الحوار المتمدن - موبايل


التهجين اللغوي للخطاب العربي

زهير الصباغ

2020 / 12 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


مدخل

يتعمد بعض العرب، خاصة من الطبقة الوسطى والمثقفين، على التحدث أو الكتابة بلغة عربية هجينة وغريبة الاطوار، جزء منها عربي ومفاصلها اجنبية. ويستخدم بعضهم مصطلحات إنكليزية، واحيانا فرنسية او عبرية، لها ما يقابلها بالعربية، يقومون بنثرها داخل نص عربي هزيل ورث، قد يكون مكتوبا أو محكيا. وبعضهم الاخر يضيف لكنة اجنبية للجزء العربي من هذا الخطاب المحكي والهجين. وتشكل هذه السلوكيات ظاهرة غريبة ولكن ليست جديدة.

وتتم هذه الظاهرة بشكل واع ومتعمد عن طريق المحاكاة، أو بشكل غير واع وغير متعمد. ويعتقد من يمارسها بانها نوع من الرقي الحضاري، ويصبح في نظرهم من لا يمارسها بانه غارق في غياهب التخلف. ويقوم البعض الاخر بتعريب غبي لكلمات إنكليزية، ربما لجهله باسمائها العربية، كقوله "بركت الكار"، واستأجرت "أفس مكندش ومهيت"، أو "شطط الشباك".

وهنا يجب حصر الظاهرة بهدف فهمها ومعالجتها بشكل سليم. فالظاهرة التي نحن بصددها ليست ظاهرة إزاحة واستبدال اللغة العربية كما حدث في الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي. وهي ايضا ليست ظاهرة استخدام بعض الاسماء الاجنبية للاجهزة الكهربائية. ولا تشمل هذه المجموعة من يستخدم، عند الضرورة، بعض أسماء ومصطلحات علمية أجنبية لا يوجد لها بديل او مصطلح عربي مقابل.

توجد حاجة للتنويه هنا، وقبل المباشرة في تناول ومعالجة هذه الظاهرة، ان الدراسة الحالية تتناول مجموعة من العرب تمزج عمدا خطابها العربي مع خطاب اخر بلغة اجنبية قد تكون الانكليزية، الفرنسية، العبرية، والاسبانية. مجموعة العرب التي نحن نقصدها ونحاول ان نفهم دوافعها هي التي تختار عمدا ان تمزج خطابها العربي المحكي أو المكتوب بكلمات ومصطلحات أجنبية لها بديل عربي. وتتم عملية التهجين بشكل منهجي لتصبح نمطا مميزا لاسلوب تخاطبهم وكتابتهم.

عملية التهجين اللغوي في بعض المجتمعات

إن تهجين الخطاب المحكي والمكتوب هي ظاهرة منتشرة في كافة المستعمرات السابقة والحالية في العالم الثالث. وتتمثل هذه الظاهرة في قيام جزء من المستَعمَرين بتهجين خطابهم بمفردات ومصطلحات وتعابير بلغة المستعمِر. وقد لاحظ كويسي كوا برا، أستاذ علم الاجتماع في جامعة غانا، وجود هذه الظاهرة لدى بعض الغانيين، فكتب يقول:

... ويرجع ذلك لوجود حالات من البشر اللذين، يدَّعون، بعد غيابهم لسنتين أو لثلاثة في أوروبا، بأنهم لا يستطيعون ألتحدث بلغة الأم ... إن إستخدام لغة غربية في أفريقيا هو أمر ذو قيمة بحيث أن ألكثير من الأفارقة وألذين يستخدمون لغة الأم، يحولون خطابهم وينثرون لغتهم بمفردات وتعابير إنكليزية أو فرنسية، وذلك لاظهار مستواهم ألثقافي "ألرفيع". ( Kwesi Kwaa Prah, “Education,Mother-Tongue Instruction, Christianity And Development of an African National Culture” (Cape Town: Centre for Advanced Studies of African Society) www.casas.co.za , accessed on 5-10-2005)

لا أعتقد أن كويسي يتخذ موقفا من هؤلاء الذين يملكون معرفة وإتقان أللغة ألفرنسية أو إلانكليزية. إنه ينتقد عملية ألتهجين أللغوي وتناسي لغة الأم من قبل بعض ألغانيين. لا شك ان الانكليزية هي لغة مهيمنة على عالم الاتصالات والتكنولوجيا والمعلوماتية، ولذلك يعتبر اتقانها مهارة ضرورية مطلوبة للانسان العصري الذي يرغب في مواكبة التطور والرقي والتقدم. وبناء على ذلك، فلا يوجد مأخذ على من يسعى لاتقانها بل على من يصر على جهلها. وتقع ألمشكلة ليس في معرفة لغة أجنبية، بل في تهجين لغة الأم بمفردات وتعابير ومصطلحات مستعارة من لغة أجنبية.

وكما أسلفنا، فظاهرة تهجين ألخطاب ألمحكي وألمكتوب هي ظاهرة منتشرة وموجودة في كافة ألمجتمعات ألمستعمَرة سابقا ولاحقا، حيث فرض المستعمِرون لغتهم وثقافتهم على المستعمَرين، وقاموا في الوقت ذاته بتهميش أللغة وألثقافة المحلية. ولنأخذ مثالا آخر من الفلبين وألتي إستعمرت من قبل إسبانيا لمدة 313 سنة (1585 -1898) ومن قبل الولايات لمدة 57 عاما (1898-1946) 2 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia (1996) USA, Grolier Incorporated) ( وخلال فترتي ألاستعمارين، تم فرض لغة المستعمِر على مدارس الفلبين. ونتيجة لاستعمار الفلبين لمدة 370 سنة استطاع ألاستعمار، خاصة ألامريكي، فرض لغته على ألشعب الفلبيني. وتبرز اليوم ظاهرة تهجين الخطاب ألمحكي في لغة التاجلوج، إحدى أللغات الوطنية المهيمنة في ألفلبين.

تشير ألشاعرة الفلبينية، روت مبانجلو، إلى الممارسة ألشائعة في الفلبين، وهي دمج مفردات انكليزية داخل لغة ألتاجلوج الفلبينية، وتحويل ألخطاب منها للانكليزية لدرجة تطوير لغة مغايرة تدعى تاجلش أو إنجالوج (Labrador, Roderick Niro,”The Poems of Ruth Mabanglo”, www2.hawaii.edu, accessed on 5-10-2005)

لا يقتصر ألتهجين أللغوي على إقحام مفردات وتعابير من لغة أوروبية داخل ألخطاب ألمحكي والمكتوب للغة من ألعالم ألثالث، بل يتعداه إلى تهجين لغة أوروبية بلغة أوروبية أخرى. يقوم بعض ألكنديين من أصول فرنسية، في مقاطعة الكيبيك في كندا، حيث لغة الأم هي ألفرنسية، بتهجين لغتهم الفرنسية بالانكليزية. هذا ما لاحظته ألكاتبة أللبنانية جمانة حداد وألتي كتبت مقالا بهذا ألصدد أكدت فيه وجود هذه ألظاهرة، ليس في كندا فقط بل أيضا في فرنسا.

مما لا شك فيه أن ألجدال حول إجتياح المفردات ألانكليزية للغة ألفرنسية ليس جديدا، خصوصا في ألبلدان ثنائية أللغة على غرار كندا مثلا حيث تشن مقاطعة ألكيبيك منذ وقت طويل نضالا شرسا ومستبسلا في سبيل حماية هويتها ألفرنسية من ألتهجين ألانكليزي. وصحيح كذلك أن ألفرنسية تتضمن عددا هائلا من ألكلمات من أصول متنوعة, وأن ألفرنسية وألانكليزية لغتان لم تكفا عن ألثأثير واحدتهما في ألاخرى منذ ما يزيد على ألف عام. ولكن بعيدا عن ألتبادل وألتلاقح ألطبيعي أللذين يشكلان جزءا لا يتجزأ من تطور أللغات ألمختلفة وعملية إحيائها ألدائمة من جهة، وألكفاحات أللغوية ذات ألطابع ألقومي أو ألانغلاقي ألكاره للأجانب والشعارات ألشوفينية من ثانية، ألاكيد أيضا أن نزعة تقليد ألامريكيين، في فرنسا تحديدا وفي ألعالم عموما، باتت تدرك يوما بعد يوم مستويات خطيرة من ألتأزم تكاد تحادي ألاذلال ... (جمانة حداد "الجدال يحتدم بين حماة الفرنسية و"مؤنكليزيها"، ملحق النهار الأدبي، 4/5/2003 www.joumanahaddad.com)

وتظهر سمات ظاهرة التهجين أيضا في ألمجتمع ألعربي ويمكن ملاحظة جوانبها ألمختلفة على ألوجه ألتالي.

(ا) تهجين الخطاب العربي

تظهر عملية تهجين الخطاب العربي، المحكي منه والمكتوب، في كافة المجتمعات العربية كونها كانت مستعمرات سابقة. فهي تظهر في المشرق العربي وفي المغرب العربي، ولا يخلو مجتمع من ممارستها. وسوف تقتصر هذه الدراسة على ظاهرة التهجين اللغوي في المجتمع العربي الفلسطيني، وذلك لكوننا ننتمي اليه ونعيش في داخله ولذلك نستطيع ملاحظة مظاهر وجود هذه الظاهرة.

يهجن بعض الكتاب لدينا، لغته المكتوبة بإقحامه مصطلحات ومفردات انكليزية، لها ما يقابلها بالعربية، وذلك داخل النص المكتوب. ويظهر النص العربي منثورا بكلمات انكليزية لا ضرورة علمية أو وظيفية لذكرها. وكأن الكاتب يبغي ان يظهر للقاريء مدى معرفته وإلمامه باللغة المهيمنة، وبالتالي "مستوى" رقيه الحضاري. ويظهر هنا الدافع الخفي لهذا التهجين اللغوي. انه دافع نفسي وليس علمي، فمعرفة اللغة الانكليزية المهيمنة ليس بالمهمة الخارقة في صعوبتها وهي متاحة للجميع. وهذه المعرفة لا تحتاج لاظهار ولاثبات علمي داخل كل نص مكتوب أو خطاب محكي.

(ب‌) لافتات أجنبية في ألمدن ألعربية

يطلق البعض منا أسماء اجنبية على عدد من الاماكن ذات الصبغة الاقتصادية أو ألخدماتية. وتظهر هذه الأسماء ألمفرنجة على كل من اللافتات التجارية للدكاكين، والمتاجر والمجمعات التجارية، وبعض الكراجات، وصالونات تصفيف الشعر للنساء وصالونات الحلاقة للرجال، والفنادق والمطاعم والمقاصف والمقاهي، والمكاتب، وعلى المدارس الخاصة وبعض المعاهد، وألمشافي، وحتى على العمارات السكنية. وتتنوع هذه أللافتات بإنتماءات أسمائها ألثقافية، ولا تظهر ضرورة تجارية واضحة لفرنجة أسمائها إلا إذا كانت فروعا لفنادق أو معاهد أجنبية.

(ج) تهجين فني وأسماء أجنبية

تقوم بعض الفضائيات "ألعربية" ببث أغنيات عربية مهجنة، وألتي أصبح البعض منها مؤخرا عربيا بألاسم وأعجميا في ألجوهر. وتستخدم بعض أغاني "الفيديو كليب" خلفيات ثقافية مغايرة للهوية الثقافية للمغني او المغنية. فتظهر المغنية أو ألمغني بلباس اوروبي، ويرقصان على انغام وايقاعات اوروبية في شوارع مدينة اوروبية، ويحيط بهما عددا من الراقصات الاوروبيات المحترفات. وأحيانا يشاركهما الغناء مغني أوروبي بوصلة غناء بلغة أوروبية. وتظهر هذه ألخلطة ألغريبة هيمنة أوروبية لدرجة تخال ألمغني-ألمغنية بألعربية وكأنهما دخيلان يقتحمان أغنية أوروبية. وتعكس هذه ألحالة ثقافة ألتهجين ألفني، وهي تقليد ومحاكاة ميكانيكية لأغاني "الفيديو كليب" الغربية. وتظهر الميل لتهجين وتسطيح الفن الغنائي المرئي، ويقف ورائها مخرجي ومنتجي هذه "الفيديو كليبات" من العرب "العصريين" ألمتفرنجين.

ويطلق البعض منا أسماء اجنبية على أبنائنا وأكثر على بناتنا، وهذه الظاهرة منتشرة في كافة المجتمعات المستعمَرة ومنها مجتمعنا ألفلسطيني. ويقوم بترويج هذه ألاسماء مغنيات ما يسمى "الفيديو كليب" في محطات ألتلفزيون ألفضائية، أللواتي يستعرن هذه ألاسماء ألاجنبية ليستبدلوا بها إسمهن ألعربي. ويعتقد هؤلاء من أصحاب مدرسة الأوربة والأمركة وألفرنجة أن الاسم ألاجنبي "أجمل" و"أرقى حضاريا" من ألاسم العربي.

(د) هيمنة العبرية على خطاب بعض من عرب ألداخل

تنتشر بين بعض المثقفين وبعض العمال من عرب 1948، وخاصة طلبة وخريجي الجامعات الاسرائيلية، ظاهرة تتمثل بمزج خطابهم العربي بكلمات ومصطلحات عبرية لها مقابل بالعربية. ويذهب البعض منهم الى المبالغة بذلك لدرجة كبيرة بحيث لا تخلو جملة واحدة من خطابه من مصطلح او كلمة عبرية. ويدعي بعض هؤلاء ان لغته العربية غير كافية كأداة للتعبير عن افكاره واحاسيسه، لذا يلجأ لاستعارة ما يعبر به عن افكاره من لغة أخرى.

لا يعترف هؤلاء أن إلمامهم ومعرفتهم باللغة العربية وصلا مرحلة متردية بحيث هيمنت على خطابهم لغة أخرى. ويتباهى بعض هؤلاء بكون لغته العربية فقيرة جدا لكونها لغة "عاجزة وغير متطورة" لا تصلح كأداة عصرية للتعبير. ووصل البعض الاخر الى التباهي بجهله اللغة العربية ومعرفته للغة الاجنبية بشكل افضل بكثير.

ان عملية مزج الخطاب العربي بالمصطلحات والكلمات العبرية يصل بالشخص، بعد مدة من الممارسة، الى مرحلة ينتقل فيها التفكير من لغة الأم إلى لغة الآخر، لغة المستعمِر. وهذا بدوره يقود هذه النماذج البشرية الى حالة من ألاغتراب الثقافي. ونتيجة لهذه الغربة الثقافية تنشأ حواجز ومسافات تفصلهم عن اعضاء مجتمعهم وعن هويتهم الوطنية التي تبدأ في التبدل.

(هـ) هيمنة ألانكليزية على خطاب بعض العرب

يشير عالم أللغة العربية ألفلسطيني إلياس عطا ألله إلى ظاهرة ألتهجين أللغوي وهيمنة أللغة ألانكليزية على خطابنا ألعربي وذلك بين بعض ألجامعيين ألعرب. لقد لاحظ وجود هذه الظاهرة اثناء زيارته للقاهرة وعمان، وعبر عن نقده لها بالكلمات التالية:
... المثير للشفقة لا للقلق هم أولئك الّذين يتحدّثون بغير العربيّة من أبناء السّراة وطلبة الجامعات وغيرهم من بعض الشرائح المجتمعيّة، ولكل دافعه المرفوض... كنت أتخيّل أنّ أبناءنا الجامعيين في العواصم العربيّة، ولم أزر إلا القاهرة وعمّان، يتحدّثون العربيّة بينهم، وكم كانت الإنجليزيّة "الفصحى" لغة الحوار في جلساتهم! شيء ما مأزوم فينا، ولعلّ الأمر عارض، وهذا ما أرجوه... أمّا إن كانت وراءه أزمة خبوّ انتمائي أو جهل بالعربيّة، فهذه هي الطّامّة... ونحن المسؤولون أوّلا وأخيرا.

وتصل عملية التهجين اللغوي بالبعض الى التبني الكلي للغة الانكليزية واستخدامها كلغة للتخاطب الاسري. وكتب على درويش، استاذ الترجمة في جامعة ميلبورن باستراليا، ما يلي في وصف هذه الظاهرة:

هناك من يزعم أن اللغة العربية آخذة في الانحسار والتراجع في الوطن العربي. ولعل في هذا الزعم شيئاً من الصحة. فثمة طائفة من الناس تعتقد أن التشدق بلغة أجنبية هو السبيل الوحيد إلى الرقي الاجتماعي والوصول إلى مراكز مرموقة في مجالات شتى. فتجدهم ينصرفون عن اللغة العربية ويرسلون أبناءهم إلى مدارس أجنبية ويتحدثون معهم بلغة أجنبية فتجد الأب والأم يحادثان ابنهما بلغة إنجليزية أو فرنسية منقوصة محدودة في أغلب الأحيان، وكأنّ أبويه شكسبيير وشارلوت برونتي أو فولتير وماري أنطوانيت ما شاء الله. ولكن هذا لا يعدو كونه نزوة وزيغاً وانحرافاً لا يتخطى طبقة قليلة مترفة متخمة من المجتمع أو فئة موسرة من النخب المثقفة أو المستثقفة أو المستلبة أو طائفة مُنعمة مستنعمة من البشر.( علي درويش "لغة أجنبية وأصوات عربية: ظاهرة الاستغراب الفكري واللغوي في اللغة العربية الحديثة"، www.elaph.com ، تم الدخول للموقع بتاريخ 30/9/2005)

لا تقتصر هذه السلوكيات على بعض العرب، فظاهرة التبني الكلي للغة المستعمِر تنتشر بين العديد من المستعمَرين سابقا خاصة ألطبقات ألوسطى ألتي نشأت تحت سقف أحد ألمشاريع ألاستعمارية. فبعض الأفارقة من ألبرجوازية ألصغيرة لا زال يتبنى لغة ألمستعمِر بالرغم من انحسار ألاستعمار في بلدهم. ويروي لنا ألمحاضر الغاني كويسي ما يلي عن بعض هؤلاء.

"... يوجد العديد من أعضاء ألنخب الأفريقية وألذين، كزوج وزوجة، يتحدثون لغة الأم ولكنهم يصرون على مخاطبة أبنائهم فقط بالانكليزية، ألفرنسية، أو ألبرتغالية. ونتيجة لهذه ألممارسات سينشأ أولادهم وهم عديمي ألمقدرة على ألتخاطب بلغة أجدادهم." ( 7. Kwesi Kwaa Prah, op. cit.)

ويظهر بوضوح أن ألضرر ألذي يحدثه هذا ألسلوك ألاجتماعي يتقاطع مع ألمؤثرات ألسلبية ألتي يخطط ألمستعمِرون لاحداثها لدى ألشعوب ألمستعمَرة وهي سلخها عن لغتها وموروثها ألثقافي وفرض لغة وثقافة ألمستعمِر على ألمستعمَر.

(و) هيمنة لغة المستعمِر والغزو الثقافي

سعى الاستعمار الى فرض ثقافته ولغته على المستعمَر، وشكل ذلك جزءا من عملية ألاخضاع والهيمنة الاستعمارية. وفرضت إلادارات إلاستعمارية لغة وثقافة الاستعمار على ابناء المستعمرة في عدد من المدارس والتي أنشأتها لتثقيف وتدريب بعض أبناء المستعمرة ليصبحوا إداريين صغار لمساعدة جهاز الحكم الاستعماري. هذا ما حدث في كينيا التي إستعمرت من قبل بريطانيا في الفترة 1920-1963.( 8 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia, op. cit.) ويذكر الكاتب الكيني نجوجي واثيونجو أن السلطة الاستعمارية البريطانية انشأت مدارس استعمارية في بلده كينيا حيث إستخدمت اللغة الانكليزية كلغة التدريس والتخاطب الوحيدة في هذه المدارس. ويتذكر الكاتب كيف منع من التكلم بلغته الجيكويو في داخل المدرسة، وكيف كان يتم معاقبة المخالفين بالضرب وبلبس يافطة كتب عليها "أنا غبي" أو "أنا حمار".(9 Ngugi Wa Thiong’o (1981) ‘The Language of African Literature’ Decolonizing the Mind: The Politics of Language in African Literature (London: James Currey). As in Ashcroft, Bill, Griffiths, Gareth and Tiffin, Helen (ed.) The Post-Colonial Studies Reader (London and New York: Routledge) p. 288)

وحتى بعد مغادرة الاستعمار تبقى في بعض المستعمرات مدارس تتبع النهج ذاته فتواصل فرض لغة المستعمِر على طلبتها، وهي بذلك تساعد في تواصل الغزو والهيمنة الثقافية للمستعمِر. هذا ما حدث للعرب في لبنان الذي استعمر من قبل فرنسا في الفترة 1919-1943.( 10 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia, op. cit) ويتذكر الفنان مارسيل خليفة ما يلي عن احدى تلك المدارس.

عمشيت مثل أي ضيعة في جبل لبنان، كانت فيها الارساليات الاجنبية هي واجهة الناس ليتعرفوا على الحياة. دخلت مدرسة الفرير وبدأت التعرف الى اللغة الفرنسية قبل التعرف الى العربية. وأذكر بأننا كنا ننال عقوبة (سينيال) إذا ضبطنا ونحن نتكلم العربية...( 11 مارسيل خليفة: "عندما تصبح أغانينا تقريرا سياسيا تتوقف عن إعطاء فعاليتها"، حوار مع مارسيل خليفة، مجلة ألحان، العدد 29، 19/9/1981، ص 37)

يعتقد فرانس فانون أن جزء من ألصدام بين ألمستعمِر وألمستعمَر يرتكز في ألحقل أللغوي ألثقافي، حيث تجري عملية تفكيك وهدم البنية أللغوية-ألثقافية للمستعمَر لتستبدل بالبنية أللغوية-ألثقافية للمستعمِر. وقد أكد فانون ذلك في كتابه "ألجلد ألاسود وألاقنعة ألبيضاء" حيث يقول:

كل شعب مستعمَر – بكلمات أخرى، كل شعب تم تطوير مركب ألشعور بالنقص داخل جوهره من خلال ألقضاء على ودفن أصالته ألثقافية – يجد نفسه وجها لوجه أمام لغة الأمة جالبة ألمدنية، أي أمام ثقافة ألدولة ألمستعمِرة. ويتم رفع ألمستعمَر فوق مكانته في ألغابة بقدر تبنيه للمعايير ألثقافية للدولة ألمستعمِرة.( 12 Fanon, Frantz (1967) Black Skin, White Masks, Translated by Charles Lam Markmann (New York: Grove Press), p. 19)

ولكن بعض ألمستعمَرين يتبنون موقفا مزدوجا تجاه لغة ألمستعمِر، فهم يرغبونها ويعترفون بكونها وسيلة للتقدم ألاجتماعي، ولكنهم في قرارة أنفسهم يكرهونها لكونها لغة ألمستعمِر وإحدى وسائل ألاضطهاد ألاستعماري. وأكدت هذين ألموقفين ألمتناقضين، ألكاتبة ألعربية رينات زهار وذلك في كتابها "فرانس فانون: ألكولونيالية وألاغتراب" وألذي جاء فيه ما يلي:

من الممكن القول أنه كقاعدة فإن علاقة المستعمَر مع لغة الهيمنة الاستعمارية تظهر لديه مواقف ومشاعر متناقضة. إنه يشتهيها ويحترمها كوسيلة للتسلق ألاجتماعي، بينما، وفي ألوقت ذاته، يكرهها ويخاف منها كونها وسيلة للحكم ألاستعماري.( 13 Zahar, Renate (1974) Frantz Fanon: Colonialism And Alienation, Translated by Willfried F. Feuser (New York and London: Monthly Review Press), p. 44)

وخلال مرحلة ألاستعمار، تظهر لدى ألمستعمَر إزدواجية لغوية، فهو من جهة يتواصل مع لغته ويستخدمها نوعا ما، ولكنه أيضا يتعلم لغة ألمستعمِر ويستخدمها في ألمدرسة وألعمل وفي جميع مناحي ألحياة. ولا تشكل هذه ألحالة ثنائية لغوية، بل هيمنة للغة ألمستعمِر وتناقض بين أللغتين. هذا ما أكده ألكاتب ألتونسي ألبرت ميمي وذلك في كتابه "ألمستعمِر وألمستعمَر"، حيث كتب:

... إن إمتلاك لغتين لا يعني حيازة وسيلتين، بل يعني، في ألحقيقة، ألمشاركة في عالمين ثقافيين ونفسيين. وهذين ألعالمين، هنا، يُرمز لهما ويتم نقلهما بواسطة لفتين موجودتين في صراع، كونهما لغة ألمستعمِر ولغة ألمستعمَر.( 14 Memmi, Albert (1965) The Colonizer And The Colonized (Boston: Beacon Press), p. 107)

وتشكل لغة الاستعمار جزءا مهما من ثقافة ألمستعمَر، وعنصرا اساسيا في عملية الغزو الاستعماري الثقافي والتي تتواصل حتى بعد التحرر السياسي. وفي تحليله لظاهرة الغزو الثقافي، يؤكد الكاتب البرازيلي باولو فرير ما يلي:

"... أنه لأمر اساسي في الغزو الثقافي أن يصل من ثم غزوهم الى رؤية الواقع بمنظار الغزاة بدلا من خلال منظارهم، وذلك لانه كلما إزداد تقليدهم للغزاة، كلما اصبحت مكانة الغزاة اكثر استقرارا."

ويصف باولو فريري عملية تقليد الغزاة بانها تصل الى مرحلة الدونية والاغتراب الثقافي التي تظهر في المحاكاة واللباس والكلام.

ومن اجل ان ينجح الغزو الثقافي لا بد لمن تم غزوهم أن يقتنعوا بتدني مكانتهم من حيث الجوهر.وبما ان لكل شيء نقيضه، وما دام من تم غزوهم يعتبرون انفسهم أحط مكانة، فانهم يعترفون بالتالي، برفعة مكانة الغزاة، ومن ثم تصبح قيم الاخرين، أي الغزاة، النموذج بالنسبة لهم. وكلما إزداد تعميق الغزو وأصبح من ثم غزوهم اكثر إغترابا عن روحية ثقافتهم وعن ذاتهم، كلما إزدادت رغبتهم في أن يكونوا مثل الغزاة، يسيرون مثلهم، يلبسون مثلهم ويتكلمون مثلهم.( 16المصدر ذاته)

ويشكل ألتهجين أللغوي نتيجة لعملية ألغزو ألثقافي للدول ألاستعمارية، وتقوم يتعزيز ألدونية لدى ألمستعمَرين، وتزيد من إغترابهم عن لغتهم ألوطنية، ويساعد في فكفكة وحدتهم ألثقافية، وفي خبو إنتمائهم ألوطني.

مؤثرات ألتهجين أللغوي

ومن أجل ألوقوف على مؤثرات ألتهجين أللغوي، علينا إعطاء تقييم لمكانة أللغة ودورها كوعاء للثقافة وحاملة للقيم، وأساسا للهوية وكأداة تزودنا بخبرة ونظرة معينة للحياة. وفي معرض تقييمه للغة كأداة ثقافية تلعب دورا في صياغة ألذات وألهوية ألجماعية للشعوب، يعتقد ألكاتب دانيال بل أن لغات معينة تشمل:

... طرقا مميزة في إختبار ألعالم وفي تعريف ذواتنا. أي، أننا لا نتحدث فقط بلغات معينة، ولكننا نصبح، وبشكل أكثر أساسي، ألشخص ألذي نصبحه بسبب ألمجموعة أللغوية ألتي ننشأ داخلها. فأللغة، تشكل، فوق كل شيء، ألطرق ألمميزة لكينونتنا في ألعالم. وتشكل أللغة، عندها، أداة نقل لهوية شعب، والأداة ألتي تزودنا بنظرة محددة في رؤية الأمور، وبألخبرة ألحياتية وألمشاعر، وفي ألحصول على وجهات نظر محددة في ألحياة.( 17 Bell, Daniel (1993) Communitarianism and its Critics (Oxford: Clarendon Press) pp. 158-59. As quoted by Afolayan,Shina “The Question of a Past Colonial Culture: Language, Ideology and Cultural Essentialism”, Jouvert, Vol. 7, Issue 1, 2002, www.social.chass.ncsu.edu, accessed on 15-9-2005)

وتُظهر هذه ألمكانة أن أللغة لا تشكل وسيلة إتصال بين البشر فقط، بل مستودعا يحوي عناصر أخرى. فكل لغة تنتمي لشعب وثقافة وحضارة وتراث وقيم وهي لذلك أداة اتصال مشحونة ثقافيا وحتى عقائديا. ولا يستطيع من يستخدم لغة أخرى غير لغة الأم أن يقوم بنزع وتحييد شحنتها ألثقافية-ألعقائدية لأنها متداخلة مع أللغة وتشكل جزءا منها. وأكد ألكاتب ألغيني كويسي وجود هذه ألشحنة ألثقافية-ألعقائدية على ألوجه ألتالي:

تشكل أللغة رزمة ثقافية تزود مستخدمها بأكثر من وسيلة إتصال. إنها تشكل نافذة على ثقافة متحدثي أللغة. إنها تحوي صورا من تاريخ أصحاب هذه أللغة وهي ألوسيلة ألرئيسة للدخول إلى ثقافة معينة. إنها تشكل مخزنا للقيم، وإلاعتقادات، وألمواقف، وألميول. وعند ألتخاطب بلغة ما، فإن ألمتحدث يدخل في حوار مع أصحاب هذه أللغة. وعندما تصبح أللغة ألمحكية هي أللغة ألمهيمنة للمستخدم، فإنه، عندها، يصبح، في ألحقيقة عضوا في ثقافة أللغة ألمهيمنة.( 18 Kwesi Kwaa Prah, op. cit.
)

ويشكل التهجين اللغوي ألمتواصل، ونتيجته ألحتمية من الاقتباس والتبني لثقافة المستعمِر، نوعا من الاغتراب الثقافي وألذي يؤثر سلبا على توافق الفرد مع محيطه ومع ثقافته ولغته. وتضع عملية ألتهجين أللغوي ألفرد في عالمين متناقضين حيث يستخدم لغة الأم ولغة ألمستعمِر في ألوقت ذاته ألامر ألذي يضعه تحت وطئة هيمنة لغة ألمستعمِر على وعيه وتفكيره. ويؤدي هذا ألتخبط في ألتناقض إلى هشاشة في ألتواصل مع ألموروث الثقافي ألوطني، وإلى فقدان أية مرجعية ثقافية واضحة، وربما إلى خبو في ألهوية ألوطنية والانتماء الوطني للفرد.

ومن أجل تحليل جوانب أخرى لظاهرة التهجين أللغوي بهدف فهمها، يتوجب علينا العودة الى بداية ظاهرة أخرى هي الظاهرة الاستعمارية وذلك لارتباط الظاهرتين مع بعض. فالتهجين اللغوي يتم مع لغة الاستعمار المهيمنة الانكليزية، والفرنسية، والعبرية، والاسبانية.

دوافع ظاهرة ألتهجين أللغوي

يقوم الاستعمار، مباشرة بعد ترسيخ السيطرة العسكرية، بهدم البنية الاقتصادية-الاجتماعية القائمة داخل المستعمَرة الجديدة، ويستخدم من أجل ذلك، سياسة خسيسة من النهب والقمع والبطش والعنف الاستعماري المتواصل. ويسيطر الاستعمار، خلال مرحلة حكمه، على اقتصاد المستعمرة فيحوله الى اقتصاد تابع وأسير ليخدم المصالح النهبوية الاستعمارية. وتظهر التبعية للمركز الاستعماري ليس فقط في الجانب الاقتصادي-السياسي، بل ايضا في جوانب أخرى أهمها الوعي الاجتماعي الذي يساهم الاستعمار في إعادة صياغته وتشكيله بحيث يكرس، من خلال ألدونية، التبعية حتى بعد مرحلة التحرر السياسي للمستعمَرين.

يرتكز الوعي الاجتماعي الذي يتشكل داخل المستعمَرة على هيمنة ثقافة ولغة المستعمِرين على المستعمَرين. ويقوم المستعمِرين، في الوقت ذاته، بتبخيس الانسان المستعمَر والحط من قيمته الانسانية، كما ويقومون بتهميش كل من اللغة أو اللغات المحلية، والموروث الثقافي والتراثي المحلي للمستعمَرين. وتصبح، بعد مدة، لغة وثقافة المستعمِر هي اللغة المهيمنة في مدارس المستعمَرين ومناهجهم، كما وفي الادارات الاستعمارية والقوانين. وتطغى لغة الاستعمار على أسماء الشوارع وأحيانا كثيرة على جغرافية المستعمَرة.

ويظهر من ذلك أن الرسالة ألثنائية التي يود المستعمِرون إدخالها لوعي المستعمَرين هي أن لغة وثقافة المستعمِرين هي ألارقى حضاريا، والافضل وألأكثر تطورا. وبالمقارنة، فان ثقافة ولغة المستعمَرين تمتاز بالتخلف والانحطاط، والدونية والهامشية وعليهم الابتعاد عنها وتبني لغة وثقافة المستعمِرين.

وعندما تتواصل التبعية والهيمنة والتبخيس والتهميش ولسنين عديدة، يتأثر وعي غالبية المستعمَرين. ويقوم جزء كبير منهم بإستدخال مشاعر الدونية وبالتماهي مع المستعمِر الذي يصبح مثالا يحتدى من قبل المستعمَر. ويتم هذا الامر بشكل واع وايضا بشكل لا واع. وتصبح الظاهرة الاستعمارية في نظرهم ظاهرة "حضارية". ويعكس هذا التطور وهذه الاستكانة ما يمكن تسميته بذهنية الانسان المستعمَر.

تتملك الدونية الانسان المستعمَر والمقهور، وتستحود على مشاعره وتفكيره ووعيه الاجتماعي. وتشكل نظرة الاعجاب الدفينة للمستعمِر وثقافته جزءا مهما من هذه الدونية. وفي مرحلة ما، يتملكه إحساس بسلبية هذه المشاعر والافكار فيحاول اخفائها وتغطيتها بتبني موقف متعالي على غيره من المقهورين. ويبحث عن نقاط التمايز والاختلاف عنهم لا عن نقاط الالتقاء والتوحد والتضامن معهم. ويستوقفني هنا ما أفادني به أحد ألاصدقاء أن أحد ألمستعمَرين من فلسطينيي 1948 أطلق على دكانه ألصغير إسما مركبا هو "سوبر ميني ماركت" كتبه على لافتة كبيرة مثبته فوق باب ألدكان. وهنا نرى أن ما يريده هذا ألمستعمَر هو أن يخبرنا نحن ألمستعمَرين بأنه يملك دكانا اكبر من الدكاكين الصغيرة ألتي يملكها ألمستعمَرين ألآخرين، لأن دكانه يقترب بحجمه من "السوبر ماركت". وهذه ألحالة بدورها تعكس دونية مركبة وعلى وجه الدقة "سوبر ميني دونية".

ويأخذ ألمستعمَر في محاكاة المستعمِر فيقلد أنماط ملبسه ولغته وثقافته وبعض من عاداته، ويتبناها لتصبح جزءا من وعيه وسلوكه الاجتماعي. ويتم كل ذلك بعد وصول المستعمَر الى قناعة أن عملية المحاكاة والتبني والاستدخال للمستعمِر وثقافته الاستعمارية سوف ترفع من مكانته وتحوله من مستعمَر مقهور ودوني الى مرحلة أرقى قد تلامس مستوى المستعمِر الحضاري.

وعليه، يمكن الاستنتاج أن السلوك النمطي في تهجين الخطاب العربي بمفردات ومصطلحات اجنبية يعكس عدم ألاقرار بالشعور بالدونية، وعدم ألاعتراف بالشعور بالنقص من قبل المستعمَر تجاه المستعمِر. إنه إخفاء للدونية على صعيد ألمشاعر وألافكار والوعي ولكنه يشكل، في الوقت ذاته، اعترافا غير مباشر بوجودها. ويظهر عدم ألاقرار وألاعتراف بالدونية في قيام المستعمَر بتغطية ذلك بوسيلة "حضارية مزيفة"، بإقحام خطابه المحكي والمكتوب بأجزاء من لغة السيد المستعمِر. فمعرفة واتقان لغة المستعمِر تولد لديه مشاعر من "التفوق الكاذب" على غيره من المستعمَرين وكأنه بذلك استطاع تخطي الخط الفاصل بين التخلف والحضارة.

تستخدم اللغة كأداة للتعبير عن الافكار والعواطف والمشاعر والاحاسيس. وتعكس اللغة التي يستخدمها انسان معين وعيه ألاجتماعي وافكاره ومشاعره الواعية وغير الواعية. والانسان الذي يتملكه شعور بالدونية تجاه الغرب الرأسمالي يعكس ذلك من خلال مكونات خطابه، أي بنيته اللغوية وتنوعاتها. فإقحام مصطلحات انكليزية او اجنبية داخل الخطاب المحكي يعكس الوعي الدوني للانسان ألمستعمَر.

إن مشاعر وأفكار الدونية ومركب الشعور بالنقص اللذين يعاني منهما كافة اللذين تتملكهم ذهنية المستعمَر، تتطلبان المعالجة لا المواراة والطمس والتجاهل. ولن يستطيع المستعمَر أن يتخلص من هذه السلبيات المزعجة من خلال تغليفها بمفردات أجنبية بل من خلال الاعتراف بوجودها ومن ثم معالجتها والانعتاق من سيطرتها. إنها رزمة من ألوعي وألمشاعر والأفكار السلبية التي تعشش في داخل وعي المستعمَرين اللذين لا زالت تتملكهم ذهنية المستعمَر. وعليه، فلا بديل غير التحرر ألشامل الذي يبدأ بتعزيز الهوية والانتماء الوطني، وتطوير لغتنا العربية وخطابنا العربي المحكي والمكتوب، وعدم التنكر لثقافتنا العربية، وتنقية خطابنا من هذا ألتلويث أللغوي.

ولكن قبل ألتوصل إلى هذه ألمرحلة الأرقى، علينا معرفة بعض ألحقائق عن لغتنا ألعربية وعن مكانتها في ألعالم. فبالاضافة لكون ألعربية إحدى أللغات ألخمس ألمعترف بها من قبل ألامم ألمتحدة، فإنها لغة جميلة ومعطائة، أعارت وإستعارت، وتلاقحت مع ألعديد من ألحضارات.

لغة عربية معطائة

من الجدير ذكره ان اللغة العربية تحوي 12,302,912 مفردة وهذا كم هائل من المفردات. وتظهر عظمة ورقي اللغة العربية اذا ما قورنت بلغات أخرى. ما يلي هو جدول "مفردات اللغة العربية مقارنة بلغات اجنبية أخرى"(19 مرابط، نادية "كم هو عدد مفردات اللغة العربية؟"،https://arabicmind375595970.wordpress.com. تم الدخول للموقع بتاريخ 19-12-2020) .

اللغة عدد المفردات
العربية 12,302,912
الإنكليزية 600,000
الفرنسية 150,000
الروسية 130,000


تعكس معطيات هذا الجدول تفوق اللغة العربية على غيرها من اللغات الدولية المهمة. ويرجع تميز اللغة العربية بعدد هائل من الكلمات والمفرادات نتيجة لوجود عملية الاشتقاق. وتعتقد الكاتبة الجزائرية نادية مرابط ان

"الاشتقاق من الخصائص التي ميزت اللغة العربية و أعطتها قوة من حيث الألفاظ و الدلالات. الاشتقاق من الخصائص التي ميزت اللغة العربية ، فهو من عوامل نمو اللغة العربية و تكاثر مفرداتها و كلماتها، حيث تتولد من الكلمة الواحدة في بعض الأحيان نحو عشرة كلمات أخرى."( المصدر ذاته)
وجدير بالذكر ان اللغة العربية كانت لغة العلوم والتجارة والثقافة عندما سادت الحضارة العربية في العصور الوسطى. وتراجعت اللغة العربية في عصور التوسع الاستعماري الأوروبي. مع ذلك يعتقد بعض ألعرب أن أللغة ألعربية جامدة ولا تتوافق مع عصرنا، وأنها لا تملك مقومات ألتطور بل تعيش في أزمة معينة. ويعارض ألكاتب ألعربي فريد ألانصاري هذه الأراء ويعتقد أن،

...اللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات؛ ليست هامدة ولا جامدة، بل هي متطورة متحركة، على الرغم مما يظهر أنها تعيش في أزمة، وأنها تسير بخطى بطيئة. فإذا كانت تعبر عن ثقافة وقيم متكلميها، وتصف سلوكهم وفكرهم فإن الأزمة في الحقيقة ليست فيها، وإنما هي فيهم، والبطء ليس صفة لها وإنما صفة لهم...( 21 د. فريد الأنصاري "إصلاح التعليم وأزمة اللغة العربية العالم الإسلامي" ، www.albayan-magazine.com ، تم ألدخول للموقع بتاريخ 30/9/2205)

ويعتقد عرب آخرون أن ألعديد من ألمفردات الأعجمية دخلت للغة ألعربية، وأن أسماء عدد من ألادوات ألتكنولوجية وألكهربائية دخلت ألعربية قبل تعريبها وأن هذا الأمر يعكس ضعفها كأداة تعبير لغوي. وأكد عالم أللغة ألعربية إلياس عطا ألله أن "اللغات الحيّة، والعربيّة أطولها عمرا وأغناها، تتقارض، تعير وتستعير ..."( 22 إلياس عطاالله، مصدر سبق ذكره) وإثباتا على ذلك، تعتبر اللغة العربية لغة غنية بمفرداتها وتعابيرها ومصطلحاتها ولذلك أخذت عنها الاسبانية 8,000 كلمة و 2,300 اسم مكان. كما وتشكل العربية 57% من لغة البوشتو، و 42% من ألأوردو، و 30% من الفارسية.( 23 Salloum, Habeeb “Arabic Contributions to the Spanish Language”, www.alhewar.com, accessed on 24-4-2004) كما وتأثرت كثيرا لغة السواحيلي الافريقية باللغة العربية فإستعارت منها الكثير من مفرداتها وتعابيرها. أما اللغة الوطنية لجزيرة مالطه، والتي تكتب بالاحرف اللاتينية، فتعتبر إحدى لهجات اللغة العربية ومصدرها شمال افريقية. واستعارت لغة البيمبا الكثير من مفرداتها وتعابيرها من أللغة العربية، وهي لغة مستخدمة في زامبيا وجنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب تنزانيا.( 25 Debra Spitulnik and Mubanga E. Kashoki "Bemba" Facts about the World s Languages. As in J. Garry and C. Rubino, eds. (2001) An Encyclopedia of the World s Major Languages, Past and Present, (New York and Dublin: H.W. Wilson) pp. 81-85., www.emory.edu, accessed on 5-10-2005) وتأثرت بالعربية لغات أوروبية أخرى منها الانكليزية وألالمانية اللتان استعارتا العديد من المفردات وألاسماء العربية. وتصف المستشرقة ألالمانية زيغريد هونكة، في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب"، قيمة هذه الاستعارات داخل اللغة ألالمانية فتقول.

أجل، إن في لغتنا كلمات عربية عديدة، وإننا لندين – والتاريخ شاهد على ذلك – في كثير من أسباب الحياة الحاضرة للعرب. وكم أخذنا عنهم من حاجات وأشياء زينت حياتنا بزخرفة محببة إلى ألنفوس، وألقت أضواء باهرة جميلة على عالمنا ألرتيب، ألذي كان يوما من الأيام قاتما كالحا باهتا، وزركشته بالتوابل ألطيبة بالعبير العابق، وأحيانا باللون ألساحر، وزادته صحة وجمالا وأناقة وروعة.( زيغريد هونكه (2000) شمس العرب تسطع على الغرب، الطبعة التاسعة (بيروت: دار صادر ودار ألافاق الجديدة) ص 17-20)

ليس فخرا ان نجهل لغتنا العربية، فهي لغة الأم التي نولد ونعيش معها، وهي لغة الهوية الوطنية والانتماء الوطني، ويستطيع من يتقنها التعبير عن كافة افكاره ومشاعره. وهي لغة متطورة ومواكبة للعصر الذي نحياه، وتعطينا الادوات الضرورية لتطويرها أكثر من ألداخل "... من خلال الاشتقاق والنحت والتجوز والتوليد والتعريب ..."( عبد العزيز بن عثمان التويجري "لغة الإعلام وآثارها في تحقيق التنميــة اللغــويـة" www.isesco.org.ma، تم ألدخول للموقع بتاريخ 22/10/2005) مع ذلك، تواجهنا بعض ألعقبات وألمشاكل في تدريس بعض ألعلوم بأللغة ألعربية. وفي هذا ألصدد، كتب محيي الدين صابر ما يلي عن صعوبات تدريس أحد هذه ألعلوم.

... فنحن اليوم نجد صعوبة في تدريس بعض العلوم كالطب باللغة العربية، في الجامعات العربية، لماذا؟ لأن الطب بالنسبة إلى منطقتنا أصبح وطنه اللغة الانكليزية، وفي بلاد أخرى اللغة الفرنسية، أو الروسية، والذين قرأوا التاريخ الحضاري يعرفون، أن كثيراً من العلوم وفي مقدمتها الطب، كانت تعتبر علماً عربياً، وظلت كتب الطب العربية، تدرس في الجامعات الأوروبية، قبل أن تعجم لغته...( محيي الدين صابر "كيف تحقق اللغة العربية توازناً بين الأصالة والثقافة المعاصرة؟"، www.balagh.com ، تم ألدخول للموقع بتاريخ 30/9/2005)

ويمكن تخطي هذه ألعقبة سيما وأن " ... الطب بدأت دراسته في العشرينيات من القرن الماضي في كلية الطب بالقصر العيني في مصر باللغة العربية، فترة تقرب من ستين عاماً، حتى احتل الانكليز مصر، في الثمانينات من ذلك القرن، فتحولت دراسة الطب من العربية إلى الانكليزية ..."(المصدر ذاته)

وعليه يتوجب علينا كعرب تطوير لغتنا وخطابنا المحكي والمكتوب من خلال الممارسة والثقافة. وتشكل قراءة النصوص العربية، الجيدة لا الركيكة، جزءا من عملية التطور اللغوي للانسان العربي، وهذا يتطلب قراءة الكتب وعدم ألعزوف عن ألقراءة، وعدم الاكتفاء بقراءة الصحف العربية، والشريط الاخباري للفضائيات، وعدم الاعتماد على وسائط التواصل الاجتماعي التي تحوي الكثير من الأخطاء الاملائية واللغوية. وإعلموا أيها ألعرب أن لا بديل للكتاب.

الهوامش

 كاتب عربي من فلسطين ويعمل محاضرا في دائرة علم ألاجتماع وألانسان في جامعة بيرزيت
Kwesi Kwaa Prah, “Education,Mother-Tongue Instruction, Christianity And Development of an African National Culture” (Cape Town: Centre for Advanced Studies of African Society) www.casas.co.za , accessed on 5-10-2005
2 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia (1996) USA, Grolier Incorporated
 وهذه ألاسماء عبارة عن مزج لغة التاجلوج "بالانجلش" أي باللغة ألانكليزية.
3 Labrador, Roderick Niro,”The Poems of Ruth Mabanglo”, www2.hawaii.edu, accessed on 5-10-2005
.4 جمانة حداد "الجدال يحتدم بين حماة الفرنسية و"مؤنكليزيها"، ملحق النهار الأدبي، 4/5/2003 www.joumanahaddad.com
5. إلياس عطاالله : "فكرة عجز العربيّة عن مواكبة الطفرة التكنولوجيّة فرية قديمة"، حاوره: عادل سالم/ تجمع الادباء والكتّاب الفلسطينيين، www.arabs48.com، تم ألدخول للموقع بتاريخ 31/5/2005
6 علي درويش "لغة أجنبية وأصوات عربية: ظاهرة الاستغراب الفكري واللغوي في اللغة العربية الحديثة"، www.elaph.com ، تم الدخول للموقع بتاريخ 30/9/2005
7. Kwesi Kwaa Prah, op. cit.
8 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia, op. cit.
9 Ngugi Wa Thiong’o (1981) ‘The Language of African Literature’ Decolonizing the Mind: The Politics of Language in African Literature (London: James Currey). As in Ashcroft, Bill, Griffiths, Gareth and Tiffin, Helen (ed.) The Post-Colonial Studies Reader (London and New York: Routledge) p. 288
10 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia, op. cit
11 مارسيل خليفة: "عندما تصبح أغانينا تقريرا سياسيا تتوقف عن إعطاء فعاليتها"، حوار مع مارسيل خليفة، مجلة ألحان، العدد 29، 19/9/1981، ص 37
12 Fanon, Frantz (1967) Black Skin, White Masks, Translated by Charles Lam Markmann (New York: Grove Press), p. 19
13 Zahar, Renate (1974) Frantz Fanon: Colonialism And Alienation, Translated by Willfried F. Feuser (New York and London: Monthly Review Press), p. 44
14 Memmi, Albert (1965) The Colonizer And The Colonized (Boston: Beacon Press), p. 107
15باولو فريري (2003) نظرات في تربية المعذبين في الارض (رام الله: دار التنوير للنشر والترجمة والتوزيع) ص 141
16المصدر ذاته
17 Bell, Daniel (1993) Communitarianism and its Critics (Oxford: Clarendon Press) pp. 158-59. As quoted by Afolayan,Shina “The Question of a Past Colonial Culture: Language, Ideology and Cultural Essentialism”, Jouvert, Vol. 7, Issue 1, 2002, www.social.chass.ncsu.edu, accessed on 15-9-2005
18 Kwesi Kwaa Prah, op. cit.
19 مرابط، نادية "كم هو عدد مفردات اللغة العربية؟"،https://arabicmind375595970.wordpress.com. تم الدخول للموقع بتاريخ 19-12-2020
20 المصدر ذاته
21 د. فريد الأنصاري "إصلاح التعليم وأزمة اللغة العربية العالم الإسلامي" ، www.albayan-magazine.com ، تم ألدخول للموقع بتاريخ 30/9/2205

22 إلياس عطاالله، مصدر سبق ذكره
23 Salloum, Habeeb “Arabic Contributions to the Spanish Language”, www.alhewar.com, accessed on 24-4-2004
24 Grolier Multimedia Electronic Encyclopedia, op. cit. and Gerold Gerber, Paper presented at the European Association of Social Anthropologists (EASA) Conference in Copenhagen, 14-17 August 2002, in the workshop "Stuck Between Inside and Outside - Hybrid Identities and Anthropological Methodology" , www.AnthroBase.com, accessed on 5/10/2005
25 Debra Spitulnik and Mubanga E. Kashoki "Bemba" Facts about the World s Languages. As in J. Garry and C. Rubino, eds. (2001) An Encyclopedia of the World s Major Languages, Past and Present, (New York and Dublin: H.W. Wilson) pp. 81-85., www.emory.edu, accessed on 5-10-2005
26زيغريد هونكه (2000) شمس العرب تسطع على الغرب، الطبعة التاسعة (بيروت: دار صادر ودار ألافاق الجديدة) ص 17-20
27 عبد العزيز بن عثمان التويجري "لغة الإعلام وآثارها في تحقيق التنميــة اللغــويـة" www.isesco.org.ma، تم ألدخول للموقع بتاريخ 22/10/2005
28محيي الدين صابر "كيف تحقق اللغة العربية توازناً بين الأصالة والثقافة المعاصرة؟"، www.balagh.com ، تم ألدخول للموقع بتاريخ 30/9/2005
29ألمصدر ذاته








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ...د. يحيى مكي: -تطعيم 80 بالمئة من السكان سيسمح بالقضاء عل


.. بريطانيا: تحذيرات من حجر -مخالطي- الصحة والأمن والمتاجر | #م


.. فاروشا.. رمز الانقسام القبرصي




.. الولايات المتحدة: حرائق غابات في مناطق على الساحل الغربي بسب


.. وزير الخارجية الأميركي: الشراكة مع العراق لها أبعاد عدة | #م