الحوار المتمدن - موبايل


في الحظيرة!(قصة قصيرة)

زياد النجار

2020 / 12 / 20
كتابات ساخرة


هنا في الحظيرة حيث يحكم الكلاب، حيث يأكلون الأرغفة..ثم يُلقون بكسراتها المتبقية للرعاع، حيث يُسبح بحمد الكلب الكبير ليل نهار.من يجرؤ أن يتمرد عليه؟!..من يجرؤ أن يعصي له أمرا؟!..من يجرؤ أن يقول فيه الخبيث؟!..من يجرؤ أن يحيد عن موضعه تحت قدميه؟!..من يجرؤ أن يحلم بغير عيشته تحت سيادة الكلاب؟!
هنا في الحظيرة حيث يسكن الجهل، ويتمدد الفقر، ويُخيّم القهر!، حيث ينهب خير المزرعة الكلاب، واللبن يشربه الكلاب، والأبناء تلتهمهم الكلاب، والخبز من الطاحونة يسرقه الكلاب، والبيض يأخذه الكلاب، كل للكلاب وتحت سيادة الكلاب، يعيش الحيوان في هذه الحظيرة للكلاب، ويموت فداءً للكلاب، كل شئٍ مسخراً لخدمة الكلاب.
كانت تعيش عنزةً مثلها كمثل بني نوعها ممن يُقلّمون أظافر الكلب الكبير الموضوع علي العرش، كانت في البداية كمثل غيرها من الراذفين في الفقر والجوع، الذين يبيتون الليالي بُطونهم تصرخ من شدة الجوع، ويجتاحهم الغم ليل نهار، الذين شقوا وكدوا إلي أن تشققت جلود أياديهم، وارتسمت علي ملامحهم وحشية الأيام الخوالي.
كرم الله هذه العنزة في يومٍ ببنيين، ومن حُسن حظها أنه كان يوجد زيادةً في عدد الأبناء الذين يأخذهم معشر الكلاب الحاكمة سنوياً..فهنيئاً إذاً؛ إنهم من حقها الآن، تفعل بهم ما تشاء..وتوالت العقود حتي كبرا ما شاء الله، واتما تعليمهما، وزادت الحظيرة بعدد الماشية المُستعبدين من الكلاب، لكنهم لم يكونوا عاديين، أرادوا حياةً أفضل، لكنهم لم يطمحوا إلي الكثير.كانت أحلامهم عادية، بسيطة، كلها كانت تقوم علي تحسين شروط العبودية!
ككل من في الحظيرة لم يعمل هذين البنيين بشهادتهما، فالتعليم في هذه الحظيرة في مقامٍ أدني من مقام النعال، لا أحد يُفكر فيه، أو يهتم به نهائياً؛ فالجميع يعلم أن الشهادات لا تُفيد بشئ، هل سيُعين وزيراً مثلاً؟!، يا عزيزي لا يرتقي فيها إلا الكلاب!
بدأ البنيين في تنفيذ ما يطمحان إليه، كدا وتعبا حتي نزفا العرق والدماء. فكانت النتيجة ارتقوا في أرجاء الحظيرة بين بقية الرعاع، وصارت اسم نسلهم العنزي من الأسماء التي ما إن وقعت علي المسامع تُلاقي بالأقاويل المدحية.
ولكن ليس كل حيوانٍ صافي النية!.بكل أسف وصل الأمر إلي أحد زعيمي الخِراف الذين لهم وزناً ثميناً بين أسماء العائلات..استشاط التيس الكبير غضباً، كيف يتساوي اسم نسلنا مع اسم نسل العنز؟!
أثر الموضوع علي عقله كثيراً، ماذا يفعل في هذا العار؟!، هل يترك هؤلاء الأوغاد يرتقون هكذا، وتتردد عليهم العظمات؟!
ما إن علم بالأمر ظل يروح ويجئ منعزلاً عن من حوله، لا يسمع من يحدثه من فِتيته الذين يعملون عنده، تفكيره منشغل بمحاولة الإجابة علي سؤالٍ واحد: ماذا يفعل كي يوّقع تلك العائلة من العنز إلي أسفل سافلين..فالبتالي يسقط مجد نسل العنز معها؟
ظل يفكر أياماً وأياماً..حتي أدرك أنه لا فائدة من التفكير؛ فليس بإمكانه أن يأتي بحل..ثم في اليوم التالي بعدها، وعلي حين غفلةٍ أدركه الحل الخبيث وهو جالسٌ في عُقر عمله!
نادي المعلم التيس علي أحد صبيته سريعاً:
-تعالي هنا يا فتي..اسمعني جيداً..
ما هما إلا أربعةِ أيامٍ وشيكة، وشيّع في الحظيرة كلها أمر الجديّ الذي ما إن رأي إحدي النِعاج تسير، فتبوّل!..زاد الشائعة في الانتشار..حتي وصلت لهذا الجديّ، أتعلم من هو؟!، إنه ابن العنزة الذي هو وأخيه بنيا مجد نسلهم في الحظيرة!.يالعبثية القدر!
غضب الجديّ الشاب كثيراً، وأراد أن ينفي هذه الشائعة الحقيرة الدنيّة عنه..فحاول أن يشرح الحقيقة لكل من يُقابله ويسأله عن الموضوع، كان الأمر يتدهور يوم بعد يوم، هلي يترك القرية إذاً؟!، أم هل يعترف ويحمل الخزي والعار هو وبني نسله إلي الأبد؟!
حتي الحلول مشكلات..ماذا يفعل إذاً؟!
أبي الفتي أن يترك الحظيرة نهائياً؛ أيتركها بعد هذا المجد، ويضيع كده وتعبه هو وأخيه هكذا؟!، هبائاً؟!
سُحقاً للمشكلة اللعينة وحلولها!
رفض الجديّ أن يترك الحظيرة مهما ساءت الأمور..تباً للصِعاب!..وإذا به وهو تدور حوله هذه الكارثة..ينزل صباحاً من مزرعتهم؛ قاصداً مقر عمله..وصل بالفعل..ولكن بدء القدر في اللعب!..
مرت ساعةً تقريباً إلي أن جاء أحد الصبية إلي الجديّ:
-عائلتك تحتاجك سريعاً!
ترك ما في يده، وهرع إلي محل إقامة عائلته..استر يا ستار!..وصل وكانت الصاعقة!..
وجد جميع بيوتهم مغطاة بالروّث القذر يمينها إلي يسارها، أعلاها إلي أسفلها..ولكن ما رآها أمام بيته هو ما يستحق أن يموت من فرط صدمته!..
وجد أمه العنزة المُسنّة معلقةً من قدميها ويديها، وتتدلي من أعلي!..
آه..الأوغاد!..
حكمت المحكمة بقيادة أحد القضاة الذي يندرج ضمن نسل الكلاب بالسجن المشدد للجديّ الشاب لمدةٍ لا تقل عن خمس سنوات.ولكن كل هذا كوم، وما حصل لأمه كومٌ آخر..إذا كان هو قد أخطأ، فلما لا يُحاسب هو وحده، لما تدفع أمه ثمن خطأه معه؟!..أين عدل الإله في هذه الأرض الملعونة؟!
كان ما حدث لأمه يستحق قضيةٍ خاصة..وهذا ما جري بالفعل..فقد قدمت بلاغاً خاصاً بما حدث لها..وتأخر الحكم فيه إلي بعد ما خرج الابن وأكثر!؛ في كل مرةٍ كانت تُؤجّل الجلسة.
واستقر القاضي الكلبي علي براءة المتهمين في تعليق هذه المسنّة البالية، التي لا ذنب لها في أي شئ!..
بعد قرار المحكمة هذا، ردد الحاضرون في قاعة الجلسة: يحيا العدل في الحظيرة، ويحيا حكم الكلاب!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنا الشاهد: جولة في مغارة كلسية وتجارب في الاندماج بالثقافة


.. الممثلة هنرييت: أحببت إطلاق طاقتي في شخصية ليف | الصباح


.. دراسة: علاقة قوية بين القيلولة والمهارات اللغوية | الصباح




.. الأفلام الخمسة المتصدرة شباك التذاكر الأميركي | الصباح


.. صباح العربية | توم هانكس يعود بفيلم -أخبار العالم-