الحوار المتمدن - موبايل


سلام على إسرائيل

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2020 / 12 / 15
مواضيع وابحاث سياسية


في 1977، قبل زهاء 43 عاماً مضت، انتصب الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات مخاطباً الإسرائيليين عبر ممثليهم في الكنيست: "لقد أعلنت أكثر من مرة، أن إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة، اعترف بها العالم .... ولما كنّا نريد السلام، فعلاً وحقًّا، فإننا نرحب بأن تعيشوا بيننا، في أمن وسلام، فعلاً وحقًّا". وقد أوفى السادات فعلاً بوعده ووقع معاهدة سلام لا تزال سارية حتى اللحظة بين مصر وإسرائيل رغم كل ما طاردها من هجوم وانتقادات في وقتها. الأكثر من ذلك، أن الدول العربية الرافضة قد أخذت تلين وتبدل مواقفها الماضية وتسلك طريق السلام تجاه إسرائيل، بداية بالأردن وانتهاء بالإمارات والبحرين وما يتردد حول السودان والسعودية وسائر الدول العربية. إذا كان السادات قبل 43 عاماً "أراد السلام، فعلاً وحقاً"، على حد قوله، هل أصبح قادة الدول العربية يريدونه اليوم كذلك، "فعلاً وحقاً"، مثلما فعل السادات ورفضوه بشراسة في الماضي؟ ماذا تبدل اليوم عن الأمس واستلزم من الدول العربية تبديل مواقفها تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية؟

بداية، هناك جملة من الحقائق والمتغيرات بعضها قائم منذ أيام السادات والآخر مستحدث ربما تضطر الدول العربية الآن إلى القبول بالدولة الإسرائيلية والتعامل والتعاون معها في السر أو العلن، وسواء بمعاهدات سلام وتعاون أو من دونها.

* دولة الأمر الواقع: كما صرح السادات قبل 43 عاماً مضت، "إسرائيل أصبحت حقيقة واقعة، اعترف بها العالم...."، ولا تملك أي من الدول العربية، أو حتى كل الدول العربية مجتمعة، تغيير هذا الواقع. السادات أدرك هذه الحقيقة مبكراً، لكن معظم الزعماء العرب احتاجوا وقتاً أطول. إسرائيل، مثل الكويت، حتى لو كانت متناهية الصغر والضعف لا تزال دولة معترف بها من الأمم المتحدة ولن تستطيع دولة، مثل العراق، أو تحالف من الدول مهما تعاظمت قدراته العسكرية أن يغير هذا الاعتراف الدولي.

* مصر تبقى رمانة الميزان: كان السادات، مجازياً ومنفرداً، في أثناء توقيعه بالأصالة عن الدولة المصرية يوقع بالفعل معاهدات سلام منفصلة بالنيابة عن جميع الدول العربية كل على حدة. بحكم التاريخ والجغرافيا، تتبوأ مصر إزاء القضية الإسرائيلية/الفلسطينية على وجه التحديد موقعاً لا تعوضه أي دولة عربية أخرى. لذلك، حين تقرع مصر طبول الحرب ضد إسرائيل سيسمع الجميع دويها عالياً عبر أرجاء الدول العربية كافة، وحين تمد مصر يد السلام إلى إسرائيل سيطوق ذراعها كل المنطقة لا محالة، عاجلاً أو آجلاً. في الواقع، لا حرب ضد إسرائيل إذا لم تحارب مصر، والسلام مع مصر هو في الحقيقة سلام مع العرب كافة، عاجلاً أو آجلاً.

* ثورات الربيع العربي: رياح الربيع العربي قد أسقطت بالفعل ورقة التوت عن كافة أنظمة الحكم العربية، سواء التي شهدت أو لم تشهد احتجاجات وانتفاضات وتظاهرات ضدها، الجمهورية والملكية على حد سواء. انفضح المستور وأصبح الكل يلعب على المكشوف، من أجل البقاء والمصلحة الذاتية. تغيرت الموازين واختلت وانقلبت في عموم المنطقة. في أثناء ذلك ونتيجة له، ظهرت الأطماع الإقليمية لسد الفراغ الناشئ، خاصة من القوتين الإقليميتين الأكبر إيران وتركيا. حاولت إيران اختراق المنطقة مستغلة الثغرات المذهبية مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، بينما امتطت تركيا في المقابل حصان الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي. لا تزال أشواط اللعبة الإقليمية جارية على قدم وساق، وتحاول الأنظمة العربية جاهدة ردم الثغرات التي خلفتها أنواء الربيع العربي العاتية. في هذا السياق، تعرض إسرائيل نفسها بقدراتها العسكرية والاستخباراتية المتقدمة أصلاً ثميناً.

* ثمار شجرة السادات للسلام: لقد غرس السادات شجرة للسلام مع إسرائيل رغماً عن أنف كل الزعماء العرب آنذاك. المفارقة أنه رغم كل الانتقادات القاسية التي قد طالت السادات في حياته وحتى اليوم لم تمتد يد زعيم عربي بسوء يذكر إلى شجرة السلام. الأعجب لا يزال، كان الزعماء العرب من وقت لآخر يستظلون بذات الشجرة البغيضة، ويستفيدون من بعض ثمارها في الخفاء. ثمة تعاون وتبادل للمصالح كان ولا يزال يجري في الخفاء بين إسرائيل وعديد من الدول العربية التي لا تربطها بالدولة العبرية علاقة رسمية، منذ اتفاقية السلام المصرية إلى الوقت الحاضر.

في النهاية، الصورة واضحة وجلية بذاتها. مصر السيسي ترمي بثقلها التنموي والتعميري شرقاً باتجاه إسرائيل مروراً بالعاصمة الإدارية الجديدة ومثلث قناة السويس؛ كذلك سعودية سلمان ترمي بثقلها التنموي والتعميري غرباً باتجاه إسرائيل مروراً بمدينة نيوم بتكلفة تقديرية 500 مليار دولار. في هذه المنطقة، ستتلاقى كل من مصر والسعودية، أكبر وأهم دولتين عربيتين، مع كل من الأردن وإسرائيل. فهل تستثمر السعودية، أو مصر، هذه المليارات من الدولارات لكي تشعل حرباً مع إسرائيل بعد عشر، عشرين، ثلاثين، أو خمسين سنة من الآن؟ أم أن شجرت السادات قد بسطت جذورها أكثر واخضرت وأثمرت بعد 43 عاماً من غرسها غصناً للسلام؟

السلام قائم بالفعل بين العرب وإسرائيل منذ 43 عاماً. وما تشهده العلاقات العربية- الإسرائيلية حالياً لا يحمل من السياسة قدر ما يحمل من الاقتصاد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - مقتل السادات ورابين مقتل السلام
عبد الله اغونان ( 2020 / 12 / 16 - 15:48 )
مادام الشعبان الإسرائيلي والشعوب العربية ترفض مايسمى بالسلام فلا سلام ولو تم بين كل الأنظمة وبين اسرائيل

اخر الافلام

.. أشرف عبد العزيز: هذه المنطقة هي منطقة إستراتيجية لذلك هناك أ


.. بلا حدود - مع رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة


.. مصر وتركيا: المحادثات المصرية التركية تركز على تطبيع العلاقا




.. ما وراء الخبر - عيدروس يتحدث عن دولة مستقلة جنوب اليمن.. ما


.. مصر وتركيا نحو التطبيع.. ما شروط القاهرة؟