الحوار المتمدن - موبايل


الأمازيغية والصراع الطبقي

ميمون الواليدي

2020 / 12 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


يقول كارل ماركس وفريديريك إنجلز في البيان الشيوعي: "إن تاريخ أي مجتمع إلى اليوم، ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقس، معلم وصانع. وبجملة واحدة، ظالمون ومظلومون".
هذا الكلام، المبني على المادية التاريخية والمادية الجدلية، ينطبق على المجتمع الأمازيغي القديم والمجتمع المغربي اليوم. وعكس الأكاذيب والأوهام التي ينشرها القوميون الشوفينيون وبعض المثقفين البرجوازيين من كون "يوكرثن أو يوغورطا" كان "مقاوما عظيما" وأن "المجتمع الأمازيغي كان شعبا حرا مقاوما" و "أن ملكية الأرض على الطريقة الأمازيغية حققت العدالة" (وكأن هناك شيئا إسمه ملكية الأرض على الطريقة الأمازيغية خارج نمط الإنتاج السائد في المنطقة!)، عكس ذلك، فإن الواقع الموضوعي العصي على التزوير المثالي، يكشف أن المجتمع الأمازيغي لم يكن يوما "جمهورية أفلاطونية" ولم يكن مفترضا فيه أن يكون كذلك. كل ما كان يعتمل في المجتمع حينها تحكم فيه الصراع الطبقي والمصالح الاقتصادية، ولهذا انقسم الأمازيغ إبان الحروب البونيقية مثلا، فمنهم من دعم روما، ومنهم من دعم قرطاج، واقتتل الإخوة في اللغة بسبب مصالح سياسية تقف خلفها مصالح إقتصادية.
عرفت شمال إفريقيا حضارات ودولا كثيرة منذ فجر التاريخ، وهذه الدول لم تبنى على أساس اللغة، بل كانت إفرازا للحركة الاجتماعية التي عرفتها المنطقة. هكذا بلغت قرطاج مثلا عظمة لا تضاهى بفعل البنى الاجتماعية التي تميزت بالتحالف بين الاقطاع والكومبرادور، هذا التحالف بين الزراعة الأمازيغية والتجار الفينيقيين الذين رحلوا عن صور حول قرطاج إلى دولة قارعت روما واحتلت البحر الأبيض المتوسط وبنت عديد المدن على ضفتيه الشمالية والجنوبية.
الدولة القرطاجية القوية لم تأسس على اللغة، فاللغة عابرة للطبقات، اللغة ليست انتاج طبقة معينة بل من إنتاج كل الطبقات، كما أنها ليست جزء من البنية الفوقية، ما يعني أن قلب البنية التحتية لا يؤدي لتغيير اللغة، بل إن اللغة تستمر. لهذا تعتبر اللغة أداة بيد كل الطبقات، واليوم كما يمكن أن تستغل البرجوازية اللغة لاضطهاد البروليتاريا، فإن البروليتاريا بإمكانها استعمال نفس اللغة في صراعها ضد البرجوازية ولاسقاطها. ولو حدث وأسقطت البرجوازية فإن نفس اللغة ستستمر في الوجود.
الدول الأمازيغية عبر التاريخ، نوميديا، موريتانيا، بورغواطة، المرابطون، الموحدون، المرينيون، السعوديون، جمهورية الريف ... لم يكن أساسها اللغة، بل الحركة الاجتماعية. قوة نوميديا وموريتانيا مثلا كانت في إنتاج الزيت، وقود العالم القديم. قوة المرابطين والموحدين كانت في التجارة مع جنوب الصحراء والضرائب بسبب اتساع رقعة الدولتين. لا وجود لدولة أمازيغية قوية لأنها استعملت الأمازيغية!
عندما يدعي بعضهم أن اللغة توحد الأمازيغ أو أن اللغة توحد المغاربة، فهو بذلك يدافع على وحدة طبقية، وحدة بين الظالمين والمظلومين (هذا ما يفسر انضمام بعضهم لحزب الملياردير أخنوش). اللغة ليست انتماء موضوعيا، فالانتماء الموضوعي الوحيد هو الانتماء الطبقي.
بعد تدمير الإمارات الأمازيغية المستقلة من قبل الجيوش الإسلامية الغازية (استعمل عبارة الجيوش الإسلامية لأنها لم تكن عربية بل اختلط فيها العرب بالفرس بالاكراد والشاميين والمصريين...)، استعملت اللغتان العربية والأمازيغية جنبا إلى جنب، بل إن الأمازيغية كانت لها الغلبة في مراحل تاريخية مهمة بفعل اعتمادها في الاقتصاد والسياسة والجيش، بينما اقتصر استعمال العربية على الشؤون الدينية. شيئا فشيئا بدأت اللغتان تختلطان إلى أن أفرزتا اللهجة المغربية المعروفة بالدارجة.
الدولة المغربية الحديثة، ولتأبيد سلطة التحالف الطبقي المسيطر، استعملت الدين، ولأن الدين الإسلامي مرتبط باللغة العربية، فقد استعملت اللغة العربية كأداة في هذه السيطرة الطبقية. فلم يكن المستهدف هو الأمازيغية بحد ذاتها، ولكن الهدف كان تغييب وعي الناس من خلال ربط "الوصول الى الجنة بالعربية". ولكن ماذا يعني "الوصول إلى الجنة" بلغة الصراع الطبقي ؟ يعني وباللغة الدارجة الوليدة: "خليونا نتحكمو فالثروات بالفرنسية وانتوما رزقم فالجنة بالعربية".
لم يكن هذا النقاش حول العربية والأمازيغية مطروحا في عهد الدول المغربية السابقة، يعني الموحدية والمرابطية والسعدية ... ليس لأنها كانت أمازيغية، ولكن لأن تأبيد السيطرة الطبقية تم بوسائل أخرى ولم يتم حينها اللجوء لأداة اللغة.
ماذا يعني هذا اليوم ونحن نشاهد صعود الدعوات الشوفينية وإذكاء النعرات العرقية ؟ يعني بكل بساطة أن التهميش الذي عانته وتعانيه اللغة والثقافة الأمازيغيتين ليس سببه العربية والعرب. هذا التهميش سببه اقتصادي مرتبط بالتحالف الطبقي المسيطر. هذا التحالف الذي تشكل البرجوازية الأمازيغية اغلبية عناصره. في سوس مثلا، الأغلبية الساحقة من الضيعات الفلاحية والمصانع والشركات هي في ملكية العائلات الأمازيغية من البرجوازية السوسية، ومنها من راكمت ثرواتها طيلة أجيال كثيرة. هذه البرجوازية التي تستعمل اللغة الأمازيغية وترتدي الأزياء الأمازيغية وتقيم الأعراس على الطريقة الأمازيغية وتستمع لأغاني الحاج بلعيد والدمسيري وثابعمرانت، وتحتفل بإيض ن ناير/ رأس السنة الأمازيغية، وتمول احتفالات بوجلود. وهي طبعا البرجوازية السوسية التي تجمع أرباح فائض القيمة من عرق العمال الأمازيغ والعرب وغيرهما. هي أيضا البرجوازية التي تبني المساجد والمدارس العتيقة في الجبال لتدريس العربية والدين، لأنهما الوسيلة التي تحافظ بهما على البنية القائمة وبالتالي مصالحها الطبقية.
الشوفينيون من دعاة الدفاع عن الأمازيغية والموريون القوميون، جزء من أدوات التحالف الطبقي المسيطر لأنهم يخدمون مصالحه بعلم أو بغير علم. عندما تحول الصراع من كونه صراعا اقتصاديا بين طبقات متصارعة موضوعيا إلى كونه صراعا لغويا، فأنت تساهم في تكريس الاستلاب وتغييب وعي الناس من خلال الإدعاء ألا وجود لصراع طبقي، وأن "الجميع سواسية"! في هذا الدور، لا يختلف "المدافعون عن الوطنية" عن "المدافعين عن الدين" عن "المدافعين عن اللغة"، كلهم أدوات لتمييع النقاشات وتغييب الوعي والعبث بالبوصلة.
ميمون الواليدي بتاريخ 21 دجنبر 2020








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل من الممكن التوصل إلى اتفاق حول النووي الإيراني؟


.. سدّ النهضة.. الملء الثاني والخيارات المتبقية | #غرفة_الأخبار


.. كيف يعيش مسلمو ألاسكا أجواء شهر رمضان؟




.. 9 قبائل يمنية ترفض القتال بصفوف ميليشيا الحوثي في مأرب.. تعر


.. نشرة الصباح | الحكومة اليمنية تحذر من زيادة تجنيد الحوثيين ل