الحوار المتمدن - موبايل


مُزاحُ القدر!(1)(قصة قصيرة)

زياد النجار

2020 / 12 / 26
الادب والفن


ينزل صالح الشربيني من بيته الآن..إنه متوجهٌ الآن للتقديم الوظيفي في أحد المطاعم..استر ياللي بتستر!..يرفع يده مشاوراً لأحد تلك السيارات الصغيرة، التي تُدعي "التكاتك" التي تمر يومياً..توقف التوكتوك بالفعل..استقله الفتي ابن الواحد والعشرين ربيعاً.
يقف التوكتوك علي بُعد بضع خطواتٍ من الموقف.تخترق صيحات السائقين الجشة الأفق..علي اليمين من يضع سيجارةً خلف أذنه!، ويقف أمام ميكروباصه، وآخر في الأمام يضع منشفةً رثّة علي كتفه، ويرتدي ملبسً داخلياً!، وآخرٌ به بعض البدانة ينفث سيجارته بين حينٌ وحين ثم يصيح باسم المنطقة التي ستذهب إليها عربته، وآخرٌ نصفه العلويّ مختفياً تحت ميكروباصه..يبدو أنه يجري له بعض الإصلاحات، والأخير في الخلف يُغطّس منشفةً في دلوٍ بجانبه وهو جالسٌ القرفصاء..ثم يمسح بها علي عجلات الميكروباص.
-العبسيه..العبسيه..العبسيه!
تدوي في الأفق..
يذهب صالح إلي مصدر هذه الصيحات التي تُقال بفنٍ وانشكاح!..ثم يصعد إلي العربة..ويختار الجلوس بجانب النافذة في آخر أريكة.
مرت بضع دقائق، وكان الركاب لا يزالون ثمانيةً تقريباً:
-اليس هيا بنا يا اسطي؟(يسأل صالح، وكان قد تدلّي برأسه من النافذة)
-العربة لم تمتلأ بعد.
-ولكن أنا سأتأخر!
-يا أستاذ هذا أكل عيش!..عدة دقائق أُخري إلي أن تمتلأ العربة.
ثم عاد صالح برأسه إلي موضعه مغلوباً علي أمره!
وما هي إلا ربع ساعةٍ تقريباً إلي أن امتلأت العربة.ستبدأ في التحرك أخيراً..نصف ساعةٍ تقريباً ولك موعداً مع ما سيتحدد عليه مصير حياتك، مع ما ستعرف من خلاله كيف سيكون شكل مستقبلك.ليكون الحظ حليفك يا عزيزي.
***
بدأت السيارة في التحرك بالفعل:
-الأُجرة يا إخوانا!
هكذا صاح السائق طالباً حقه المشروع..فامتدت الأيادي بالوريقات النقدية خلال ثواني..وأخذت تتناقلها حتي وصلت لجيوب السائق.
-أنا لا أملك مالاً!
قالها أحد الركاب بحرج ومَسكنة، الذي يظهر ملامحه العِقد الثلاثيني في الأعمار..فامتدت في بُره عدة أياديٍ مُحملةٍ بالنقود؛ تريد أن تدفع له..فأخذت أُجرته من يد سيدةٍ خمسينيةٍ تقريباً؛ ليس لسببٍ سوي أنها أقرب للسائق من غيرها المادين أياديهم بالمال، ويبدو عليها للوهلة الأُولي أنها تعمل موظفةً في إحدي المحاكم أو البنوك.
مرت الدقائق.والسائق ومن يجلسان معه في الأريكة الأمامية فكانا يفتيان في السياسة، وعن بلادهم التي لم تعد لهم، والرئيس الذي انخدع في الشعب بشعاراته الرنانة، وبطولاته الزائفة، ووعوده التي لم يُنفذ شئً منها إلي الآن، وفي الأريكة التي خلف الأريكة المقابلة لأريكة السائق كان جالسوها يتحدثان بشأن حادثة بئر العبد الإرهابية أمس، ومن خلفوهم يحكيان بشأن حادثةٍ مروعة وقعت لابنة جارٍ لأخي أحدهما، ويتأسفان لما أصابها، والآخرون في آخر أريكة يتسامران عن مباراة الأهلي البارحة..وأأمل ألا تتطور مناقشتهم إلي مشاداة بالكلام ثم إلي شجار!، أما صالح فكان جالساً لا يتحدث مع أحد، تلتقط أُذناه أحياناً ما يصدر من أحد الأطراف المتحادثين، وبجانبه ذلك الذي يوجد في كل توصيلة ميكروباص، ألا وهو الذي لم ينم جيداً الليلة الماضية، أو هو في الحقيقة نام كثيراً، ولكن كل ما في الأمر أنه لا يشبع من النوم!
***
-علي جنب يا اسطي..(قال صالح)
وصلت العربة بالفعل..وها هو صالح يترجّلها..
ثم يقوم بالعبور إلي الجانب الآخر من الطريق الذي كان قد توقفت عليه السيارة..عليه أن يستقل تاكسي.يرفع يده مشاوراً لأحد السيارات..فيُلاقيه السائق برفع يده هو الآخر؛ معتذراً عن تلبية طلبه..يبدو أن لديه مشاوره الخاص..ظل هكذا إلي ما يقرب من النصف ساعة..ما الجديد؟!..هذه هي عادة المواصلات في بلاده!ها هو يرفع يده مرةً أُخري..لقد توقف التاكسي علي مقربةٍ منه بالفعل.وأخيراً!..
***
مرت بضع بُره:
-الأسعار بقت نار يا بيه!..كيلو اللحمة بـ 90 جنيه..والله إنه شئٌ لا يعلم به إلا ربنا!
-نعم..
-الله!..من أين أنت؟
-من العجوزة..
-أحسن ناس..
-تسلم.
مرت ثوانٍ أُخري:
-صباح الفل!
-شكراً..لا أُدخن!
-أحسن!..إنه مضرٌ جداً!
-طبعاً..
-أسمعت عن حادثة البارحة في سيناء؟
-في بئر العبد؟
-نعم..إنها هي..
-نعم..لقد سمعتُ عنها..
-لا حول ولا قوة إلا بالله..15 شابً زي الورد ماتوا فطيس!
-الله يرحمهم..ويسكنهم فسيح جناته.
-كان..
أخذ يأخذان ويجيئان في الحديث إلي أن وعلي حين فجأة حك أحد سائقي التكاتك السيارة..فجن جنون السائق..ثم تدلّي برأسه من السيارة:
-ما هذا الذي فعلته يا ابن .....
فركن سائق التوكتوك علي أحد جوانب الطريق..يبدو أن ملامحه قد تصرّمت!.الله يستر!
-من هو هذا ابن...
قالها وهو ينزل من مَركبه، ويبدو أن هذا الشئ في يده سكيناً!
-أتظن أنك هكذا تُخيفني يا ابن.....
-سأُريك يا ابن.....
وتطوّح في الأفق سباباً حاداً..حتي تجمهر الخلق..وأخذوا يُحيلون بينهم.ولكن ما ذنب هذا الفتي الذي نزل هو الآخر من التاكسي ليُنتهي الموضوع؟!..ما ذنبه أن يتأخر عن ما سيترتب عليه مصيره؛ بسبب مشاداةً سخيفة؟! حاول صالح أن يُنبه السائق أنه سيتأخر لو ظلوا في منوال تبادل اللعنات هذا!..إلي أن فُضّ الموضوع مع عدة دوراتٍ لعقرب الساعة.
ركبا صالح والسائق السيارة أخيراً، وظل السائق يتحدث عن الخناقة طيلة الطريق..حتي شعر صالح بالاختناق منه، ولكنه كتمه بالطبع.وصل صالح إلي مأربه أخيراً..وهبط من السيارة.عليه أن يدفع الحساب الآن:
-خذ..
-ما هذا؟!..خمسة جنيهات؟!
-نعم!
-أنا أُريد عشرة!
-لما؟!..لقد جئت بي من الموقف إلي هنا..والمسافة كلها لا تتجاوز الخمس دقائق لولا المشكلة مع سائق التوكتوك!
-حسنٌ يا بيه..إنه يوم ابن... من أوله!
ويسير مغلوباً علي أمره، راضياً بما جاد به عليه يومه بعد أن هتك عرضه أمه!
***
يتبع..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنا الشاهد: جولة في مغارة كلسية وتجارب في الاندماج بالثقافة


.. الممثلة هنرييت: أحببت إطلاق طاقتي في شخصية ليف | الصباح


.. دراسة: علاقة قوية بين القيلولة والمهارات اللغوية | الصباح




.. الأفلام الخمسة المتصدرة شباك التذاكر الأميركي | الصباح


.. صباح العربية | توم هانكس يعود بفيلم -أخبار العالم-