الحوار المتمدن - موبايل


كتاب -الأصابع البيضاء للجحيم -:هو الشعر مهما تناسوا: سيرة الشاعر أو شعر الإنسان بقلم / عصام الزهيري

مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري

(Moemen Samir)

2020 / 12 / 29
الادب والفن


يقول في الفصل الخاص بنزار قباني: "سيظل شاعرا يلتقط روح الحياة عبر تفاصيلها وروائحها وحسيتها وليس من العادل ولا الطبيعي أن ننعي عليه كونه ليس شاعر أفكار ولا تصورات ولا فلسفة إلى درجة نفي شاعريته". وذلك بعد أن يرصد تبدلات علاقته بنزار التي تبدأ من تحذير أبوي من هذا الشاعر الموصوم بالانفلات الأخلاقي، وهو الموقف الذي جوبه به نزار منذ الأربعينيات نتيجة ممارسته للرفض والحب علنا. والكاتب خلال مرحلة ما من تطلعه للشعر يجد نفسه في موقف يشبه الاستجابة الماكرة للحذر الأبوي الأخلاقي من شاعرية نزار، يقول: "ثم قل هربا من حسد الجميع لهذا النموذج النجم، كنت أذكر الماغوط الأقرب لنا بوحشيته وعدم هندامه واقتناصه للحياة بفجاجتها و واقعيتها.. أين نحن بفقرنا وصعلكتنا من المخملية والنعومة حتى لو انضغمت بالمبدئية والشجاعة؟". بالمثل تقريبا يلحظ الشاعر كيف انحصر الإعجاب بأمل دنقل عند قصائده السياسية دون قصائده الإنسانية الأكثر فنية وقربا من شرط الشعر. وهو يعلل حدوث ذلك بأسباب تتعلق بنا وبواقعنا السياسي وليس بتجربته هو. ويعود في مقاله الذي جمع فيه بين دنقل وسعيد عقل تحت عنوان: "شاعران إشكاليان" إلى التنبيه لتلك الحالات التي تختلط فيها سيرة الشاعر وشعره بالموقف السياسي بحيث تصبح رؤيته شاعرا فقط متعذرة.
وربما لا يكون دنقل وعقل هما وحدهما الشاعرين اللذين يمثلان سؤالا إشكاليا في نظر الكاتب. بل إن كل شاعر تناوله الكتاب بدا كذلك في عين الدهشة الطفولية التي يرى بها الشعر الناس والأشياء. فالنساج الرعوي الذي يعبئ الموسيقى هو عنوان الفصل الذي يتناول الشاعر "محمد عيد إبراهيم". ويصفه بأنه صاحب القصيدة الأكثر تعقيدا في الشعرية العربية. ويلحظ فيه إخلاصه الصارم لقيم التحديث والتقدم والحرية. وبعد استعراض لمحات من شعره وسيرته يقول: "لا يحلم هذا النص الجارح وهذا المثقف الطموح إلا بلغة مخاتلة، بيضاء، متخلية عن ماضيها وحمولتها المعرفية، لا تقول شيئا، كي نعيد نحن نحتها فتقول كل شيء، ونلمس نحن نفوسنا المختبئة تحت الرمال، ونهز رؤوسنا ونحن نمضي بلا غبار..".
وفي فصل عن الشاعر "سمير درويش" يخبرنا الكاتب انه وضعه تحت الملاحظة منذ ديوانه الأول الذي لمح فيه ذكرا وصدى للشاعر "حلمي سالم" الذي كان يمثل في نظره "كيانا ثقافيا". وبعد استعراض عدد من دواوين الشاعر الأخرى تلت ديوانه الأول يقول: "سمير درويش طوال هذه السنوات كان يبحث عن سمير درويش، عن الخروج والانعتاق من ذاته المثقلة بتاريخ الشعر العربي كله إلى ذاته التي تكتشف الشعر، وهي تتنفس مع السماء وسط زحام المارة". وهو يرى أن هذا البحث عن الحرية تحقق في علاقة الشاعر بالقصيدة وبالأنثى بالموازاة: "الأنثى التي كانت مقدسة في الماضي حتى في قصيدته هو وإن بدرجات، رضيت أخيراً أن تتحول قداستها وأسطوريتها إلى لحم ودم، إلى طعام ورائحة وملمس".
الشاعر "عماد أبو صالح" يصفه الكتاب تحت عنوان: "جحيم المعتزل" بأنه: "نموذج للإنسان الوحيد طريد الأيديولوجيات، الخائف من كل شيء، والذي يعيد تفسير الأشياء وتقشير جلدها فلا يكتشف إلا المرعب القاسي". لكنه في عودة تالية لاكتشاف شعره يجده متميزا بشعرية غير منمطة وإن كانت تذهب إلى وجهتها في بساطة ويسر، تعادي كل ما هو فخم ومتعالي، وتتماهى مع الهامشي والبسيط، العاري من البلاغة ومن اليقين. وفي تناوله للشاعر "إبراهيم داود" تحت عنوان: "حنين الروح وسقياها" يرى أنه: "قدم نفسه في بداية وجوده وأثناء صراعه الوجودي مع أجيال الكتابة التقليدية التي كانت تحاصره وتخاصم كل تجديد كمفجر للغة، وكصياد ماكر يلعب مع العالم من حيث هو معجم كبير". وهو يلحظ غياب أي نتوءات أو تناقضات تفصل بين توجه الشاعر الشخصي في القضايا العامة و الأدبية والثقافية وبين شعره ونصوصه الإبداعية الخالصة.
داخل هذه المساحة الممتعة والمغوية، الفاصلة والواصلة بين سيرة الشاعر وشعر الإنسان، تدور مجمل أسئلة وتأملات كتاب "الأصابع البيضاء للجحيم".
* كتاب :الأصابع البيضاء للجحيم ،تأليف/مؤمن سمير ، دار "ابن رشد" ،مصر 2019








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان بورسعيدى عن دوره كمساعد وزير الداخلية فى -الاختيار2-: ش


.. شخصيات مستنيرة | أبو الفرج الأصفهاني.. أهم مراجع الموسيقى ال


.. أجور الفنانين في #رمضان تثير البلبلة.. و #محمد_رمضان الأغلى




.. نشرة الرابعة |شاهد.. أبرز الأسماء الفائزة بمسابقة الجوائز ال


.. نشرة الرابعة | مخرجة سعودية تفوز بإحدى جوائز وزارة الثقافة