الحوار المتمدن - موبايل


كان زمان

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2020 / 12 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


عام يمضي وعام يأتي , وعجلة الحياة تدور كما هي منذ آلاف السنين بأفراحها وأتراحها , وهكذا هي سنة الحياة منذ الأزل حيث يبقى الأمل يراودنا جميعا بحياة أفضل ومستقبل زاهر . كان عام 2020 عاما ثقيلا على العالم أجمع , جراء تفشي جائحة كوفيد- 19 التي سببت كوارث إنسانية جمة, تمثلت بتدهور صحة ملايين البشر و بوفاة الآلاف منهم ,وتوقف عجلة الإقتصاد التي تسببت بقطع سبل معيشة ملايين الناس , وتعطل معظم مفردات الحياة الإنسانية في الكثير من دول العالم.
ويبدو أن مطلع عام 2021 يبشر ببزوغ فجر جديد لعالم أفضل, حيث تلوح في الأفق بارقة أمل بالخلاص من كابوس جائحة كوفيد- 19 . وفي الوقت الذي يطلع فيه العالم إلى مستقبل أفضل , لا يبدو أن ذلك سيكون فيه حال عراقنا الذي ما زال حتى يومنا هذا يلعق جراحه , وتزداد همومه ومشاكله الحقيقية والمفتعلة, جراء تفشي الفساد ونهب المال العام وإنهيار منظومة قيمه الأخلاقية ,وتشضي مجتمعه إلى أحزاب وجماعات لا يربطها رابط ,ولا تهمها مصلحة العراق بقدر ما يهمها جمع المال السحت الحرام كيفما كان وأينما كان . وها هو حال العراق اليوم الذي بات على حافة الإفلاس , لدرجة أنه لم تعد فيه حكومته قادرة على دفع رواتب موظفيها, تماما كما نبه إلى ذلك عراب الإحتلال أحمد الجلبي قبل سنوات .
وهذه حالة فريدة لم يشهدها بلد يملك ما يملكه العراق من ثروات هائلة وقدرات بشرية خلاقة , ولم يشهدها العراق من قبل في أحلك الظروف . وبرغم هول مأساة العراقيين لم يكترث أحدا للتصدي لما سيترتب على هذه الكارثة من مصائب ,والعمل على معالجتها بجدية أو الحد من آثارها بالقدر المستطاع , والأهم من كل ذلك محاسبة من تسببوا بها طوال هذه السنين العجاف.
وأنا أتطلع حولي هذه الأيام حيث أشهد معالم الزينة والفرح والبهجة في كل مكان , لإستقبال عيد ميلاد السيد المسيح ورأس السنة الميلادية التي نأمل أن تكون فاتحة خير على العالم أجمع , ويعم السلام والطمأنينة في أرجاء المعمورة , ليعيش الناس بود وحب وسلام , تضمن لكل منهم حريته وكرامته , أقول لامستني نبرة حزن لما حل ببلادنا من خراب ودمار , وعادت بي الذاكرة مرة أخرى إلى سماوتي العزيزة التي فيها ولدت وترعرت طفلا وشابا يافعا , والسماوة لمن لا يعرفها أقول , هي أحد أقدم مدن العالم التي نشأت فيها أول حضارة عرفها الإنسان, كما تشير لذلك المراجع التاريخية المختلفة , ومنها ويكبيديا الموسوعة الحرة,حيث تعتبر مدينة الوركاء التي تقع حوالي (30) كلم شرقي مدينة السماوة بمحافظة المثنى , إحدى أوائل المراكز الحضارية في العالم التي ظهرت في بداية العصر البرونزي قبل حوالي 4000 سنة قبل الميلاد. وفي مدينة أوروك أخترعت الكتابة ومن هذه المدينة ظهر الحرف الأول في العالم وذلك في حدود 3100 ق.م .وقد ظهرت الكتابة بشكلها الأول حيث كانت في بداياتها كتابة صورية ثم تطورت فيما بعد لتصبح الكتابة المسمارية. اوروك كانت تلعب دور رئيسي في العالم في تلك الفترة قبل حوالي 2900 ق.م ويقال بأن مدينة اوروك كان طول محيطها حوالي( 6 ) كلم وبذلك كانت أكبر مدينة في العالم بتلك الفترة وظهرت في هذه المدينة أيضا ملحمة گلگامش، وكذلك حيث كان يصنع بها الفخار غير ملون على الدولاب (عجلة الفخار). كما صنعت الأوعية المعدنية. ونشأت فيها حضارة عرفت الكتابة المسمارية وكانت عبارة عن صور بسيطة للأشياء علي ألواح طينية، أتبع فيها الخط المسماري. وقد بقت مدينة الوركاء محافظة على مكانتها كمدينة دينية ومركزاً لعبادة الآلهة عشتار آلهة الحب والحرب، وكرست معابدها لعبادة الآلهة عشتار فحافظت المدينة على نوع من القدسية. إلا أن المدينة بعد ذلك فقدت أهميتها في حوالي سنة 2000 ق.م بعد أن احتلها البابليون والعيلاميون وبقت على حالها خلال العهد السلوقي والبارثي ثم غير نهر الفرات مجراه. ولما كانت المدن في العالم القديم تعتمد على مجاري الأنهار فقد هجرت المدينة ولم تسكن بعد ذلك. ومن محافظة المثنى إنطلقت ثورة العشرين في القرن المنصرم التي مهدت لتأسيس المملكة العراقية وتنصيب الأمير فيصل بن الشريف حسين ملكا دستوريا على العراق عام 1921. بينما تصنف الآن محافظة المثنى أحد أفقر مدن العراق قاطبة. فأي إهمال وإجحاف بحق أهلها أكثر من هذا الإجحاف وهي المدينة التي قدمت شهداء في كل صراعات وحروب العراق في الأزمنة المختلفة دون مقابل سوى نصرة العراق.
عادت بعدها الذاكرة لأستذكار مدينة البصرة الفيحاء التي كانت يوما توصف بثغر العراق الباسم , التي عملت بجامعتها المعطاء نحو ربع قرن من الزمان في مواقع مختلفة , كان آخرها رئاستها لنحو ثمان سنوات, قدمت لجامعتها قصارى جهدي وخدمتها بشرف وإخلاص في أقسى ظروف الحرب العراقية الإيرانية وما تعرضت له من قصف إيراني مستمر لمنشاءتها ,وبخاصة تلك المنشاءات الواقعة في قضاء شط العرب طوال سنوات الحرب , مما إضطر الجامعة لإخلائها وتركها نهائيا , وما تعرضت إليه الجامعة في حرب الخليج الثانية وما أعقبها من أعمال عنف مسلحة شهدتها مدينة البصرة ,وما طال بعض منشاءتها من أعمال سلب ونهب وتخريب , لتنهض بعدها الجامعة كالعنقاء من الرماد شامخة أبية . ولم يكن حظ البصرة من الإهمال وعدم الإكتراث أفضل كثيرا من حظ السماوة , على الرغم من كونها الممول الرئيس لموازنات العراق , إذ ما زالت تعاني الكثير من الإهمال وسوء الخدمات وتفشي المرض وقلة فرص العمل وضعف مشاركة أبنائها بتشكيلة الحكومات المختلفة على الرغم من تاريخها العريق كأحد أقدم الإمصار الإسلامية , ومنها ومن بغداد والموصل تكونت دولة العراق الحديث , وقدمت قافلة من الشهداء في كل حروب العراق وصراعاته السياسية . ترك أهل البصرة المعروفين بوداعتهم وطيبتهم المفرطة أثرا طيبا بنفسي لن أنساه ما حييت, متمنيا أن يحفظ الله البصرة وأهلها من كل مكروه , وأن تنال البصرة ما تستحقه من مكانة رفيعة ليس بين مدن العراق , فحسب والمدن العربية بعامة ومدن الخليج العربي بخاصة , فالبصرة جوهرة الخليج دون منازع.
عادت بي الذاكرة بعدها إلى بغداد الحبيبة , بغداد التاريخ والكبرياء والحضارة , التي عملت فيها نحو (14) عاما , رئيسا للجامعة التكنولوجية وهيئة التعليم التقني في سنوات الحصار العجاف طوال عقد التسعينيات لتوفير فرص التعليم اللائق بأبناء العراق برغم شح المواد وقلة التخصيصات , كي لا يعود العراق إلى عصر ما قبل الصناعة كما تمنى ذلك دهاقنة المستعمرين والمجمع العلمي العراقي منذ العام 1996 , الذي ترأسته للسنوات ( 2004-2007) في فترة إحتلال العراق حيث تعرض المجمع إلى أعمال سلب ونهب . وتصاعدت حدة الإحتراب الطائفي في أعقاب تفجير مرقدي الإمامين العسكريين عليهما السلام حيث تعرض المجمع العلمي إلى حادث إعتداء إرهابي عام 2006. وعلى الرغم من غزو العراق وتعرض بغداد إلى دمار شامل طال كل شيئ دون رحمة , لم أغادر بغداد لحظة واحدة أبدا . كيف يغادر الإنسان بلاده وهي تتعرض لغزو محتل غاشم تحت دعاوى باطلة ثبت للقاصي والداني بهتانها, لكني أضططرت لمغادرة العراق بعد إحالتي على التقاعد لبلوغي السن القانونية مطلع العام 2007 بعد أن أصبح القتل على الهوية دون رادع. فليحفظ الله بغداد وأهلها من كل لئيم غادر , فبغداد تعني العراق , وكرامة العراق والعراقيين من كرامة بغداد.
وفي الختام وددت أن أنهي مقالتي هذه بقصيدة للشاعر العراقي المبدع كريم العراقي , التي لحنها وغناها الملحن العراقي المعروف جعفر الخفاف , لكونها تجسد مشاعر كل عراقي شريف وغيور على بلده العراق الذي جار عليه الزمان وتكالب عليه ألأعداء من كل حدب وصوب, وعاونهم بعض أبنائه المارقين :
الشمس شمسي والعـراق عراقي.......... ما غيّر الدخلاء من أخلاقي
داس الزمان على جميع مشاعري......... فـتفجر الإبداع من أعماقي
أجريت في الصخر العقـيم جداولا...... وحملت نور الله في أحداقي
أنا منذ فجر الأرض ألبس خوذتي....... ووصية الفقراء فوق نطاقي
قـدري بأن كل الحروب تجيـئني...... مجنونة تسعى لشـد وثاقي
فمن السيوف الى الرصاص مدائني ....ذابت من الإحراق والإغراق
ومن الشموع الى الدموع حبـيبتي.........محفوفة بخناجـر السـرّاق
وأنا الجـميل السـومري البـابلي...........كانت يدي قيـثارة العشـاق
ملأت فضاءات الوجـود قصـائدي......حتى كأن الشعر صوت عراقي
وتحـالفت كـل العـصور لمقـتلي.......فأغضتها بتمـاسكي الخـلاق
وتـذمرت وإستـأسدت وتفرعـنت.......فحملتها جبـلا على الأعـناق
اسمع صهبل الحـزن بين مفاصلي......أضحى صديقي..كنيتي..ميثاقي
هـربت طيوري حين ضاع أمانها..........فـكأنـني شجــر بلا أوراق
لكـنما هـمس العراق بمـسمـعي......يفنى الأسى وجبين عزك باقي
الشـمس شمسي والعـراق عراقي........ما غيـر الدخلاء من أخـلاقي

لا نقصد بهذا الإستذكار هنا , إثارة الشجن والأحزان على زمن مضى بكل ما فيه , ذلك أننا ندرك تماما أن عجلة التاريخ لن تعود إلى الوراء أبدا , إنما القصد من ذلك مراجعة الذات, والإتعاض من أخطاء الماضي والمضي قدما لبناء عراق حر ومزدهر ومتصالح مع نفسه ومحيطه من منطلقات ومبادئ إنسانية لمصلحة الجميع دون نبش الأحقاد وإثارة الضغائن, فليحفظ الله العراق والعراقيين من كل شر ومكروه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قصر الإليزيه: فرنسا فقدت صديقا شجاعا بوفاة إدريس ديبي


.. نجل الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي يتولى زمام الحكم.. والم


.. بوتن: نأمل ألا تتجاوز أي دولة خطوط روسيا الحمراء




.. الاتحاد الأوروبي: اتفاق أوروبي يستهدف خفض الانبعاثات إلى 55


.. الولايات المتحدة: احتفالات في مينيابوليس بعد إدانة الشرطي ال