الحوار المتمدن - موبايل


( رأسُ الشهرةِ : فسحةُ شاشةٍ )

علي الجنابي
كاتب

(Ali . El-ganabi)

2020 / 12 / 15
الادب والفن


يأبى الجفنُ - ومنذ زمنٍ - أن يسبلَ إزرارَه عشاءاً ما لم ينصت من ال(موبايل) تارةً الى لمسةٍ من لمساتٍ بيانيةٍ ينثرُ بها أستاذ فاضل يدعى (د. فاضل السامرائي) وتارةً تراه يَهوَى إنصاتاً تحتَ ظلالِ (وكالة ناسا) وما تُفصِّلُ في بنيةِ الكون وميكانيكا الكم والزمكان وغير ذل . و مابين تلكم الفضائين تلاقحٌ عجب وتزاوجٌ صبب, ينسفُ أغلالَ الذاتِ نسفاً , ليحلّقَ بها خارجَ كل مألوفٍ ! تزاوجٌ ليس هاهنا موضعُ تفصيلٍ فيه.
وإنما العلوم صنفان لا ثالث لهما : علومُ أدبٍ وعلومُ تطبيقٍ , فأمّا التطبيقُ فتراه يقتلعُ شهرتَه من أعينِ الناس إقتلاعاً على ماينجزُهُ من إبتكارٍ, فترى الناسَ مهطعين ورائه بحثاً عمّا هو جديد من مقياسٍ لفحصِ نبضِ أفئدتهم عن بُعدٍ, أو آملين بتصميمٍ لطائرةٍ تنفصلُ (كابينةُ) المسافرينَ عنها لحظةَ خللٍ فني , لتهبطَ الكابينةُ بمظلاتٍ تُفتَحُ بسلامٍ على الأرض , أو جيلِ جديدٍ من (آيفونِ) إتصالاتٍ وغير ذلك.
ذاك علمٌ مُقتَحِمٌ لابوابِ الشهرةِ , رغم أنه يعالجُ الابدان لا الارواح , بل إنَّ الشهرة تحت أذيالِه نَخَت وأطَّتِ صاغرة , وجَثَت (شاشاتُ) الاعلام داخرةً , لتنعمَ بنظرةِ عطفٍ منه عليها دائرة, وتحلمَ من خلاله ترويجاً لبضاعتها الخائرة.
أمّا صنوه : علومُ الادبِ ,
فذاك علمٌ إتّخذَ من آفاقِ الروح لا الابدان مختبراً لعلومه , وذروةُ إبتكارهِ تكمنُ في شدا فصاحة,ٍ وألقِ بيانٍ, وندا بلاغةٍ تُمَكِّنُهُ من إلانةِ الحرفِ لِيُهَيِّجَ غبارَ الزمنِ في صَدرِ قارئِه فيتغلغلَ رويداً رويداُ أسفل أضلُعِ ذاكَ الصدرِ, فيدغدغَ مشاعراً فيه مكبوتةً , ولعله -أي علم الأدب- ينالُ مِن بعدُ , مِن ذاك الصدرِ شهرةً فقيرةً يتكسبُ منها رزقاً , لكن القدر قد زَحلَقَ علوم الادب في عصرِنا صوبَ ذُلِّ المسألةِ والإستجداءِ من شاشةِ إعلامٍ أن تروّجَ له بضاعتَه وما أنجزَ قلمه في قرطاس والّا فالكساد والطمر خاتمته , وكم من أديبٍ مغمورٌ وذي علمٍ مطمورٌ!
فإن قيل : بل إنّ الابداعَ يفرضُ نفسه في الآفاق , قلنا له : لولا قناةُ (الشارقةِ)الفضائية لكانَ ( د. السامرائيّ ) موظفاً نكرةً براتبٍ شهري -إلّا من طلابه وهواة الضاد وبيانه وقليل ماهم - وقد لا أسمحُ أنا له بتجاوزٍ طابورٍ أنتظمُ فيه أمامَ أمين صندوقٍ في مصرفٍ مالي , وقد اكونُ محسناً عليه بأن يتبادلَ طرفَ حديثٍ معي , وخيرُ دليلٍ أنَّ كلَّ أساتذتهِ ( الزمخشري والجرجاني والفخر الرازي و..و..) همُ الآن نكراتٌ لا قيمةَ لهم بيننا , لانهم لا(شارقةَ ملونةَ تبنَّتهم وروّجت لكنوزٍ نفيسةٍ ثمينةٍ دفينةٍ وحدهم ملكوها.فترى (الشارقةَ)قد كشفَت عنه حتى جعلَت من عربيّ مقيمٍ في اقاصي فلندا لا يميزُ بين المبتدأ وخبره يُقبّل جبينَ السامرائي عبرَ الاثير .
شاشاتُنا العربية كانت أولَ أمرها تُنقِّبُ في الازقة :هل من عالمٍ؟هل من أديب؟ فَوَلَدَت لنا العقادَ والمنفلوطي ومن مثلهم , وهي اليوم وتوابعُها من صحفٍ مقروءةٍ -رُبَمَا هي مقروءة!- تزخر بزبدٍ وغثاءٍ ونعيقٍ, فهذه صحيفةٌ ثقافيةٌ كبرى تنشرُ نصّاً في ثلثِ صفحتها الثقافية يصفُ جلسةَ (كبابٍ) في مصيفٍ لا يمتُّ للضادِ بصلةِ رحمٍ , بل صلةُ رحمِ الكاتبِ مع هيئةِ التحريرِ هي الفاصلةُ وهي القاصمة , وتلكَ شاشةٌ فضائية ٌتتبجح بأنها الراعي الاول للادبِ وعلومه , لكنها تقضي ساعاتِ قيلولتِها -وقتَ الظهيرة- في إستعراضِ موضةٍ او في فك شفرةِ (إكسسوار) نسائي ! فإن سمَحَت لأديبٍ أن يتَنَفَّسَ في فضائِها شهقةً يتيمةً لثوانيَ معدودات ودون زفيرٍ ينفُثُهُ ,تراها تتملّق بشهقتِه اليتيمة تلك بأنّها الراعي الاول لأدبِ الزمانِ وعلومِه!
إن شاشاتَنا لفي شُغُلٍ دؤوبٍ وزحمةٍ من برامجٍ تجعلُ من ثواني الزمن عندها نادرة نفيسة وكلُّ ثانيةٍ عندها بمقدار وغالٍ ثمنُها حينما يتعلق الامر ببثِّ للأدب وعلومه فقط . فيا من كنتَ أديباً , تذكّر أنّ :
(رأسَ الشهرةِ فسحةُ شاشةٍ) ولو سَطَّرَت لنا أناملُك الزكية سجلاتٍ تعدلُ موسوعةَ المعارف البريطانية ومثلها معها .
كانت تلك خاطرة عابرة! لمَ خطَّها قلمي ودون تشذيبٍ وتهذيبٍ لحروفها!
لا أدري.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ا?سباب وقف التعامل مع المخرج محمد سامي من قبل شركة المتحدة


.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي




.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا


.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا