الحوار المتمدن - موبايل


عالم ما بعد جائحة فيروس كوفد - 19

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 12 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


يتوقع أن يشهد العالم في مرحلة ما بعد فيروس كوفد 19- المستجد , تغيرات جوهرية في بنيته الإقتصادية والإجتماعية والثقافية , وعلاقات دوله فيما بينها عسكريا وإقتصاديا وثقافيا, إذ ربما سيشهد العالم بزوغ دول آسيوية أكثر قوة وإقتدارا , يمكن أن تلعب دورا أكبر في مجالات الإقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية , لتصبح ندا قويا للولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم في العالم حاليا, إذ يعتقد كثيرون أن ذلك أمرا طبيعيا شهدته البشرية أكثر من مرة في أعقاب الهزات الكبرى التي تعرض لها العالم جراء الحروب الكونية أو الكوارث الطبيعية الكبرى وتفشي الأمراض والأوبئة على نطاق واسع التي راح ضحيتها هلاك الملايين من البشر ودمار معظم مقومات الحياة الإنسانية. فبعد الحرب العالمية الثانية مثلا , برزت الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي كأكبر قوتين عسكريتين في العالم , بينما أفلت كل من بريطانيا وفرنسا لتحلا في المرتبة الثانية في سلم القوى الدولية , وإنتهى دور المانيا التي أصبحت دولة محتلة من قبل دول الحلفاء المنتصرين في الحرب.
وجائحة كوفد ليس إستثناءا من هذه الكوارث , إن لم تكن أشدها فتكا وضراوة , وبخاصة في ظل ما يشاع في وسائل التواصل الإجتماعي, من أحاديث مرعبة في إطار تبني كثيرون لنظرية المؤامرة التي مفادها أن فيروس كوفد 19 المستجد , قد تم بفعل فاعل بهدف تقليل عدد سكان العالم , بالقضاء على كبار السن الذين باتوا يشكلون عبئا على إقتصادات الدول المتقدمة التي أصبحت تعاني من تنامي ظاهرة الشيخوخة , حيث تتطلب هذه الشريحة من السكان رعاية صحية مكلفة خاصة بها ,سيما أن أعدادهم في تزايد مستمر , فضلا أن لا قيمة إقتصادية لهؤلاء المسنين, كونهم قوى مستهلكة وغير منتجة , الأمر الذي إضطرت فيه الكثير من هذه الدول إلى فتح أبوابها لإستقبال القوى العاملة الشابة من الدول النامية التي تعاني شعوبها من التضخم السكاني والفقر وسوء المعيشة , وذلك لسد النقص المتزايد في أعداد القوى العاملة الذي تعانيه هذه الدول لإدامة زخمها الإقتصادي .
وكالعادة سيكون الفقراء في جميع أنحاء العالم الأكثر تضررا من تداعيات جائحة فيروس كوفيد – 19 , حيث بينت دراسات أجريت في العام 2018 أن أغنى(1 % ) من سكان العالم يملكون( 45%) من الثروة في العالم، وأن( 64% ) من سكان العالم يملكون أقل من( 2% ) من الثروة على نطاق عالمي. وهذا التباين موجود، أيضاً، في الدول "المتقدمة". فمثلا، نجد في الولايات المتحدة أن (1% ) يحوزون على( 40% ) من الثروة. وتقاس الثروة كمجموع الممتلكات النقدية والعقارية وأصول أخرى ناقص أية ديون موجودة. وفي البلدان العربية تبلغ نسبة الفقراء حسب تقرير "إسكوا"( 21.3% ) حسب خط الفقر الوطني في كل بلد. وتبلغ نسبة شبه الفقراء أو المعرضين للفقر حسب التقرير( 19.5). بالتالي، يصبح مجموع الفقراء وشبه الفقراء( 40.8% ) من مجموع السكان.
وبصرف النظر عن مدى صحة نظرية المؤامرة من عدمه , والتي لا نجد أساسا علميا لدعم صحتها , إلاّ أنه يتوقع أن جائحة فيروس كوفيد - قد تجر العالم إلى كساد اقتصادي يفوق أزمة 2008/2009، وربما حتى كساد 1929 الشهير. أن تدهور الاقتصاد العالمي هذه المرة لم يولد في منطقة معينة من العالم، ولا بفعل عامل اقتصادي/مالي محدد. التدهور، هذه المرة، عالمي الطابع، يطول كافة الاقتصادات الكبرى، المتوسطة، والصغيرة. وطالما أن أحدًا لا يمكنه توقع مسيرة الوباء، وأثره على كل دولة على حدة، ولا كيفية محاصرته، فإن وقع الوباء الاقتصادي لم يزل محل جدل.
تشير بعض التقارير إلى أنه من المتوقع أن تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من إنكماش إقتصادي بنسبة (2%) هذا العام والدول الأوربية بنسبة (6%) والصين بنسبة (2.25%) . تقول كرستين لاغارد مديرة المصرف المركزي الأوربي : "أن منطقة اليورو تواجه إنكماشا لم يحصل سابقا أيام السلم ,وأتوقع إنكماشا ما بين (5%) و(12%) من الناتج القومي في العام الجاري, مع تداعيات غير معروفة بعد على الوضع الإجتماعي" . ونتيجة لذلك أقدمت الدول والمصارف المركزية على ضخ أموال بشكل غير مسبوق في الأسواق لمواجهة الأزمات العميقة التي سيسببها فيروس كوفيد المستجد, فقد باشر المصرف المركزي الأوربي بضخ (750) مليار يورو في الأسواق , وقرر أن يدين المصارف بفائدة سلبية (0.75%) بشرط أن تمول الشركات المتوسطة والصغيرة . كما باشرت فرنسا وإنكلترا بدفع (80%) من الأجور خلال مدة الجائحة بشرط أن لا تستغني الشركات عن موظفيها , وكذا الحال في أستراليا ونيوزلندا وكندا ومعظم الدول الأوربية ودول أخرى كثيرة ,
وفي الولايات المتحدة الأمريكية فقد إنخفضت الفوائد حتى قاربت الصفر, ويضخ المصرف الفيدرالي والحكومة معا نحو (4.7) ترليون دولار , أي حوالي (20%) من الناتج القومي لزيادة السيولة في الإقتصاد , مما أدى إلى إنخفاض البورصات العالمية بنسب بين (10) و(40) بالمائة . ويتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل في العالم أكثر من (200) مليون شخص . كما صرح البنك الدولي أن نسبة الدين العام ستزيد على (80%) من الناتج القومي حيث ستشكل عائقا للنمو . وستكون قطاعات السياحة والنقل والنفط والمطاعم والسيارات والتسويق التقليدي الأكثر تضررا. وستكون قطاعات التسويق الرقمي والتجارة الرقمية وقطاعات تقنيات المعلومات وشركات الأدوية وسلاسل المحلات التجارية الأكثر إستفادة .
وتتوقع مديرة دائرة البحث في صندوق النقد الدولي جيتا جوبيناث , إن العالم سيشهد أسوأ كساد منذ الكساد العظيم في العام 1929، وستزداد البطالة بما في ذلك بين الشباب، وستتعدى نسبة الفقراء وشبه الفقراء الخمسين في المائة في معظم الدول العربية، باستثناء بعض دول الخليج فيما يتعلق بمواطنيها فقط، ولكن ليس بالعاملين فيها من مختلف الدول، حتى لو ناب مواطنيها إفقارٌ نسبي, وسنشهد اضطرابات اجتماعية واحتجاجات وإضرابات في مختلف الدول العربية ، ومن المتوقع أن تبدأ موجة ثالثة من الانتفاضات ستسعى إلى قمعها بطرق مختلفة قوى الثورة المضادة العربية، التي قادتها منذ العام 2011 دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لكن الآن بتحالف علني مع إسرائيل .
يتوقع خبراء آخرون كثيرون أن كساداً اقتصادياً عالميا بحلول العام 2021، ويُتوقع البعض أن يستمر لعشر سنوات، وستبقى آثاره لما بعد ذلك. فعلى سبيل المثال، تطلب الأمر ستة أعوام للعودة إلى نفس نسبة التشغيل أو البطالة في الولايات المتحدة، بعد أزمة الرهن العقاري في العام 2008. بالمقارنة، تعتبر الأزمة الحالية حسب أراء بعض الاقتصاديين أكبر من أزمة العام 1929. لذا، من المتوقع أن يشهد العالم صراعاً حادا ، بين من يريد أن يحافظ على ما لديه، أو العودة إلى ما كان لديه من وضع اقتصادي، وبخاصة الشركات الكبرى المعولمة، وبين من أفقر بسبب تبعات الوباء.
جاء في أحد التقارير الصادرة عن البنك الدولي إلى أنه في الأمد القصير، يرجح أن تكون اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، الأشد تضررا اقتصاديا، لكونها تعاني ضعف أنظمتها الصحية، أو تعتمد اعتمادا كبيرا على التجارة أو السياحة أو تحويلات المغتربين من الخارج، أو تعتمد على صادرات السلع الأولية، أو أنها تعاني من مواطن ضعف مالية. وفي المتوسط، تشهد اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية ارتفاع مستويات ديونها عما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية، وهو ما يجعلها أكثر عرضةً للضغوط المالية. وستكون الأضرار الطويلة الأجل لجائحة كورونا شديدة للغاية في الاقتصادات التي تعاني أزمات مالية، وفي البلدان المصدرة لمنتجات الطاقة بسبب انهيار أسعار النفط. وفي المتوسط في فئة اقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، على مدى خمس سنوات، قد يؤدي كساد تصاحبه أزمة مالية إلى انخفاض الناتج المحتمل نحو( 8%)، أمَّا في البلدان المصدرة للطاقة من بين هذه الفئة، ففي المتوسط قد يؤدي كساد يصاحبه انهيار أسعار النفط إلى انخفاض الناتج المحتمل بنسبة ( 11%).
ع استمرار تهديد جائحة كوفيد-19 للعالم، من المتوقع أن يتقلص الاقتصاد العالمي في عام 2020 بنسبة( 3.2%)، مما سيتسبب بخسائر إجمالية تبلغ نحو( 8.5 ) تريليون دولار، وهو ما سيمحو ما يقرب من أربع سنوات من المكاسب التي تحققت، بحسب تحليل اقتصادي أجرته الأمم المتحدة لمنتصف العام.وقد أطلق فيروس كورونا العنان لأزمة صحية واقتصادية لم يسبق لها مثيل من حيث النطاق والحجم، مع الحظر وإغلاق الحدود وهو ما شل النشاط الاقتصادي وبسبب ذلك، تم الاستغناء عن ملايين العمّال على الصعيد العالمي. وخلاصة القول أن عالم ما بعد جائحة كوفيد فيروس - 19 سيكون مختلفا تماما عن عالم ما قبل الجائحة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. #لبنان 2021.. #رمضان البطون الخاوية.


.. #أخبار_الدار... استياء في #تونس في #رمضان ومبادرات شبابية في


.. تركيا: نفوذ إقليمي لتحقيق حلم توسعي؟




.. أديس أبابا تقترح اجتماعا للاتحاد الإفريقي بشأن السد | #رادار


.. #عاجل | بايدن: تم توزيع أكثر من 200مليون جرعة من لقاح كورونا