الحوار المتمدن - موبايل


مواجهة المد النيوليبرالي في أمريكا اللاتينية

مصطفى عبد الغني

2020 / 12 / 20
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


ترجمة مصطفى عبد الغني

انتشرت موجةٌ من النضالات الشعبية مؤخرًا في أمريكا اللاتينية لمواجهة المد النيوليبرالي، كان أبرزها فوز “الحركة من أجل الاشتراكية” في بوليفيا بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، والتصويت بأغلبية ساحقة في استفتاء أكتوبر الماضي في تشيلي لانتخاب لجنة لإعادة كتابة الدستور.

وانتشرت موجات احتجاج شعبية ناجحة أيضًا مثل الاحتجاجات النسوية في المكسيك، والاحتجاجات المناهضة للتقشف في جواتيمالا والتي نتج عنها إشعال النيران في مبنى البرلمان، وانتخابات البلديات في البرازيل في نوفمبر الماضي والتي شهدت فوز ممثلي اليسار الديمقراطي على اليمين المتطرف المدعوم من الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو.

وشهدت كولومبيا احتجاجاتٍ شعبية هائلة في سبتمبر الماضي ضد الآثار الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا، وانهيار النظام الصحي ونظام الدعم الاجتماعي، وانتهاكات قوات الشرطة، والجيش لحقوق الإنسان.

لقد عانى أغلب سكان أمريكا اللاتينية، مثل أغلب سكان العالم، في الخمس سنوات الأخيرة من الأزمات الاقتصادية نتيجة سياسات اليمين المتطرف التي قلَّصت بشكل هائل الإنفاق الحكومي على الخدمات مما أدَّى إلى مزيدٍ من الفقر والبؤس. وفقًا لمؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية، المستخدم لقياس متوسط العمر المتوقع للمواطن ومستوى التعليم والأمية والمستوى المعيشي، فإن معظم دول أمريكا اللاتينية ظلَّت في نفس المستوى أو أسوأ خلال السنوات الأخيرة نتيجة التعدي الصارخ على حقوق العمال والمتقاعدين المكتسبة من خلال النضالات العمالية على مر السنين.

في تشيلي، على سبيل المثال، ونتيجة لسياسات المد النيوليبرالي، متمثِّلةً في فترة حكم بينوشيه وحكومات المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين من بعده، ارتفعت معدلات الانتحار بين كبار السن بسبب معاناتهم من الفقر الشديد بعد خصخصة صناديق التقاعد. وفي البرازيل ارتفعت معدلات اللامساواة بشكل هائل منذ الانقلاب البرلماني في 2016. ولا يختلف الوضع كثيرًا في فنزويلا التي تعاني بشدة نتيجة العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة وحكومات الدول المجاورة المعادية لنظام الحكم في فنزويلا.

أدَّى تفشي جائحة كورونا إلى سوء الأحوال المعيشية لمعظم سكان أمريكا اللاتينية نتيجة الإهمال الشديد من قبل معظم الحكومات وانهيار النظام الصحي وبرامج الدعم الاجتماعي. البرازيل، مثلًا، تعد ثاني أسوأ دولة على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة من حيث عدد الوفيات نتيجة فيروس كورونا بـ 178 ألف حالة وفاة، فيما عانت عدة دول بالقارة الأمرين في مواجهة هذا الفيروس. وتحمَّل أصحاب البشرة الملونة، والنساء، والأقليات العبء الأكبر لتفشي الجائحة مثل معظم دول العالم.

ومع ارتفاع سوء الأحوال المعيشية، ارتفعت أيضًا التوجهات العسكرية بالمجتمع ومحاولة الانقضاض على المكتسبات الاجتماعية للنساء والأقليات ومجتمع الميم، مع تزايد انتشار الأخبار المزيفة عن فرض مزيد من القيود على الحقوق الاجتماعية، تلك القيود التي واجَهَ معظمها مقاومة جماهيرية إلا أنها أظهرت الصعود المتزايد لقوى اليمين المتطرف.

بوليفيا
شهدت بوليفيا في أكتوبر الماضى انتخاباتٍ رئاسية دعت لها الحكومة اليمينية غير المنتخبة، والتي تولَّت حكم البلاد بعد انقلاب 2019 على الرئيس المنتخب إيفو موراليس مرشح حزب “الحركة من أجل الاشتراكية”. كان موراليس قد فاز في الانتخابات الرئاسية التي أُجرِيَت نهاية عام 2019 قبل أن تنظِّم قوى اليمين انقلابًا عليه بالتنسيق مع الولايات المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية، مما أجبر موراليس على مغادرة البلاد إلى المنفى، وسيطر ممثلو الأحزاب اليمينية غير المنتخبين على الحكومة بعد مواجهاتٍ عنيفة بين قوات الشرطة وأنصار “الحركة من أجل الاشتراكية” أدت إلى مقتل المئات من أنصار الحركة.

وفي أكتوبر الماضي، نجح لويس آرس، مرشح “الحركة من أجل الاشتراكية”، في الفوز من الجولة الأولى من الانتخابات، من بين 4 مرشحين للرئاسة، بعد حصوله على 55% من أصوات الناخبين، ونجحت الحركة في الفوز بأغلبية مقاعد المجالس التشريعية، بعد الحشد الشعبي الهائل للعمال البوليفيين من السكان الأصليين والذين يمثلون أغلبية السكان، وعاد موراليس إلى بوليفيا مرة أخرى. جاء فوز الحركة على الرغم من ثقة داعمي الانقلاب في الفوز، إذ لم يأخدوا بعين الاعتبار السخط المتزايد من الشعب البوليفي على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال فترة حكم حكومة الانقلاب، والإهمال المتزايد في التعامل مع تفشي جائحة كورونا، والشعبية الهائلة التي يحظى بها موراليس والحركة في بوليفيا.

تشيلي
نجح كفاح الحركات الاجتماعية والنقابات العمالية واحتجاجات الحركات النسوية القوية المطالبة بالحقوق الإنجابية، في إجراء الاستفتاء الشعبي لإعادة كتابة الدستور بعد عام من المقاومة الشديدة للآثار المدمرة لسياسات حكومة سيباستيان بينيرا اليمينية. استمرت الاحتجاجات ضد سياسات الخصخصة النيوليبرالية التي تبنتها الحكومة التشيلية والتي شملت رفع أسعار تذاكر المواصلات العامة، وتقليص دعم البرامج الاجتماعية والتعليم. وتحوَّل وسط مدينة سانتياجو، عاصمة تشيلي، إلى ساحة دائمة للاحتجاجات على الرغم من التعامل الوحشي لقوات الشرطة مع المتظاهرين مما أدَّى إلى إصابة المئات بالعمى نتيجة استخدام الرصاص المطاطي لتفرقة المتظاهرين، والانهيار الوشيك النظام الصحي أثناء مواجهة تفشي جائحة كورونا.

وبعد عام من الاحتجاجات الشعبية الواسعة، صوَّت 78% من الشعب التشيلي على إعادة كتابة دستور جديد للبلاد بدلًا من الدستور الحالي الذي كُتِبَ في ظل حكم الديكتاتور بينوشيه، وصوَّت 79% على انتخاب لجنة جديدة لكتابة الدستور تمثل النساء 50% من أعضائها بالإضافة إلى ضمان مشاركة السكان الأصليين، وسوف يُنتَخَب أعضاء اللجنة في أبريل من العام القادم.

الانتصارات التي حققتها شعوب أمريكا اللاتينية تعد تقدمًا هائلًا عما كانت عليه الأوضاع منذ عام، ولكن المقاومة سوف تستمر، لأن اليمين المتطرف قد هُزِمَ في بعض الدول لكن لم يُقضى عليه بالكامل بعد.

وتدخلات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة لن تتوقف لمجرد فوز بايدن على ترامب، فمرشح الحزب الديمقراطي المنتخب لديه تاريخ طويل من التدخلات غير الديمقراطية وفرض أولويات السياسة الأمريكية الخارجية بالقوة على الدول الأخرى، كما يوضح اختياره لأعضاء فريقه الرئاسي بوضوح عن توجهاته.

اليمين المتطرف سوف يستمر في إعادة تنظيم صفوفه. الرئيس البرازيلي ذو التوجهات الفاشية بولسونارو، رئيس أكبر دول أمريكا اللاتينية، أصبح رمزا لليمين المتطرف، ليس في أمريكا اللاتينية فحسب، بل في العالم أجمع. وفي بوليفيا، لا يزال مرشح اليمين العنصري كاماتشو المنافس الرئيسي “للحركة من أجل الاشتراكية”، يتحكَّم سياسيًا واقتصاديًا في منطقة سانتا كروز الغنية. وفي كولومبيا، يُقتَل النقابيون والصحفيون على يد عصابات اليمين المتطرف شبه العسكرية. وفي المكسيك، تقوم عصابات المخدرات بالتعاون مع الحكومات المحلية وحكومات الولايات بقتل النساء والإفلات دون عقاب. كل دول أمريكا اللاتينية لا يزال يغلب عليها عدم المساواة والفقر الشديد بين الأغلبية العظمى من سكانها.

إذا أردنا أن نستخلص درسًا من الانتصارات التي حققتها الحركات الاجتماعية والطبقة العاملة واليسار في أمريكا اللاتينية، فهو بالتأكيد أن تلك الانتصارات لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة تعاون الحركات المختلفة على قضايا مشتركة وشجاعة الحشد لتلك القضايا. هذا هو الطريق الوحيد لمواجهة المد النيوليبرالي.

* المقال بقلم شين بوردي – موقع الاشتراكيين الأمميين، كندا








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إستمرار الإحتجاجات بمنطقة كورنيش المزرعة في #لبنان


.. مدينة بريطانية تزود كاميراتها بذكاء اصطناعي يرصد مخالفة رمي


.. الكاظمي: مستعدون لدور الوسيط لتهدئة التوترات بالمنطقة




.. كيف اختفت الطائرات العراقية في أجواء إيران قبل 30 عاما


.. الربيع أيقظها من السبات!