الحوار المتمدن - موبايل


الاستئناف التحولي وهزيمة الغزو الامريكي/16/ ملحق1

عبدالامير الركابي

2020 / 12 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


الاستئناف التحولي وهزيمة الغزو الأمريكي/16/ملحق1
عبدالاميرالركابي
لم يوضع حدث غزو العراق في المكان الذي يستحقه من حيث المغزى والدلالات الكونية، كمثال على القصور العقلي البشري من جهة، وعلى الرغبه الملحة في إخفاء المضمرات الفعليه، هذا مع العلم ان الحدث المتصل بين عام 1991/2003 لاشبيه له في التاريخ البشري، او التاريخ الحديث، فلم يسبق ان عرف بلد من بلدان العالم الثالث مثل هذا النوع من التوافق الغربي الشامل، على تدمير بلد وسحقه بحربين كونيتين، وحصاردام لاكثر من 12 عاما، هو الاقسى المضروب على بلد في التاريخ، ولااحد حاول ان يذهب للمقارنه بين ماقد حدث للعراق ونتائجه بناء لحجم ماتعرض له، بوضع أي بلد من بلدان الغرب المعدودة "متقدمه"، مثل فرنسا او المانيا، او بريطانيا، من البلدان الاوربية، محله، واحتساب نوع وحجم النتائج التدميرية المترتبه على تعرضه لما قد وقع على العراق، في الفترة المشار اليها.
وثمة ناحية اساسيه تبقى هنا مغفله وممحية كليا من المشهد، تلك هي حقيقة ان الموضع الذي نتحدث عنه، هو موضع الابتداء البشري المجتمعي "الحضاري"، وليس هذا مع كل مايعنيه ويحتوي عليه من منجزات التاسيس الكبرى على مستوى المعمورة، هو كل مايستحق الانتباه له في الحالة العراقية الرافدينيه، مع ما يفصح عنه من حقد اعمى على الجذور، وعلى قدسية مغامرة التاسيس البشرية الاعظم، لابل الكره اللامحدود لمكان، وجوده اشارة لاتزول، تمنع الغرب من التمتع بالغلبة، او الارجحيه التاريخيه، فهذا الموضع قد اعطى العالم والبشرية منظورها الأول الشامل لوجودها على كوكب الارض، والغرب نفسه وامريكا التي قادت الغزو عليه، تدين بقوة بالابراهيمه، وكانت وماتزال في قلب حياتها وعقلها،مشكله جانب تناقضها الضميري المرضي الأقصى، ووسيلة مهربها الزائف المخادع، إزاء جريمه وجودها على انقاض شعب من قرابة 70 مليون، واحتلال ارضه، بعد ذبحه عن بكرة ابيه، وازالته من الوجود.
وامريكا بوجودها هي دالة صارخه على كيفيات تمظهر الصراعية التتابعية الراهنه، ومنها او في مقدمها احتمالية "مابعد غرب" كما تجسده بنيه كيانيه متاخرة الظهور، بلا تاريخ، متشكله من مزيج ( ابراهيمي/ راسمالي) بغض النظر عن المصادرة الغربية، ونزعة الإصرار على تابيد النموذج الغربي، مع نفي أي احتمال "مابعد" يمكن ان يكتنفه ويحكم اليات وجوده ابتداء، وانتهاء صلاحيه، الامر المتفق مع طبيعة الأشياء والظواهر الحية، هذا مع الاخذ بالاعتبار كون الابراهيمية نفسها لاتتيح من ناحيتها توقع الأفق الابعد اللاحق على الغرب وصورة ما يعقبه، بما انها رؤية موسومه هي الأخرى، بنوع من التابيديه الصارخه التي لاتقبل التجاوز.
لهذا وبناء عليه يصير العالم بالأحرى، بقدر ماهوراسخ وثابت تحت طائلة مالايمكن افتكاره، محكوم الى القصور والعجز،خصوصا اذاخطر على البال اعتقاد يقول بان الابراهيميه وجدت محكومه لاجل ان تكتمل وتتحقق بعبور مرحلتين، أولى تكون بمثابة ابراهيميه نبويه، وثانيه ابراهيميه عليّة، بينهما فاصل احادي اعلى ضمن صنفه النمطي، طابعه الغالب "علموي"، عند ذاك تتعدل المركزية التاريخيه، وتستقيم منتقلة الى الشرق المتوسطي، والى الكيانيه متعددة الأنماط، وبالذات الى البؤرة الازدواجيه من بينها، مايترتب عليه انقلاب كلي في السناريو الناظم لحركة التاريخ، ودلالات تعاقب مراحله.
وهنا يصير المرتكز التبريري حاسما، مابين "التحولّية" كمحرك أساس، وغيرها من اشكال التصورات والاعتقادات الأحادية عن جوهر التاريخ وحركته، فاذا اعتمدنا التحولية صار الازدواج هو الأساس والمنطلق ومحور العملية التاريخيه، وتبدلت المعاني والدلالات، فلم يعد الغرب ونهوضه الحديث من قبيل القمة التاريخيه، ومايعرف ب "الحضارية" النهائية، بغض النظر عن المبالغات الانبهارية الملازمه للظاهرة مدار البحث، بحكم مااحاط ب، ورافق ونتج عن النهوض الحديث الأوربي الغربي من منجز هائل، هذا في حين يصير "مابعد" الطور، او المرحلة الغربية الهامة والضرورية، ضمن الإحاطة كمبتدا ونهاية متصلة بما يتعداها، وبالغاية العليا التحوليّة لحركة التاريخ، فلا يكون طغيانها النموذجي مانعا دون رؤية مسارات وتوقيتات انطفائها، وانتهاء فعاليتها، وفقدانها الفعلي للمركزية بذاتها، مع تبلور الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ، ومن قبل الشكل الغربي المتجلي شرقا باسم ماعرف ب "الاشتراكية"، بما هي " بعد" راسمالية كلاسيكيه أولى، من داخل الصيرورة الراسمالية الالية، واشكال تجليها مع تغير حاضنتها المجتمعية الأقرب للشرقيه.
انهارت اوربا الحديثة كبنيه نموذجية كلاسيكيه فعليا، مع بداية القرن العشرين، مع الثورة الروسيه عام 1917 حيث تجلت الاحتمالية الاولى الدالة على "مابعد غرب"، قبل انهيارها شبه الكلي الأقرب للنهائي ابان الحرب العالمية الثانيه، وحضور بديلها ومنقذها المعيل من خارجها، وخارج بنية الغرب، واحتمالاته المزدوجة الراسمالية والاشتراكية، المترافق والمندمج مع انتهاء طور الراسمالية المصنعية، وحضور التكنولوجيا كفصل أخير عضوي من طوري الظاهرة الالية الراسمالية، ماقد ختم نهائيا ظاهرة الغرب الحديث، واخرجها من التاريخ بذاتها، وان ظلت قائمة ومستمرة باعتبارها نموذجا غالبا على المستوى المفهومي التصوري، دلالة على النقص التفكري المستمر غالبا حتى حينه، والى اللحظة الراهنه.
ليس ماننوه به غريب على تفاعلات العقل والظاهرة المجتمعية من حيث القصور والعجز، وبصورة عامة، الغفلة والتاخر عن مجاراة الظاهرة المجتمعية، باعتبار ذلك إيقاع تشكل العقل داخل ظاهرة المجتمع اصلا. الامر الذي نجد دلالة ساطعه عليه بمقايسة مايعرف بالعلوم، ومنها وبمقدمها علمي "الاجتماع" و"التاريخ"، من خلال نظرتهما المتعارف عليها للظاهرة الامريكيه، وماتنطوي عليه كنموذج من مخادعة معرفيه صارخة، ظلت تتمثل : أولا في السكوت على ظاهرة المجتمع باعتباره حالة تشكل ممكن مع خالفتة للحقيقة التشكلية التاريخية والمجتمعية باختصارها الى قرنين، او ثلاثة، وثانيه، هي فرضية حيازه المجتمع بلا تاريخ، لاعلى اشكال وانماط المجتمعية المعتبرة مثالا وقمة في العصور الحديثة، باعتباره مجتمعا غربيا راسماليا، حتى وان يكن بلا تاريخ طبقي، وليبراليا بالاستعارة، فقط لان مادته الغالبة المهاجرة، اصلها غربي اوربي، مع اسقاط، من جهة لاثر البيئه على النمطية المجتمعية، ومن جهة لاشتراطات التوطن كمسار "تاريخي"، قام بالاستناد لعمليه افناء لمجتمعية وحضارية للاخر صاحب الارض. وأخيرا ربط كل هذا ومايترتب عليه، بنزعة اعتبار الكتله المتوطنه في ارض غيرها، مما يقرب من "شعب الله المختار"، و"الامة الأعظم" و"حاملة الرسالة العظمى"، ودلالات ذلك المرضية الصارخه.
لماذا لاتكون الولايات المتحده قد جاءت الى ارض الابراهيميه، وبلا وعي منها، وبحكم بنيتها المرضية والوزر القابع في أعماق ضميرها، بغرض قتل التاريخ بدالته البدئية، رغبه في امحائها من الوجود، وسعيا الى صناعة تاريخ تكون هي بدئه الذي لابدء قبله ينفيه، ويشهد عليه كحالة جريمه عظمى افنائية، لاتستحق، وليس من الوارد باية حال، ان تدعي كونها "مدينة على جبل"، الامر الذي يحتاج كما هو حاصل، وكما هو المحرك الأول لامريكا طيلة وجودها، الى اسكتمال عملية الافناء على مستوى المعمورة، لافقط على الأرض الامريكيه كما حدث فعلا، الامر الذي اليه يعود سماع جورج بوش الابن لصوت الله الكاذب، الايهامي الأقرب لصوت الشيطان، منه الى صوت "الله"، بينما الاله كان اعلن عند الابتداء، عن خياره بالفعل، وبالتجليات الحية، ان "ارض الرافدين هي خيار الله على الأرض".
نقلت الولايات المتحدة نية الافناء المسلطة على ارض الرافدين في العصر الحديث، من محاولة وسياسة افناء النمط الكياني الازدواجي الغربية الاولى، الى محاولة الافناء الرمزي التاريخي التحولي الابراهيمي، الا انها ومثلها مثل الغرب الاستعماري الأوربي، فشلت في تحقيق المطلوب، وعجزت هذه المرة لدرجة التسبب في ايقاظ وبعث استئناف، هو الأعظم المنتظر والمتوقع، والموقت في لحظته، وابان توفر اشتراطات تحققه التي كان وظل من قبل يفتقر لها، ويعاني من نقصها، فتحول دون انتقاله من الابراهيميه الأولى الحدسية النبوية، الى الابراهيميه العلّية التحققية والى التحقق.
اخطأ الامريكيون الهدف، فصبوا مجهودهم على الاطار الافنائي الأول بصيغته الأخيرة الريعيه العقائدية القرابيه ، أي على "الدولة المفبركة"، ظنا منهم، و"جهلا"، ان العراق هو "الدولة"، فما كان لهم ان يتخيلوا انه بالأحرى "اللادولة" المغيبة، المطموسة على مدى سبعة الاف عام، فاذا بهم دون دراية، ويفعل اليد الخغية للتاريخ، يسهمون في تحرير، وإتاحة الفرصة لانطلاق ماقد جاءوا غير واعين لاجتثاثه، وفي حين اصطنعوا حثالات، وتفايات التاريخ المعتاشة على متبقيات الريع المتقاسمه بين جمع من سقط المتاع، لاشيء يجعلهم موجودين، غير تأخر انبعاث الرؤية التحولية المتعثرة الغائبة، المؤجلة تاريخيا، والمحاطة ماتزال بمتبقيات ووزر الافنائية الغربية، كلحظة استعادية لما فقد أسباب استمراره الايهامي، مفهوميا، بعد ان انهارت كنظام ودولة.
سوف يكون من المستغرب الى ابعد الحدود، ان يسمع احد بان الغزو الأمريكي للعراق فاشل من اصله، وانه سوف يتحول، من حالة فشل و ضلالة في القصد، والتركيز على مايخالفه نتائج، أي على نقيضه، الى ارتهان للغازي، لانبعاث الحقيقة المعيبة الكامنه بين تضاعيف تاريخ الموضع الذي غزاه، وهنا سوف تسجل نهاية المرض الافنائي الأمريكي التوهمي، ومع الاستئناف العراقي الناطق، للابراهيميه التحولية، بطورها الأخير الثالث، المستمر ابتداء من القرن السادس عشر، والاصلي النبوي، بعد تجديده، واعادة صياغته،بعد سبعة الاف سنه من التعذر، كان لزوما ان تشهد بحكم الضرورة، طورا اول نبوي استهلالي اضطراري، وصولا الى الابراهيمه الثانيه، التحققية "العليّه" الراهنه، طور انتقال البشرية الى مابعد المجتمعية، والى "الانسان" بعد "الانسايوان".
ـ يتبع ـ ملحق رقم 2








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا.. خلاف حول القاعدة الدستورية لانتخاب الرئيس


.. قرار لبناني بتوسيع المنطقة البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل


.. إيران تتهم إسرائيل بالوقوف وراء هجوم منشأة نطنز النووية




.. القارة الإفريقية.. أزمات عدّة وقدرات محدودة على إيجاد الحلول


.. الاحتجاجات تعود إلى مينيابوليس.. والسبب مقتل شاب من أصول إفر