الحوار المتمدن - موبايل


كانت تلك هي الأيام

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 12 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


وها نحن على أبواب توديع عام آخر, فقدنا فيه أحبة أعزاء وأصدقاء اوفياء وآلاف الناس في أرجاء المعمورة , جراء تفشي فيروس كوفيد- 19 , حيث كادت أن تتوقف فيه عجلة الحياة في جميع المجالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية في العالم أجمع , لولا لطف الله وستره لتعود الحياة بعد عسرها إلى طبيعتها تدريجيا في معظم دول العالم, بفضل الإجراءات الصارمة والتدابير الوقائية الحازمة, التي إتخذتها حكوماتها ونفذتها شعوبها بوعي وإدراك , للحد من تداعيات هذا الفيروس الخطير , فضلا عن إجراءات الرعاية الإقتصادية لتخفيف الإعباء الإقتصادية عن كاهل الناس الناجمة عن توقف معظم الإنشطة الإقتصادية ,بصرف إعانات مالية للعاطلين عن العمل , وإستمرار صرف رواتب لمن توقفت أعمالهم وغيرها من إعانات مختلفة بحسب الحاجة ,لولاها لكانت الكارثة أعظم وأشد وقعا.
وللأسف إستمر البعض يلهو بنظرية المؤامرة المقيتة التي تقضي بالتخلص من غالبية سكان العالم وبخاصة الفئات الفقيرة والمحرومة وكبار السن ممن يشكلون عبئا ماليا على حكومات بلدانهم, كونهم شرائح غير منتجة إقتصاديا , تستنزف رعايتهم صحيا وإجتماعيا وإقتصاديا أموالا طائلة , وكأننا نعيش في غابة لا مكان فيها للضعفاء الذين يجب إفتراسهم والتخلص منهم بنظر هؤلاء الذين تجردوا من إنسانيتهم . وحسنا فعل علماء العالم وعقلاء القوم بعدم الإلتفات إلى هكذاهرطقات, وشمروا عن سواعدهم وشحذوا عقولهم وواصلوا الليل بالنهار في مختبراتهم , لإيجاد لقاحات وأدوية لإنقاذ العالم من هذا البلاء , إذ أن لكل داء دواء كما يقال. وها هي الأنباء تزف للعالم بشرى التوصل إلى لقاحات فاعلة ومؤثرة لمواجهة فيروس كوفيد- 19, الذي نأمل أن تكون في متناول جميع الناس غنيهم وفقيرهم على حد سواء في بلدان العالم المختلفة. نسأل الله أن يكون عام 2021 عام خير وبركة للبشرية جمعاء , ولأهلنا في عراقنا الجريح بصورة خاصة , لما عانوه وما زالوا يعانوه من مصائب وويلات لا تحتمل .
وبعيدا عن فيروس كوفيد- 19 , تعود بي الذاكرة إلى أيام طفولتي وشبابي في مدينة السماوة التي ولدت فيها أبان الحرب العالمية الثانية , مدينة السماوة المدينة الجنوبية الصغيرة الغافية بطيبتها على ضفاف نهر الفرات وأهلها الطيبون, وتحيط بها بساتين النخيل الوارفة من ثلاث جهات , لتترك الجهة الرابعة مواجهة لباديتها المعروفة تاريخيا بإسمها بادية السماوة , فيها ترعرت ونشأت وتعلمت , وبعدها غادرتها للدراسة خارج العراق , ولم أعد إليها ثانية إلاّ لماما لزيارة الأهل والأصدقاء في الأعياد والمناسبات , حيث إقتضت ذلك ظروف عملي الجامعي يومذاك في البصرة وبغداد. وها أنا الآن تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام الخوالد , لأفتح شريط الذكريات وأنا أعيش الآن في ديار الغربة بعيدا عن أهلي وناسي , لا رغبة مني بل رغما عني , بعد أن ضربت الفوضى أطنابها وإنقطع حبل الأمن في جميع أرجاء العراق, حيث لم يعد أحدا منا آمنا على حياته أبدا, فدوي التفجيرات في كل مكان, والقتل على الهوية ومنظر الجثث الملقاة في الشوارع بات مألوفا .
وجدت نفسي مضطرا لمغادرة بلدي العراق الحبيب عام 2007 طلبا للأمن والآمان في أرض الله الواسعة, لأحط بعدها الرحال في أستراليا عام 2014 , البلد المضياف الكريم الذي وجدت فيه وطنا آمنا ورعاية كريمة . لقد تحملت وعائلتي كل أعباء ما مر به العراق من حروب وصراعات وفتن وشظف عيش في ظروف الحصار الظالم , حيث أديت وظيفتى بكل شرف وأمانة في جميع المواقع التي كلفت بها , رئيسا لجامعة البصرة أبان الحرب العراقية الإيرانية , ورئيسا للجامعة التكنولوجية ولهيئة التعليم التقني في فترة الحصار الظالم, ورئيسا للمجمع العلمي العراقي في فترة الإحتلال الأمريكي للعراق , وجميعها فترات عجاف مر بها العراق . وبرغم ذلك لم أفكر يوما بمغادرة العراق كما فعل آلاف العراقيين وبخاصة حملة الشهادات العليا ممن إضطرت بعضهم ظروف معيشتهم , تزوير جوازات سفرهم بعناوين مزورة ومغادرة العراق بطرق غير مشروعة طلبا للرزق والملاذ الآمن . شهد عقد التسعينيات من القرن المنصرم ظاهرة لم تكن مألوفة في العراق بهذا الشكل الفاضح , تمثلت بتزوير الكثير من الوثائق الرسمية ومنها جوازات السفر والشهادات الجامعية, والحصول عليها من سماسرة يعملون بسوق شعبية في بغدادعرفت بسوق " مريدي" الذي يبدو أسم شخص من سكنة مدينة الثورة المعروفة بمدينة الصدر حاليا , رافقتها بعض بوادر تفشي الفساد في بعض دوائر ومؤسسات الدولة بسب تدهور رواتب الموظفين التي لم تعد تغني أو تسمن من جوع.
وبرغم ذلك لم أترك العراق إلاّ بعد أن بلغ السيل الزبى , حيث غادرته بعد أن أحلت على التقاعد لبلوغي السن القانونية عام 2007.أقول ذلك لا منة ولا تبجحا , إنما لقول كلمة الحق ووضع الأمور في سياقها الصحيح , وأنا أراقب مجرى الأحداث في الوطن الجريح الذي باتت أخباره لا تسر عدو أو صدبق , حيث أصبح العراق بلدا مستباحا ونهبا لكل من هب ودب من شذاذ الآفاق , تتقاذفه مافيات الإجرام وعصابات الجريمة المنظمة , وينخر جسده المرض والفقر والجوع , وتفتك به دون رحمة شبكات الفساد تحت مسميات ويافطات سياسية مختلفة , تتحكم بمصيره تحت غطاء ديمقراطية زائفة لا قيمة لها , وتسرح فيه وكالات المخابرات الدولية والإقليمية التي تسعى حكوماتها للهيمنة على مقدرات العراق ونهب ثرواته .
أعود الآن لأفتح شريط حياتي التي عشتها في بلدي العراق الذي لم أنساه يوما ولن أنساه ما دمت حيا أعيش في أرض الله الواسعة . كان الناس يومذاك برغم ظروف الفقر والفاقة التي كان يعيشها معظمهم , إلاّ أنهم أكثر رضا وقناعة وإلتزاما بقيم الشرف والأخلاق والرجولة والتماسك الإجتماعي , بعيدا عن أية حساسيات أو عننات دينية أو طائفية , وأن إختلفوا كثيرا في توجهاتهم السياسية , فمنهم من كان يؤيد النظام الملكي القائم يومذاك , ومنهم من يعارضه ممن إنتموا لأحزاب سياسية , أبرزها الحزب الشيوعي العراقي , وقلة لأحزاب أخرى مثل الحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث العربي الإشتراكي . ولعل من مفرقات ما شهدته وما زلت أتذكره جيدا في مدينتي السماوة , إستقبال أهلها الحافل عند زيارة الملك فيصل الثاني للمدينة عام 1954 , حيث زينت المدينة بأبهى ما لديها وخرجت عن بكرة أبيها لإستقبال مليكها الشاب وسط الهلاهل والزغاريد ونحر الذباح . لم تمض سوى أربع سنوات على هذه الإستقبال , ويسقط النظام الملكي عام 1958 وينتهي بمقتل الملك وأركان حكمه , ليخرج الناس في عموم العراق ومنها مدينة السماوة بمظاهرات صاخبة تأييدا لحكومة الثورة التي أطاحت بالنظام الملكي , ولسوا هم من كانوا بالأمس يصفقون له , فسبحان مغير الأحوال. تكررت هذه الحالة لاحقا مرات عديدة , ما أن يسقط نظام حكم عبر إنقلاب عسكري, غالبا ما يكون إنقلابا عسكريا داميا , ليحل محله نظاما آخر ربما أكثر دموية من سابقه, إلاّ وتخرج جموع الناس التي كانت بالأمس مؤيدة للنظام المباد , لتعلن مبايعتها للنظام الجديد بكل أريحية .
فأية إنقلابية حادة هذه في المزاج السياسي العراقي بين ليلة وضحاها , من جموع تبدو أنها كانت مؤيدة بغالبيتها للنظام الملكي , لتنقلب بعدها إلى جموع غاضبة على هذا النظام ومندفعة بتأييدها للإنقلاب عليه , وقتل الملك وأسرته دون رحمة . وكذا الحال لنظام حكم عبد الكريم قاسم الذي أطاح بالنظام الملكي , وأطيح به من قبل حزب البعث العربي الإشتراكي عام 1963 , وحكم البعث الذي أطاح به عبد السلام عارف عام 1964 , وعبد الرحمن عارف الذي أطاح به تحالف عبد الرزاق النايف وحزب البعث عام 1968 , وصدام حسين الذي أطاح بأحمد حسن البكر عام 1978 , وسقوط نظام صدام حسين بغزو العراق وإحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن تحالف معها عام 2003 .مسيرة حافلة بالإنقلابات العسكرية والصراعات الدامية والفتن والحروب التي دمرت العراق وشردت أهله, صفق لها كثيرون في كل مرة وتبادلوا تهم الخيانة والغدر فيما بينهم , لتستمر فصول المأساة حتى يومنا هذا دون أن تلوح في الأفق بادرة أمل بالخلاص القريب منها , لينعم العراق وأهله بالأمن والآمان والعيش الكريم أسوة ببلدان وشعوب العالم .
وبرغم كل ما عاشه الناس في حقب ما قبل عام 2003 من صراعات وخلافات سياسية قاسية في الكثير منها , إلاّ أن العلاقات والوشائج الإجتماعية بين الناس , كانت في معظمها علاقات مودة وحب وإحترام سليمة دون أن يعكر المزاج السياسي صفوها , حيث يدرك الجميع قدراته وحدود إمكاناته وعدم تجاوز أيا منهم ما رسمه لنفسه من خطوط حمراء, لا ينبغي له تجاوزه ليعيش الجميع بأمن وآمان . كان العراق يشهد تطور علميا وتقنيا وثقافيا وإجتماعيا واضحا وملموسا , ويتمتع الناس بنظام تعليمي رصين ورعاية صحية جيدة بإستثناء فترة الحصار الظالم التي إمتدت لنحو عقد من الزمان .
وبالعودة إلى مدينتي السماوة التي لم يكن فيها سوى مدرسة متوسطة واحدة في عقد الخمسينيات من القرن المنصرم , لأرى فيها صورة تجسد مجتمعنا العراقي متعدد الأديان والطوائف والقوميات , فطلبتها وأن كان معظمهم من ابناء الطائفة الشيعية , فهناك طلبة آخرين من أبناء الطائفة السنية ومن اليهود من أبناء السماوة الأصلاء , وكادرها التدريسي كان خليطا من المسلمين والمسيحين من أبناء محافظة الموصل ومن مصر مسلمين ومسيحيين أيضا, وأطباء المدينة من المسيحيين, وصاغة صابئة مندائيين . كانت تقطن في السماوة عوائل يهودية عديدة ثرية تمارس أعمال التجارة وبعضها من ملاكي الأراضي الزراعية والبساتين , ولهم مقبرة خاصة بهم , وبرز من يهود السماوة بعض قادة الحزب الشيوعي في حقبة الأربعينيات من القرن المنصرم. بإختصار كان مجتمع السماوة نسيجا زاهيا من جميع الأطياف دون أن يعكر صفوهم حادث عابر هنا أو هناك , يتبادلون العيش مع بعضهم بأمن وآمان .وكانت هي تلك أيامنا عشناها بحلوها ومرها. فليحفظ الله العراق بشعبه وأهله بمختلف أديانهم وطوائفهم وقومياتهم من منطلق أن الدين لله والوطن للجميع .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شكرية.. لم ترض لنفسها النزوح، وحصلت على شهادة الصيدلة.


.. أماني الطويل: لا أحد يعلم إلى أين يمضي ملف سد النهضة وهناك ت


.. الدراما المصرية والأغاني الشعبية بين فكي مقص الرقابة | #السؤ




.. إسرائيل تسمح لسكانها بنزع الكمامة في الأماكن المفتوحة


.. وثائقيات الجزيرة - جريمة ضد التاريخ