الحوار المتمدن - موبايل


خطوات راسخة

دينا سليم حنحن

2020 / 12 / 29
الادب والفن


دينا سَليم حَنحن - أستراليا.

عندما تغتالني التنهيدةُ، أُحَاطُ بخاناتٍ من الأرق، فأختزلُ أحلامي الكبيرةَ بحلم واحدٍ صغيرٍ، وأقولُ كفى، حلمي هو زيارةُ الأماكنِ جميعِها التي داسَ فيها المعلمُ الأول، وكذلك حيث داسَ الأنبياءُ ورجالُ الله الصالحون، لم يكن الأمر مستحيلا أن أعبرَ ثنايا التاريخِ، وأطلّعَ على تتابعِ الحضاراتِ في بلد مُتَنازعٍ عليه يدعى فلسطين.
زرتُ مقاماتِ الأولياءِ الصالحين، والمغاراتِ التي باتوا فيها، والينابيعَ التي شربوا منها، وحتى الأشجارَ التي استراحوا في ظلِّها.
لكن، خصصّتُ هذه المقالة، بكلماتها المقيدةِ، لبعض الأماكنِ التي زرتهُا، والتقطتُ لها صورا بعدستِي الخاصةِ، وسوف أنقلُكم مع السيد المسيح في مسيرة حياته، وُلدَ في بيتِ لحم، وأمضى طفولتَه في الناصرة، وشبّ في الجليل، ومَكثَ في القدس، فيها تألمَّ وصُلب، وترك بصماتِه في أنحاء فلسطينَ كلّها.

فلسطينُ، والمفردةُ آراميةٌ، لغةُ السيد، ومعناها: فليس: المبارك، أو المقدس. طين: معناها الأراضي، أو طين الزيتون/ أرض الزيت.
من يولدُ في فلسطينَ، يكبُر على الطّللِ، وينهمكُ في البحث عن الآثار التاريخيةِ، ربما بالفطرةِ، أو بسبب حبِّ الاستطلاعِ والتشويقِ، فكلُّ بناءٍ قديمٍ يحوي أحداثا وأسبابا لبنائِه، والبناءُ، يعني الحياةَ الاجتماعيةَ، والعمرانَ، والازدهارَ.
آثرتُ الكتابةَ عن بعضِ الكنائسِ التي شُيّدَت، بعد صعودِ المسيحِ إلى السماء بسنواتٍ عديدةٍ، والتي حملتْ ذكرياتٍ، وحكاياتٍ، وعِظاتٍ، ومعجزاتٍ.

وبما أنّ الموضوعَ يتّسِعُ لعشراتِ الكتبِ سوف أختصرُ وأبقى في الجليل، وهي كلمةٌ عبريةٌ، معناها الشكلُ البيضويُّ، وينقسمُ الجليلُ إلى عدة أقسامٍ، وفي كل قسمٍ تَنَامتِ القرى والمدنُ على شكلٍ بيضويٍّ، مرّ بها السيدُ عند التقائِه بالعامة.
أما بحيرةُ طبريا، وتقعُ في الجليلِ الشرقي، ففيها حصلتِ الكثيرُ من الأحداث والمعجزاتِ، ظهورُ السيد وهو يسيرُ على الماء على مرأى من عيونِ تلاميذِه وظنوه شبحا، وهناك قام بتهدئةِ العاصفةِ التي كادت أن تودي بسفينة تلاميذه، وهناك ظهر لهم بعدَ القيامة، على الشاطىء وهم عائدون من الصيد بالشباك فارغةً من السمك، قال لهم من بعيد " ألقُوا الشبكةَ إلى يمين السفينة "، وحيث ناولهم خبزا وأطعمهم سمكا، في المكان ذاتِه عندما قام بشواء السمكِ وإطعام تلاميذِه بيده.
بُنيت على بحر طبريا كنيسةُ بطرس، الطابغةُ، بحجارتها السوداءِ، شأنُها شأنُ المباني جميعِها في المدينة الأثريةِ، استخدُمتِ الحجارةُ التي قذفتها الانفجاراتُ البركانيةُ المتتاليةُ في العمران، حصل آخرُها قبل أربعة آلاف سنةٍ، وتبعد الكنيسة مئتي متر عن الشاطىء، من يزور المكان يلاحظ الصخور السودَ المنتشرةَ في الأنحاء.

في القرن الخامسِ الميلادي، شُيّدت كنيسةٌ حديثةٌ على أنقاض بيتِ بطرسَ الحقيقي، على شاطىء بحيرةِ طبريا، وتمّ الحفاظُ على آثار البيتِ القديمِ الذي تردّد عليه المسيح.
وأقيمَت في الحِقبة البيزنطيةِ كنيسةُ القديسين، بطرسَ وبولسَ في كفرِ ناحومَ، على مشارف بحيرةِ طبريا، لقد اختار يسوعُ المسيحُ أن يعيش السنواتِ الثلاث َ الأخيرة من حياته في مدينته، كفرِ ناحوم.
ومن المعجزات التي قام بها، شفاءُ غلامٍ عمل خادما لدى قائدِ المئةِ في كفرِ ناحوم.

فعلتُ كما قيل: "عندما ترقصُ، لا يكون هدفُك الوصولُ إلى مكانٍ ما في ساحة الرقص، لكنك تحرصُ على الاستمتاعِ بكلِّ خطوةٍ"! زرتُ الأماكن وفي كل مرة كنت أجدُ المزيدَ الممتعَ الذي دعاني إلى النبش مجددا.
وطئتُ شاطىءَ البحيرة حافيةَ القدمين، فالسعادةُ تكمُن هنا، هكذا أخبرتُ نفسي، توقفتُ في مكاني للتأمل، شعورٌ خفيٌّ يدَعُ البحرَ يقتربُ مني ويأخذُني من حاضري ويذهبُ بي إلى الماضي الذي لم أعشْه، أستطيعُ أن أقول، إنّ إيمانيَ بالمسيح إيمانٌ عاديٌّ جدا، لست من المتلهفين أو الطامحين، ولا من المتزمتين أو المنغلقين، ولست تواقةً إلى البكاء كما يفعلُ البعضُ، لكنني أشعرُ بسعادة الاكتشافِ وزيادةِ المعرفةِ التي تحفزني على اكتشاف المزيد، فالطرقاتُ التي سلكها السيدُ ما تزال تعجّ بخطواتِه، مفعمةً بالأمانِ، والقداسة، والمحبة، والاطمئنان، وتستكين إليها الروح دون تردد.
طارت قُبعتي فانحنيتُ لالتقاطِها، هربتْ مع الريح واستقرت أعلى الصخور الواقعةِ في نتوءٍ ضيقٍ، حيث أقف تماما، استُخدم المكانُ سابقا ميناءً لسفن الصيد، قالوا، ترجّل السيد من هنا وقصد الشاطىء، المسافةُ ضيقةٌ، والكنيسةُ التي بُنيت فيما بعد على صخرة، والصخرةُ محفوظةٌ، استخدمها مائدةً جهزها المسيح للتلاميذ الذين عادوا من الصيد دون أن يعرفوا من يكون، رُفِعت إشارةٌ كتب عليها Mensa Christi.
لم يمتطِ المعلمُ فرسًا، ولم يأتِ محاربا، ولم يسعَ إلى نشرِ نبؤته بالقوة، بل فعل مثلما فعل الفلاسفةُ القدماءُ، المشاؤون وتبعَه الناسُ، قدّم أمثلة اتخذَها من الواقع، ولم يأمر أحدا بالاستماع، ولم يُنظّر أو يُحكّم أو يُملي، فقط تحدث عن واقع معاش، وأوصى تلاميذه بعدم إخضاع أو إلزام أحد للاستماع، وأصبح صديق الفقراء، والمحتاجين، والمعذبين، والمرضى.

شارك أيضا في الحياة الاجتماعية، وبارك الخبزَ، وقام بتحويل الماءِ إلى خَمر في عرسٍ أقيم في قانا الجليل، قدّس الزواج بين الرجل والمرأة، ورفعهما إلى مقام سرّ إلهيّ، وأقيمَت كنيسة العُرس، في المكان ذاته في قرية كفر كنا، في الجليل الأسفل، تبعد 18 كم عن بحيرة طبريا، خصصت الكنيسة لطقوس الزفاف، وتأسست في القرن السادس عشر ميلادي.

لن أنبش في النبؤات، وليست مهمتي، بل سأذهب بكم إلى المدينة التي رفضت المعلم، الناصرة، فقال عندما بدأ يعلّم يوم السبت في المجمع، واجتمع عليه اليهود رافضين الاستماع له: " ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه، وبين أقربائه وفي بيته ".
احتفظت ناصرةُ الجليل، وحتى اليوم بالأماكنِ التي بُشّرت فيها العذراء مريمُ بحَملها، كما احتفظت بنبع الماء الذي شربَ منه السيدُ عندما مارس مهنة النجارة، كما احتفظت بالزقاقات التي ركض فيها طفلا وسار فيها شابا يافعا.
إن أحسستَ بالعطش وأنت في الناصرة، عَرّجْ حيث النبعة الجارية داخل كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس، املأ كفك واشرب، من هناك يبدأ مِشوارٌ جديدٌ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف