الحوار المتمدن - موبايل


مُزاح القدر(2)!(قصة قصيرة)

زياد النجار

2020 / 12 / 27
الادب والفن


جلس صالح علي الأريكة بجانب غيره من الذين سيتم اختبارهم بعد قليل ، والسكرتيرة علي مكتبها تعمل، وتُنادي علي من عليه الدور حينما يحين ذلك.
إنه الآن ينظر إلي السكرتيرة ببطأ وتأمل..ثم إلي باب غرفة المدير، التي سيتم اختباره بها، التي تمثل أسوأ كوابيسه الآن..ثم عاود النظر إلي الأرضية..وكانت قد ارتعدت فرائسه..وشعر برعشةٍ حاول كتمانها!
-صالح عبد السلام الشربيني..
إنه دورك يا صديقي!
***
يدخل الحج عبد السلام إلي بيته متعباً من العمل طيلة النهار كفراشٍ في المدرسة في الصباح، وفكاهانيّ في المساء.كل ما يأمل به الآن هو لقمةٍ هنية؛ يسُد بها رمقه، ووسادةٍ وغطاء وسرير!
ولكن لما أم صالح تجلس منكسة الرأس هكذا؟!..ثم ترتشف!..رِباه!..هل هي تبكي؟!..خير يارب خير!
-ماذا بك يا أم صالح؟!
سأل عبد السلام، ولكن يبدو أنها لم تنتبه لدخوله من باب المنزل من الأساس! ارتبكت، وكفكفت دموعها بسرعةٍ:
-لا شئ!
-هل تبكين؟!
-ماذا؟!..لما سأبكي؟!..لا!
-إذاً لما كنت مُنكسة الرأس هكذا؟!..ولم تنتبهي لقدومي؟!
-لا شئ..كُنتُ فقط سارحةٌ قليلاً..
-لا!..إنكِ كنتِ تبكين!
-لا..
-كنتِ تبكين!..ماذا هناك؟!
أخذت في التعلثم؛ فلم تدري ماذا تقول..ثم طغت عليها رغبتها في البكاء فانهمرت دموعها!
-ماذا هناك؟!
-ابنك!
-ماله؟!
-لم يتم قبوله في التقدم الوظيفي اليوم في المطعم الجديد اللعين هذا!
سكت الأب وكأن رصاصةً أصابته للتو!..تُفصح ملامحه، وأنفاسه المتسارعة، وبَلعة ريقه وهو ينظر لزوجته بأنه لا يستطيع الاحتمال!
***
يتكأ صالح علي ظهره في سريره داخل غرفته الصغيرة ناظراً لسقف بيتهم المقشر المتآكل..وإذا بثانيةٍ تمر..وياليتها لم تمر!؛ إذا بباب الغرفة يُرزع في الجدار مرةً واحدة!..إنه والده!..لما قد يفعل هذا؟!..أهذا الذي يتدلّي من يده حزام؟!..ماذا سيفعل به؟!
-لقد علمناك وكبرناك..وشقينا بالعرق والدم حتي صِرتَ شحطاً..وفي النهاية لا تقبل في هذه الوظيفة؟!
ثم ينهال علي جسده بالحزام الذي في يده..وكان صالح قد اعتدل في جلسته..فأخذ يصرخ من أثر الضربات:
-انتظر!..تنتظر!..سأفهمك الموضوع!..أرجوك!..انتظر!..يا ابتي انتظر!..
صرّح بهذه الكلمات بصوتٍ عالي، ولكن ((لا حياة لمن تُنادي))!..
واستمرت لسعات الحزام في النزول علي جسده..حتي إن رأس الحزام الحديدية قد اصدمت به؛ لما كان قد انفلت الحزام من يد الرجل؛ من فرط سرعته في الهبوط به علي جسد البنيّ!..فالتقطه مرةً أُخري!..وشرع في الضرب مجدداً!..
***
ها هو طلّ الصباح بإشراقته، والأم وبنتها يجلسان بجانب الفتي المسكين، المُلقي علي سريره برأسه المضمدة، كالمشلول الذي لا يقوي علي الحركة، والذي تحمّر بدنه من أثر لسعات البارحة!.ماذا؟!..أهذه مستشفي؟!
الأب الآن يدخل عليهما!..واخوفاه!
-دعونا وحدنا قليلاً!
-ماذا؟!..أنا لن أترك ابني!..أكنت تريد قتله؟!(قالتها باكية)..هل جُننت؟!
-قُلت دعونا وحدنا يا ولية!
-لن أدعه معك مهما حدث!
-ا..!
يبدو أنه كان سيزعق..ولكن اخترق صوت صالح:
-ياما..اتركينا وحدنا!
فتظرت له الأم في ضيقٍ وعصبية:
-حسنٌ..هيا بنا يا زينب..
وخرجت الأم وابنتها بالفعل من الغرفة، تاركين الرجل مع ابنه..
اقترب الرجل من السرير الموضوع عليه صالح:
-أنا آسف!..سامحني يا بُنيّ..عندما جئت من العمل..ورأيتُ أُمك تبكي..فلما سألتها..أخبرتني بأنك لم تُقبل في الوظيفة..فلم احتمل!..لم احتمل فشلً آخر!..لن أعيش لكم طيلة العمر!..أُريد أن أموت مطمئن البال عليكم!..
-أُسامحك يا ابتي..
ثم سالت دموع الرجل علي وجنتاه الخشنتين الشائبتين..وما أدراك حينما يبكي الرجال!
-أبي..أُريد أن أخبرك بشئ..
مسح الرجل علي وجهه بكفيه، وابتلع ريقه:
-نعم..كلي آذان صاغية..
-أنا!..أنا!..
-أنت ماذا؟!
-أنا!..تعمدتُ أن أخسر هذه الوظيفة!
ما الذي تقوله يا بُنيّ؟!..أعتقد أن قلب أبيك سقط الآن في قدميه!
-ماذا؟!..ما الذي تقوله؟!..هل أنت جاد؟!
-نعم!..
-ماذا تقصد؟!..هل أنت مجنون؟!(قالها بصياح)
-ما حدث بالضبط هو أنني لما وصلت إلي المكان المنشود..قبل الدخول نظرتُ له بتأملٍ شديد..ودار حوارٌ عميق بيني وبين نفسي..أهذه الوظيفة هي ما أحلم بها؟!..أهذه هي التي تمنيتها منذ الصغر؟!..أهذه هي التي تعلمت 20 سنةٍ من أجلها؟!..أهي التي ستمكنني من أن أجلب لابني كل ما يتمناه بسهولة؟!..أهي ما تعلمت عنه في الاساس؟!..لما لا يُمكنني أن أعمل بشهادتي المُلقاةِ في الدرج؟!، والتي ملئها الغبار!..لما لا أجد عملٍ منذ سنوات يتناسب مع مجال دراستي؟!..لما يتوجب عليّ أن أعمل ما لا أُريد؟!..لما تستعبدنا لقمة العيش هكذا؟!(يبدأ في النحيب)..لما لا يُمكننا أن نحيا مُرتاحين ونحصل علي لقمة عيشنا بدون الذل والشقا كل يوم؟!(يعلو نحيبه)..لما شرط الحصول علي قوت يومنا أن تتحطم أبداننا؟!..
إنها الأرض يا عزيزي، وليست الجنة!..أي أنك طالما تحيا عليها ستُحاول أن تجعلك تكفر!..كما أنك تعيش في مصر!..مقبرة الأحياء حرفياً!..
***
السيدة أم صالح وأخته واقفتان، الأم منكسة تبكي، وتُمسح علي وجهها بين الحين والآخر، وتتنهد، والفتاة تبكي هي الأُخري وتُحاول تهدئتها..يخرج الأب علي فجأةٍ من الغرفة..ترفع السيدة رأسها نحوه:
-ماذا؟!
ينظر لها الرجل، وكانت شفتاه متباعدتان قليلاً، وملامحه تصعب علي الكافر!
-ماذا؟!
ينظر لها في صمتٍ مُرعب!..يرفع رأسه ناظراً للسماء!..فيمد ذراعه إلي الأعلي مُشيراً بسبابته حتي تجاوز مستوي رأسه..ظل هكذا لبرهةٍ تقريباً!..ثم بدأت عيناه في الإنقلاب!..ثم ارتمي بجسده أرضاً!..(تمت)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أنا الشاهد: جولة في مغارة كلسية وتجارب في الاندماج بالثقافة


.. الممثلة هنرييت: أحببت إطلاق طاقتي في شخصية ليف | الصباح


.. دراسة: علاقة قوية بين القيلولة والمهارات اللغوية | الصباح




.. الأفلام الخمسة المتصدرة شباك التذاكر الأميركي | الصباح


.. صباح العربية | توم هانكس يعود بفيلم -أخبار العالم-