ونفس الأمر ينسحب على الميل للشجار وعدم الاتزان في ظروف الشدة الاجتماعية، وكذلك استخدام المفردات غير الملائمة.

و هناك عدة مبادئ تمثل المحاور التي تكامل الإجماع العلمي حولها وتم الاتفاق على أنها تمثل خلاصة البحث العلمي عن طرائق التعليم المنهجية الأكثر قدرة على الخروج من دائرة العشوائية غير الموجهة للانتقال إلى جو من المعرفة المنهجية لكيفية تقديم المادة التعليمية للطفل:
1- التعزيز الإيجابي: وينطوي على ترسيخ السلوك المقبول الذي يبديه الطفل وزيادته من خلال تقديم المكافأة عقب السلوك المستحب من الطفل خلال عملية التعلم. وحقيقة تمثل المكافآت المعنوية من خلال الاستحسان والإطراء الوسائل الأكثر قدرة على تعزيز السلوك الإيجابي عند الطفل بالإضافة إلى جوهريتها في ترسيخ ثقته بنفسه مما يمكنه من الاندماج عضوياً وبشكل أكثر فاعلية بمجتمعه.
2- التعزيز السلبي: ويتجلى ذلك بالميل عند الطفل للعمل بشكل دائب للحفاظ على المكافآت التي نالها أو على الأشياء التي يحبها، والتي يمكن أن يفقدها في حال أدائه غير الجيد في موضوع ما، كمثل التلويح بمنع مشاهدة التلفاز إذا لم يكن الأداء التعليمي جيداً، مما يقود الطفل إلى الاجتهاد لتفادي فقدان ذلك الموضوع الذي يحبه. وتعتبر وسيلة التعزيز الإيجابي عبر تقديم المكافأة وهذه الوسيلة أي التعزيز السلبي عبر سحب المكافأة وسيلتين متكاملتين على الرغم من أن الأولى أكثر فاعلية على المدى الطويل.
3- العقاب: ويمثل الوسيلة التي يجب استخدامها بكثير من الحذر وضمن شروط محددة وواضحة، وهي عدم تناولها على الإطلاق الإيذاء والإيلام الجسدي (الضرب) أو الصراخ العنيف أو السخرية من الطفل والحطّ من شأنه، إذ أن ذلك كله يمثل المطب الأساسي الذي يعتبر الخطوة الأولى في قيادة الطفل إلى الإخفاق الدراسي. ويمثل العقاب هنا وسيلة لجعل الطفل يسعى عملياً في الاتجاه المعاكس لذلك المسبب الذي استدعى العقاب، ويتناول العقاب هنا نموذج التأنيب الهادئ للطفل، والسعي إلى توضيح الأسباب الموضوعية التي جعلتنا نؤنبه، وإقناعه منطقياً بخطئه، وعند الضرورة تخفيض مساحة التواصل معه في النواحي التي يفضلها هو، مع الحفاظ على الحديث معه في الأمور الضرورية والمهمة كالمشاكل التي يعاني منها بشكل أساسي. وهنا نشير إلى أن العقاب بهذه الطريقة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن يعرف الطفل لماذا هو معاقب، والتعامل معه على أنه قادر على أن يفهم مكمن خطئه وعواقب ذلك، لأن الطفل حقيقية وعلى عكس ما يتصور البعض قادر وبشكل فائق في كثير من الحالات على استخدام ثرواته المنطقية المتواضعة لأن يستوعب بشكل جيد كل ما يتم تقديمه إليه معرفياً إذا تم تبسيطه بشكل ملائم.
4- الإنطفاء: ويشير إلى تخامد السلوك السلبي الذي يبديه الطفل عند تعامله مع المادة التعليمية، في حال عدم تعزيزه بالطرائق التي أشرنا إليها آنفاً، ويجري ذلك من خلال إهمال المربي المعلم لذلك السلوك السلبي من التعامل مع المادة التعليمية الذي يبديه الطفل في بعض الأحيان، والتركيز فقط على ذلك النموذج البناء الذي سنسعى لتعليمه إياه، ومثاله عدم اكتراث المعلم بالسلوك السلبي للطفل من قبيل استخدام سلوك البكاء عند الإخفاق في حل مسألة ما. و التركيز بدلاً عن ذلك بالسعي لتعزيز وترسيخ السلوك الإيجابي الذي يتمثل مثلاً بتعليم الطفل الهدوء والتعامل بروية مع المسألة التي أخفق في حلها سابقاً.

وكما نوهنا آنفاً تمثل طرائق التعزيز الإيجابي والسلبي منظومات متكاملة تؤمن مدخلاً فاعلاً لترسيخ نموذج من السلوك المستحب عند الطفل، ولكن تطبيقها يجب أن يكون بكثير من الدقة والهدوء وعدم المبالغة والإفراط، وهذا ما سنوضحه من خلال الإشارة إلى المنهج الملائم والأكثر فاعلية في استخدامها في عملية التعلم والتعليم:

1- نموذج المكافآت المستمرة: ويتمثل بتقديم المكافآت دائماً عقب نفس الفعل المستحسن وبنفس الصيغة المتبعة في العادة لتقديم المكافآت، وتعتبر هذه الطريقة طريقة فاعلية في ترسيخ الفعل المتعلم في الفترة الأولى لتعلمه ولكن لمدة زمنية قصيرة، إذ أنه بعد ذلك يصبح التكرار وبنفس طريقة المكافآت محتاجاً إلى تعزيز هو نفسه، ولذلك من المفضل التوجه إلى الطرائق الأخرى الموازية في تقديم المكافآت.
2- نموذج المكافآت المجدولة: ويتم تطبيق هذه الطريقة من خلال تقديم المكافآت فقط عقب عدد محدد و معروف مسبقاً من الاستجابات الجيدة والمستحبة والتي قام بها الطفل، وهذا يعتبر وسيلة لدفع الطفل إلى زيادة سرعة الأداء والتركيز من أجل الوصول عبرهما إلى العدد المطلوب من الاستجابات المستحبة، ومثال على ذلك نشير إلى تقديم المكافآت فقط عقب عدد معروف من العلامات الكاملة التي ينجزها الطفل في مدرسته، وهذا بالتأكيد سيقود الطفل إلى زيادة الجهد والتركيز للحفاظ على تلك السوية الأدائية للحصول على المكافأة المنشودة في أقصر الآجال.

3- نموذج المكافآت ذات المظهر العفوي: وتمثل أكثر الطرائق فاعلية في ترسيخ الاستجابة التعليمية على المدى الطويل عند الطفل، ويرتكز منهجها على تقديم المكافآت عقب فترة زمنية غير محددة مسبقاً بقي فيها الأداء التعليمي للطفل مستحباً فيها، أو عقب عدد غير محدد من النتائج الجيدة التي أداها الطفل في سيرورة عملية التعلم، وبحيث تظهر المكافأة بشكل عفوي نتيجة استحسان المربي المعلم أو الأهل، وتعتبر هذه الطريقة الأكثر ترسيخاً للأداء الجيد، و الأقدر على تثبيت الأداء الجيد على فترة طويلة جداً من الزمن دون الحاجة إلى تكرار نفس المكافأة أو تقديم المكافأة خلال فترة محددة مسبقاً من الزمن.

وأخيراً، نرغب بالتأكيد على وجوب العمل بشكل دؤوب وعقلاني من أجل الدفاع الذاتي، كل منا حسب طاقته، من أجل تكامل جهودنا المعرفية والتربوية، لاستنباط أفضل الطرق التربوية الرصينة والعلمية، لتقديم المادة التعليمية لأطفالنا في مدارسهم، مستنيرين بضرورة الحفاظ عليهم أصحاء نفسياً، سعداء، متفائلين وقادرين على الإبداع والعطاء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المشاهد الأولى لاعتقال الشيخ كمال الخطيب


.. مراسلة فرانس24: -ليلة من الجحيم في شمال غزة والأونروا ترفض ف


.. Brazilian Activists Protest the Largest Beef Producer in the




.. حملة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في المغرب


.. الأمم المتحدة تطمئن.. الاقتصاد سيتحسن | #غرفة_الأخبار