الحوار المتمدن - موبايل


-أم البلابل- سرد روائي لجدلية العلاقة بين الأرض والإنسان

جابر احمد

2020 / 12 / 23
الادب والفن


رواية "أم البلابل"هي للروائي الاهوازي الاستاذ عمار تاسائي وتضم 41 فصلا و قد صدرت عن دار اي- كتب في لندن عام 2017 وتعد هذه الرواية الثانية له بعد رواية "كوت عبدا لله "، كما ان الرواية الجديدة تبدأ إحداثها من داخل القرية التي كانت تعيش في سيادة العلاقات الرأسمالية ،وبالتالي فهي تسلط الضوء على واقع المجتمع الريفي الاهوازي الذي كان ينتج ويعيش ضمن الأطر والتقاليد القديمة ، مجتمع يطلق عليه في علم الاقتصاد مجتمع "الاكتفاء الذاتي" الذي كان سائد قبل اكتشاف البترول والبدء بالتنقيب عنه في إقليم الاهواز ،حيث كان لهذا المجتمع عاداته وتقاليده الخاصة به و التي تختلف عما هي عليه عادات وتقاليد سكان المدن ،وقد يدرك القارئ ذلك منذ قراءته للصفحات الأولى للرواية ،حيث يقول الراوي" لم يدر بخلد احد ان" بلابل أم البلابل سوف تستمر في التغريد حتى بعد ان جرفت الآليات الحكومية العملاقة القرية وحولتها إلى خراب في خراب، لتأتي شركة النفط وتشيد عليها الأبنية الشاهقة والمصانع " ،كما تشرح الرواية كيف تصبح تلك القرية الهادئة المنتجة مواقف للسيارات "حتى ظن الجميع ان هذه القرية قد مسحت في الأرض وانتهت إلى الأبد ولم يعد لها وجود على سطح المعمورة الخ ... ".
تصف هذه الرواية قرية "أم البلابل" وما تنتجه من خيرات والتي هي نموذج لأغلب القرى العربية الاهوازية على لسان بطلها حيث يقول : "ان حكايتي مع هذه القرية قد بدأت حين ما فتحت عيني على هذه الدنيا وأخذت أتعرف على ما فيها من جمال وألالوان والأشياء ،لأنه بالمعرفة تبدأ حياة الإنسان الحقيقية "، ثم تتحدث الرواية بإسهاب عن العادات والتقاليد التي تسود قرية أم البلابل وعن الجهود التي يبذلها أبناءها من اجل اعادة الحياة إلى هذه القرية الهادئة الوديعة .
كما تتطرق الرواية وعلى لسان بطلها إلى التراتب القبلي الأسري السائد في هذه القرية الذي يقف الشيخ على قمة هرمه ، فهو من حيث المكانة الاجتماعية والاحترام يتمتع بامتيازات لا يتمتع بها إي من أبناء القرية ،حيث تصف الرواية وعلى لسان بطلها ان " الشيخ رسن عندما يدخل القرية ، يدخلها وهو رافعا رأسه للأعلى متصفحا أرجاء المكان بكبرياء وغرور مصطنع ويجلس دون ان يعير أي اهتماما لأبي الذي هب لاستقباله ... الخ " .
وتسلط الرواية الضوء على الطريقة الجائرة التي استولت فيها شركا النفط الإيرانية على أراضي قرية أم البلابل و تتحدث عن أهالي القرية وهم يناقشون موضوع استيلاء الحكومة على أراضي قريتهم بحجة التنقيب عن النفط ، وذلك بعد ان ابلغهم شيخ القرية الحاج رسن الذي قال :" لقد شاهدت قبل أسبوعين رجال الحكومة ومعهم معداتهم وهم يمترون الأراضي الواقعة حول قرية أم البلابل ويدونون بعض الملاحظات وهذا ما أقلقني ... الخ " ,كما اخبرهم وهو يخاطب احد رجال القرية ويدعى أبا جاسم قائلا : " ان الحكومة تريد تشتري أرضك ...، لا بل أراضي أهل القرية جميعا " .
وتتطرق الرواية إلى الأساليب التي تتبعها الحكومة الإيرانية للاستيلاء على أراضي المزارعين العرب لصالح شركات التنقيب عن النفط وفي هذا المجال يجري نقاش حاد بين الشيخ رسن وأبو جاسم الذي رفض بيع أرضه، حيث خاطب أبا جاسم الحضور قائلا " لن أبيع ارضي ،لأنها ملكي ولن أبيعها حتى لو اضطررت ان اذهب بنفسي للشاه " لكي اشتكي له .
كما تتحدث الرواية عن الفوارق الكبيرة بين الريف و المدينة ، فبينما يسكن الوافدين من داخل المدن الإيرانية والعاملين في شركات النفط في إحياء تتوفر فيها كل مستلزمات الحياة ،نرى أبناء المناطق الريفية لا يتمتعون حتى بأقل ما يمكن من الإمكانيات التي توفر لهم العيش الكريم " فالعجم أي الفرس " كما تقول الروية الذين يسكنون المدينة كانت بيوتهم نظيفة تحتوي على جميع مستلزمات الحياة حتى ان نساءها وخلافا للنساء العربيات لا يحملن الحطب على رؤؤسهن الخ .. " .
و تتحدث الرواية عن الأساليب المتبعة في الاستيلاء على اراضي العرب ،من ممارسة سياسة الترهيب والترغيب عليهم ،فمن وسائل الترغيب هو حث العرب على التنازل عن ملكية أراضيهم مقابل ان يدفع لهم اقل ما يمكن من المال كتعويض ،او مصادرة أراضيهم بحجة أنها أراضي حكومية ، وبالتالي أصبحت مسألة " بيع الأرض أو عدم بيعها حديث الكبير و الصغير في قرية ام البلابل و القرى المحيطة بها " وهو حديث يدور حول خطط الحكومة للاستيلاء على أراضيهم ومصادرتها ، كما أنهم كانوا يتناقشون فيما بينهم الطريقة التي من شانها ان تمنع السلطات الحكومية من مصادرة أراضيهم باعتبارها "رزقهم وحياتهم "و لكن الشيخ رسن كان يهدئ من روعهم يقول لهم " رغم ان الحكومة سوف تدفع لنا تعويضا و لكن نحن نعرف ان المال سوف ينفذ يوما ما، ولكن الأرض تبقى ، لذلك انأ أرى ان نقف بوجه هذا المشروع ولا نسمح لهم ان يصادروا أراضينا " . الا انه إمام الضغوط و التهديدات الحكومية وافقت الغالبية العظمى من أهالي سكان قرية آم البلابل على بيع أراضيهم ،لان الشيخ رسن كان قد ابلغهم أنهم في حالة الرفض سوف يواجهون "بالسجن و العقوبات القاسية " و رغم أنهم وافقوا على كلامه الا ان " عيونهم بقيت تربوا إلى مزارعهم وحقولهم " ، ولكن رغم موافقة الغالبية على مبدأ البيع مقابل التعويض الا هناك من امتنع عن بيع أرضه ، حيث تتحدث الرواية وعلى لسان بطلها ان هناك ثلاث أشخاص امتنعوا عن بيع أراضهم من بينهم والد بطل الرواية الحاج محمد أبو جاسم و تتحدث أيضا عن محاولة الشيخ رسن وعريف الشرطة خسروي في إقناع أبو جاسم لبيع أرضه بعد ان حاولوا إرضائه عبر تقديم الأموال .
كما تشرح الرواية وبأسلوب أدبي رائع الأساليب الوحشية التي اتبعته الحكومة في الاستيلاء على الأرض وعن كيفية تدمير بيوت الأهالي بواسطة الجرافات والتي تم خلالها حتى قلع ألأشجار المثمرة مثل النخيل وغيرها من الأشجار المثمرة من جذورها .
كما تشرح لنا الرواية القرار الذي اتخذه أبو جاسم من اجل الدفاع عن أرضه والأساليب القذرة التي اتخذها رجال الأمن تجاهه ، حيث تم إلقاء القبض عليه و من ثم تحويله للقضاء حيث حكمت علية المحكمة بالسجن لمدة خمس سنوات بالإضافة إلى الغرامة المالية التي استقطعت من الأموال التي دفعت إليه كتعويضات و كان صدور مثل هذا الحكم هو بسبب اعتدائه على رئيس المشروع وتعويضا للخسائر ألحقها بممتلكات شركة النفط ، وبالتالي تم مصادرة أراضي الحاج محمد و تم تجريفها بما فيها بستانه وكل ما فيه من أشجار مثمرة .
بعد هذه الإحداث تنقلنا الرواية إلى عالم آخر وهو عالم المدينة فبعد سجن الحاج محمد تكفل والد زوجته برعاية إفراد العائلة وذلك بعد ان ترك القرية مجبرا وانتقل إلى المدينة بحثا عن حياة جديدة .
وأثناء قراءتنا لرواية " أم البلابل " توجهنا مواقف وإحداث ساخنة تعكس واقع ما يعانيه المواطن الاهوازي وتجعل القاري يتابعها حتى النهاية ، كما انه سوف يرى ان الراوي الأستاذ عمار عذب في لغته يرسم بريشة فنان قدير واقعا يبدو بحد ذاته خارجا عن الواقع .
،كل الشكر و التقدير للأستاذ عمار تاسائي على هذا العمل الروائي الرائع ونتمنى له المزيد من العطاء .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما